د. بهجت سليمان: الموانع الثّقافيّة المُحرِّمة لتزامن عناصر الواقع.. "متى؟" و "كيف؟" و "أين؟" يخترق النّسقُ الأنماطَ؟
[الحلقة الثالثة والسبعون “73“ - الجزء 3 - من "سلسلة الفكر الإستراتيجي" حول]:
{الموانع الثّقافيّة المُحرِّمة لتزامن عناصر الواقع}
("متى؟" و "كيف؟ " و "أين؟" يخترق النّسقُ الأنماطَ؟)
• د. بهجت سليمان
رأينا فيما سبق لنا من حديث أنّه في "المسؤوليّة المعرفيّة"، و التي تبدأ، أوّل ما تبدأ، في سؤال: "ماذا ؟"، أنّ ثمّة جزئيّة لم تكتمل على اعتبارنا لم نكنْ نتحرّك في حدود هذه "المسألة" بتوجّه مباشر، بوعي و إدراك العالم و التّاريخ، في "المعقوليّة" التي هي الحدّ الأدنى (و الخارجيّ) للعقلانيّة؛
و لهذا لا نرى غرابة في إدماج جملة من الأسئلة "المعرفيّة" التي لا تتبنّى هدفاً "منطقيّاً" منهجيّاً، نظراً لخلوّ الإبستميّة الشّاملة القاطعة للحقول و المباينة للفضاءات من كلّ منطقٍ يُريد أن يكون وصيّاً عليها، فإذا بها لا تدخل بيت الطّاعة "الشّرعيّ"؛ مع أنّ الكثير من الاجتهادات المنحرفة تدّعي أبويّتها السّلطويّة للقطع الإبستميّ فتحاول، يائسة و غير يائسة، أن تتقدّم القطع التّاريخيّ الثّوريّ "معرفيّاً" لتجعل منه مناسبة، و حسب، من مناسبات الثّقافة الدّالّة على مجموعة الثّقافات و المثقّفين.
غير أنّ سؤال "أين؟" ينتمي في هذه القطيعة التّاريخيّة الأحفوريّة (الأركيولوجيّة) إلى منشأ معرفيّ غير مكانيّ؛
و ما إيحائاته المكانيّة، بالفعل، أكثر من كونها تأييناً لمرادفين أساسيين في باطن هذا السّؤال، يتعلّقان حصراً بالتّزامن الضّروريّ لِ"المتى؟" و "الكيف"، و قد تعلّقا "إبستمولجيّاً" بالسّؤال "ماذا ؟" و "لماذا ؟" الّلذين افتتحنا بهما "معرفيّاً" مفهوم "الثّقافة" عندما تريد أن تكون روحاً موحياً للعصر يستطيع أن يشكّل البديل التّشكيليّ لاختيار عقلانيّ من بين جملة من الخيارات التي تنتعش في "المعقوليّة" و تكتسب هيأتها، نهائيّاً، في العقلانيّة النّقديّة مانحةً "الشّرعيّةَ" على الأصول.
إنّ التّحيينيّة المعرفيّة التي تقتضيها التّأيينيّة الإبستمولوجيّة، تفرض نفسها على التّنظير، ليس كمناسبة في المعقوليّة الفكريّة (أو الثّقافيّة)، و حسب؛ بل و كذلك على أنّها شرط ضروريّ و لازم في انتشار المتشابهات الضّارّة من الأفكار عندما يكون الوقت قد تقدّم كبديل ظرفيّ عن الكثير من الجواسئ النّظريّة التي تظنّ في نفسها متانة نادرة، و وحيدة، في التّعبير عن القطع و القطيعة و الانتقال.
لقد دخلنا هنا في أعقد أشكال التّنظير الثّقافيّ، و لا غرابة في ذلك إذ أنّ كلّ "تعيينٍ" للمفهوم، غالباً ما يُخالطه الغموض الذي يُشير إلى التّشويش الذي تدخل فيه تفاصيل الأفكار التي تعتمدها "الثّقافة" و تُبدي لأجلها ميلاً تناحريّاً في اكتساب "الشّرعيّة" التي تقوم، بطبيعتها، على "مشروعيّات" متعدّدة أخرى و فضفاضة لا يحدّها سوى استعادة زمام الفكر في فوضى الحرّيّات التي تتبنّاها، لأجل المرور، مجموعة المشروعيّات الوجوديّة المدعومة، تلقائيّاً، من قبل إبهام العالم الذي نحيَى فيه و نتمدّد في سيرورته غصباً لقوانينه المسترسلة أو المرسلة على غارب تحدّياته التي لا يمكن أن تؤخذ، بحذافيرها، بالاعتبارات الحاضرة و المتداخلة في ما بين الأسباب و العلّيّات.
و لا يجب أن تغرينا تلك الأفكار بمناطق سطحيّتها و تشوّهها ، على أنّها من الأمور التي يمكن التّساهل معها أو فيه ، بقدر ما يُفترض أنّها تُحيلنا إلى امتحانات تاريخيّة "إبستميّة" نستطيع توظيفها كمقاييس ظرفيّة يمكن لنا الرّبط في ما بينها بقدر ما هي تعمل على انفصالاتها التّمرّديّة التي تنبو على الضّبط التّجريبيّ و التي تحمل في خطاباتها تلويحات من ذلك النّوع المهدّد للإدراك ؛
إذ لطالما بقي جهلنا بالشّيء أفضل ، بكثير ، من استيهاماتنا بإدراكه إدراكاً ثقافيّاً مستمدّاً من طبيعة المادّة الخاضعة للنّقد النّظريّ ، بدلاً من أن يكون مستمَدّاً من "الإبستميّة" المعاصرة في "روح العصر" و في "عقل الدّولة" و في الحساسيّة الجماليّة لمعايير القيمة التي تطبع عصراً ، على حدة ، في كلّ انعطافة تشكيليّة تظهر كتاجٍ فوق عرش التّحوّلات التي نسمّيها بالقطوعالمعرفيّة في تفاضلٍ و تكاملٍ لمشروع الانحياز السّياسيّ .
ولنكن واضحين منذ البداية في أنّنا ، نحن ، نميل إلى اعتبار "الثّقافة" و "النّقد الثّقافيّ" نوعاً من الزّعم الذي يطمح إلى أن يتجاوز نفسه نحو "المجال المعرفيّ" الذي يعمل على حيازة مكان و زمان و قاموس خاصّ يُضاهي به "الإبستميّة" الحاكمة لمجمل نشاط العصر ، أو لأهمّ ما فيه ؛
مع أنّ "الثّقافة" بذاتها لا يمكن لها أن تتخلّى عن نفسها بوصفها مجرّد نشاطٍ ثقيل و حاكم ، نحو أن تكون "مجالاً معرفيّاً" خاصّاً بذاته ؛ إذ شتان ما بين "وجه النّشاط" و بين "المجال المعرفيّ" ، من جهة أنّ الأوّل "عَرَضٌ" بينما الثّاني تأصيلٌ للأشياء التي ترغب –ربّما – في أن تتبدّى جوهراً و هي تستطيع .
و علينا ، أيضاً ، أن نعترف بأنّ ثمّة صعوباتٍ لا تنتهي بعزل المصطلحات الثّقافيّة التي تنتشر في المفاهيم اليوميّة ، و لكن التي تأصّلت في قاع الإدراك الجماهيريّ ، عن تلك المصطلحات التي تنأى بوجهها المباشر عن معطيات أو مآخذ الفهم ، و قد ترسّخت في ذاتها على أنّها قليلة المردود الثّقافيّ اليوميّ ، في ما بلغته من مكانة تحليليّة أو تركيبيّة في عمليّة الاستخدام العقلانيّ لمفردات العالم ، الذي تخفّى و يتخفّى في الصّعوبات التّقنيّة التي انهالت على الّلغة ، التي حوصرَتْ في قواميس الإدراك الأعلى ، الذي يعتمد في تكوّنه على القيم الثّابتة التي تنفر من الثّقافة و تستقرّ في المعقوليّة الواقعيّة ، التي تحتضن بذور العقلانيّة في الاتّجاهات النّقديّة ذاتها ، التي تؤلّف انفرادات الدّلالة في النّظريّة الواقعيّة أو الأكثر واقعيّة ، في إطار التّعالي الدّلاليّ الذي يقف صامداً و مرحِّباًبالفقدان الثّقافيّ المتوقّع في عمليّة ترسيخ العالم ، في تَيْمَاتِه الأصليّة ، التي تعمل على اختزاله في تصنيفات اصطفافيّة ثابتة في الاستعمال الاقتصاديّ للحاجات الأكثر ضرورة في التّفريق ما بين الغموض و الإبهام من جهة ، و بين الصّعوبات التَّقنيّة العالية و المتعالية من جهة أخرى ؛
هذا التّفريق الذي يدلّ على تمييز الأصليّ من التَّبَعيّ في قراءة المشكلات التي تغصّ بها كلّ من حظيرتيّ الثّقافة و المعرفة المستقلّتين بالطّبع و بالدّرحة عندما تُقرآن قراءة وافية .
تدخل النّزعات الجماهيريّة ، الفرديّة و الجماعيّة ، في إطار النّمطيّات السّلوكيّة الموصوفة في أعراض الثّقافة ، و لا تتعدّى ذلك إلى النّسق الفكريّ الجماعيّ المؤطّر بشروط وضعيّة دالّة على موضوعيّته ، في مناسبات التّحوّلات الحضاريّة في البنية الثّقافيّة المتحوّلة في تراكم القيم المحرّضة ، في ديمومة تحوّلات "النّظام" الذي ترفده المحفّزات في محطّاته الأساسيّة النّاظمة ؛
و على أساس ذلك نحن لا يجوز لنا ، إذ لا يُمكننا .. ، أن نقرأ "النّسق" في "النّمط" أو "لأنماط" الدّالّة ، لاختلاف المصدرين ؛
و هكذا ، فإنّنا لهذا نجد أنّنا انفرجت بنا الزّاوية التي نتطلّع منها إلى "المشهد" ، فنرانا مُقبلين على التّمييز المباشر ، الأصليّ و الشّرطيّ ، ما بين "الوصفيّة" التي انتهينا منها مع "ماذا ؟" و "لماذا ؟" ، و بين "النّقديّة" التي تسهم في جعل العالم خاضعاً للقسم المعرفيّ الجزائيّ الذي يُحدّد لنا الحدود القضويّة لنشاطاتنا الخاضعة للمسؤوليّة انطلاقاً من "الإرادة" التي تعيّنت في "المفهوم" الكلّيّ نقلاً عن مقولتها الأوليّة في الأصليّات المتعالية ، و التي خضعت في "السّياق" إلى جملة من "التّهذيبات" و "التّقييفات" التي كانت كفيلة بجعلها مُؤنسَنَةً بما يكفي لتكون من الممتلكات الفكريّة في حوزتها العقلانيّة القابلة للممارسات النّقديّة في النّظريّة المعرفيّة داخل أسوار الإبستمولوجيا التي تعيد بناء المشروطيّة الفكريّة باستمرار .
إنّ الإشرافة الأكثر وضوحاً ، هنا ، هي على سؤالنا الضّمنيّ المحايث حول "الغرض" المعرفيّ من تلقائيّات حركيّة "لثّقافة" التي تتعمّل تعمّلاً موضوعيّاً شارطةً النّظريّة بشروط العالَم ، حيث يمكننا هنا ، و فقط ، هنا ، أن نشهد على تأطير "الخطاب الثّقافيّ" العالميّ بمعالم الأصليّات المعرفيّة ، التي تنجز الضّرورة التي تحدّد لنا كيفيّات وجودنا الكفيلة بإمدادنا بالأدوات التي تمكّننا من المشاركة في إنجاز ثقافة العالَم بواسطة نموذجنا الحيّ الذي تهدّدته معالمُ تطوّر العالم و تجاوزته في بنيانها العامل على استمرارها في وجه خطوب تحدّيات العزلة و الانعزاليّة ، التي حكمت الثّقافات المنقرضة ؛ و لكنّها عجزت في ذلك أمام الثّقافات المستمرّة في المشاركة الجبريّة التي تسلكها في بناءات الحضارة العالميّة المعاصرة .
و أمام هذه "الأحفوريّة" المعرفيّة يكون من الواجب ، تسهيلاً في التّناول و "النّقد" ، أن نستعرض مضمون حديثنا على مرحلتين ، هما "مرحلة الغرض الثّقافيّ" ، أوّلاً ؛ ثمّ "مرحلة القيمة الثّقافيّة" ، ثانياً ؛ داخلين من باب واحد مشترك للطّريقين ، و أعني به "باب النّظريّة النّقديّة العقلانيّة" التي اخترناها على طول الخطّ لتكون إطارنا المعرفيّ في "النّقد الثّقافيّ" الذي نُضطرّ إليه في تعاطينا للواقع ، الذي لا يمكن له أن يغيب و لو أنّه يحتجب احتجاب الحقّ في "دولة العالم" الباطلة على الدّوام .
أوّلاً – الغرض الثّقافيّ ، بوصفه حاجة معرفيّة :
صحيح و أكيد أنّ "الثّقافة" ، بوجهها المعروف ، لا يمكن أن تؤدّي لنا أيّ إنجاز معرفيّ (إبستميّ) في طوفاناتها المستغرقة للعالم ؛ إلّا أنّه صحيح ، أيضاً ، أنّ أيّ هدف "إبستمولوجيّ" لا يمكن له أن يُمارَسَ في سبيله الأداء ، إلّا في إطار الوسط الثّقافيّ الذي يُحيط بالمعرفة من جميع جوانبها البيّنة حتّى يكاد يكون بديلاً منها في كلّ الظّروف و المناسبات ؛
و هنا ، نحن ، فقط ، يكون بإمكاننا تحقيق ما عجزنا عنه ، سابقاً ، في السّلوك ، من إنجازنا للواقع في صيغته "النّظريّة" السّابقة ، بالضّرورة ، على كلّ عمل .
فالثّقافة ليست شيئاً نافلاً و إنّما هي واقع لا بدّ منه يجعل من مبادئنا المعرفيّة نفسها
ضرورات مسوّغة عمليّاً ، على أنّها أفق "الثّقافة"و غرضُها الموضوعيّ الذي يُحابينا في "المجتمع" ، إذا استطعنا ، و فقط إذا استطعنا ، أن نعاصر ذواتنا في مشروع العالم ، السّياسيّ ؛ في "المشروع السّياسيّ" للعالم ؛ على أنّ لنا فيه حضوراً يقوم على ذات "النّموذج المُوحي" الذي نعمل على البحث على عناصره و تعريتها من بين سائر التباساتها العابرة و المدمّرة أحياناً ، و التي تطمح إلى أن تشكّل بديلاً تاريخيّاً له ، يتبرقع ، مثلاً ، بالدّين و "الإنسانويّات" المزيّفة و القيم السّياسيّة التّافهة الأخرى التي تنطلي على مجتمع أو شعب ، و بخاصّة في جماعات محدّدة منه تتمتّع بقابليّات و تلقائيّات تاريخيّة "خاصّة" .. ، يذوي شوقاً و حاجة إلى التّجاوز و التّغيير و الحضور الحضاريّ العالميّ و المعاصَرة .
يعود أمر تحديد النّوع المعرفيّ للغرض الثّقافيّ الذي يساهم في تحديد "النّموذج" التّاريخيّ الموحي حضاريّاً ، إلى تنظيرٍ معاصر غنيّ يستطيع اكتشاف التّماسف العمليّ المكثّف فيما بين جملة الوقائع و الظواهر العالمّيّة ، التي يشترك فيها تاريخ الأمّة ، في استمراريّته الدّيناميّة، مع القوى الحيويّة الحضاريّة العالميّة ذات القرابات الموضوعيّة مع روحالعصر في الأمّة نفسها ، و التي تشترك بها مع "الآخر" شراكة كافية و كفيلة بالاندماج العالميّ بدلاً من العزلة الثّقافيّة التي تقودها ، في المجتمع نفسه و الأمّة نفسها ، قوى تأبيد الماضي الانعزاليّ ؛
نحن هنا أمام صورة للذّات في منعكساتها في مرآة العالم ، تخضع للتّحسين و المواءمة و التّفاعل باستمرار ، بدون توهّم ثقافيّ يعزّز دور العزلة و الانعزال في تضخّم محتويات الشّخصيّة الثّقافيّة الذي يجعل من نفسه سدّاً حضاريّاً أمام الانخراط في مشروع العالم .
لقد كان من واجب "الغرض الثّقافيّ" ، نفسه ، باستمرار ، البحث على سبل الاتّصال مع "العالم" ، و ليس العكس ؛
و في هذا الإطار فإنّ من طبيعة هذا "الواجب" الوجوديّ أن يتضمّن ، أيضاً ، معرفة "الذّات" و معرفة "الآخر" ، في منظار واحد يُقرّب "الآخر" و يُباعد "الذّات" ، إلى مكان تفاعليّ من الرّؤية المشتركة التي تجعل من "المقارنة" الفاعلة في الاكتشاف شيئاً إجرائيّاً من مضامين الأداء ، و ليس شيئاً غائيّاً يمكن الاختلاف فيه ، عليه ؛
بحيث لا تُعتبر "ثقافة" كلّ ممارسة نظريّة أو عمليّة غير قادرة على جسرِ التّضاريس متفاوتة التّكوّن التّاريخيّ ، و الاعتراف بتفاوت التّكوين المعاصر من دون أفضليّات نوعيّة منافقة و كاذبة تقوم "الجيوب" الثّقافيّة المدمّرة بترفيعها إلى رتبة الامتيازات في الأصل أو في الدّين أو في الأخلاق .. ، إلخ .
من الضّروريّ أن يفهم " القُرّاء " أنّ "غرضنا الثّقافيّ" ، كأمّة تطمح إلى "الحضارة" و "المعاصَرة" ، هو ليس الاعتداء على خصوصيّات "الآخر" .. ، سواء في تكفيره أو في "اتّهامه" بالنّقص "الدّينيّ" و المعتقديّ ، في عمليّة أو أكثر ، أو في اعتقاد أو آخر ، من عمليّات و معتقدات (أوهام) "احتكار الكمال" ؛
و على العكس ، فإنّ ما يُمليه علينا "الغرض الثّقافيّ" المرحليّ ، نفسه ، إنّما هو العمل على التّقارب و التّقرّب من "الآخر" ، و اكتشافه على "حقيقته" الثّقافيّة التي أسهم بها في صناعة الحضارة العالميّة المعاصرة و شروط و كيفيّات و مكوّنات ثقافة "الآخر" الإيجابيّة التي كانت أحد أسباب تحضّره ؛
فيما احتكرنا نحن جميع أسباب التّخلّف و الدّونيّة الحضاريّة ، حتّى أصبحت كلمة "حضارة" تعني للكثيرين مِنّا ، سلباً ، "الخلاعة" و "التّهتّك" و "العريّ" و "الانحلال" و "الإباحيّات الأخلاقيّة الجسديّة" .. و ، إيجاباً ، "الخيانة الوطنيّة" ، فحسب !
ليست الحرب ، فقط ، هي التي تطرح مشكلة "الغرض الثّقافيّ" طرحاً موسّعاً ، و إنّما يُبادلها ، أيضاً ، هذا "الغرض" ، مواكبة التّناقضات المتنافرة التي كانت أن شكّلت حدوداً تأطيريّة ، تأويليّة ، لاندلاع الحرب .
نحن هنا أمام مخاطرة تفسيريّة جديدة لا بدّ منها ، تقول إنّ "الحرب" نفسها كانت الجزء الأهمّ من بين مجموعة الأغراض "الثّقافيّة" التي تعبّر في إيحاءاتها البعيدة عن استعصاءات حضاريّة ، كانت في كلّ مرّة تمنع نتيجة أو نتائج الجدل الاجتماعيّ – السّياسيّ ، التّاريخيّ ، من أن يستقرّ على قدّه الافتراضيّ الذي تفجّر أخيراً في صيغة "الحرب" ، التي أطفأت حجم "الدَّين" الهائل الذي اقترضناه من الحاضر على قيد الماضي الذي لا يموت .
لقد شكّلت منظومة "الحرب" ، إذاً ، واقعاً دلاليّاً كانت فيه "الحرب" المدلول – المضمون الضّروريّ الذي سيتكفّل بالولادة الطّبيعيّة للعبارة الثّقافيّة التي ستجرف أمامها جميع أشكال الولادات المزيّفة الأخرى التي طَمَرتْ أعضاء الاتّجاهات الدّلاليّة المحتملة الأخرى التي كان ممكناً أن تجنّبنا أهوال الحرب .
لقد فرضَتْ "الحربُ " نفْسَها كضرورة تاريخيّة ثقافيّة سوف تسمح للاتّجاه الثّقافيّ الحضاريّ بالبزوغ مع جحافله الفكريّة و البشريّة عندما – و فقط ، عندما- ننظر إلى نتائج ثقافة الحرب كمحرّضٍ ثمين على عدم مقايضة الألم إلّا بقيمته المعرفيّة التي يختزنها باستمرار .
من الطّبيعيّ أنّ النّتائج الثّقافيّة للحرب ، لا يمكن لها أن تساهم بذاتها في ذاتها ، إذ أنّنا في مواجهة طبيعيّة لضياعات القيمة في ثقافات الحرب . و من هنا تنشأ ضرورات القراءات السّياسيّة المجرّدة لمعطيات الواقع الجديد ، و التي لا يُجيدها سوى التّنظير في "الإبستميّة" المعاصرة في "الحرب" التي شكّلت ، أو يجب أن تكون قد شكّلت قطعاً تفصيليّاً و كاملاً مع الرّسوبيّات الأركيولوجيّة "الثّقافيّة" السّابقة عليها و التي تشكّل ، في مناسبتها ، القطيعة الإبستمولوجيّة ، نفسها ، حاجة ثقافيّة و تعليلاً ثقافيّاً كافيين للبناء المعرفيّ ، الذي يُعيد إنتاج "الثّقافيّ" في المناسبات الهادئة التي تعدنا بها نهايات هذه الحرب .
ربّما سنجعل "المثال" التّشخيصيّ على ما تقدّم ، مثالاً موحيّاً جدّاً و لكنّه ، في الوقت نفسه ، خطرٌ عند فهمه المتسرّع و السّريع ..
لا أظنّ أنّ أحداً استطاع أو يستطيع القول إنّ الخطوط السّياسيّة المسمّاة حدوداً بين دول المنطقة الإقليميّة (مثلاً) ، هي خطوط خالدة أو نهائيّة ، و ذلك حتّى بالمعنى التّقايضيّ و التّفاوضيّ . كانت و ما تزال هذه الخطوط تجلّيّاً من التّجلّيّات "الدّبلوماسيّة" العنيفة لدول الغرب المنتصرة في الحربين العالميّتين الأشهر في تاريخ العالم ، و التي تعكس في مرآتها السّياسيّة مصالح من الدّرجة الثّانية و الثالثة .. و أعني بها تلك المتعلّقة بالاقتصاد و ما يرتبط به من مصالح مباشرة .
بالتّأكيد لم يكن ذلك من قبيل مصالح الدّرجة الأولى و الممتازة ، و أعني تلك المتعلّقة بخلق صورة العالم كما هي قد ارتسمَت في المخيّلة و الذّهن الفكريين العالميين ، الّلذين رسما تاريخ العالم منذ أكثر من ألفيّ عام بوصفه صراعاً بين الإرث الفلسفيّ الإغريقيّ ، من جهة ، و بين الإرث اليهوديّ –المسيحيّ الذي تبنّته (روما) في مواجهة (أثينا ) و (إسبارطة) عبر التّاريخ !
نحن ، إذاً ، أمام خطوط سياسيّة "متحرّكة" ، في أفضل الفروض العلميّة – الواقعيّة على السّياسة المحلّيّة و الإقليميّة و العالميّة ؛
وحيث نجد ، نحن ، "الفرصة" العمليّة السّياسيّة مؤهِّلة لهذا ؛ دعونا، الآن ، نفترض ، لسبب ما .. ، انزياحاً و لو ضئيلاً لأحد الخطوط الاستراتيجيّة في جغرافيا المكان الّلوجستيّة البسيطة الخالصة ! إذاً ، ماذا سيحصل لمستقبل "الثّقافة" السّياسيّة الشّاملة في المنطقة و في العالم ؟
من المشكوك فيه أن يستطيع أعتى عتاة "المحلّلين" – المهرّجين ، السّياسيين ، تقدير أو تحديد أو فهم أبعاد تلك "النّتيجة" النّاجمة عن حدث "بسيط" ثقافيّاً على هذا القدر ؛
و لا بدّ للثّقافة أن تتنحّى جانباً ، إذاً ، لتفسح الكلام للمعرفة بوصفها المناسبة الإبستمولوجيّة الدّائمة للقول الواقعيّ ، و التي تُحيل إنتاجاتها ، فيما بعد ، إلى "الثّقافة" بالذّات ، لتجعل منها مناسبة ثقافيّة في تكرير المشهد و إعادة فحص الصّورة و الدّخول في راهنيّة "الحدث" ، و المزامنة معه ، دخولاً اجتماعيّاً كلّيّاً ليكون من أسمائه أنّه حدث سياسيّ – تاريخيّ سنجد آثاره في كلّ مكان .
هذا مثال بسيط حول العلاقة التي تربط بين "الغرض الثّقافيّ" ، بوصفه سنداً مقولاً أو دلاليّاً لليوميّ ؛ و بين "المعرفيّ" (الإبستميّ) ، بوصفه حاجة تلبّي لنا مشاغلنا و شواغلنا الكبرى على الاستراتيجيّات المعرفيّة التي تندرج في صلب "التّنظير العقلانيّ النّقديّ" على العالم اليوميّ و لكنْ ذلك الذي لا تُحيط به "الثّقافة" ، مبدئيّاً ، و لو كان سيغدو تالياً من أهمّ ممتلكات "الثّقافة" العمليّة الرّاسخة في قدر الأفراد و الشّعوب .
ثانياً – القيمة الثّقافيّة كجانب عمليّ لتمكين "القيم" :
في المنظور التّراكميّ تعمل "الثّقافة" على تبنّي نموذجها الذي تتمّ معالجته تاريخيّاً في إطار الذّاكرة الحيّة المبدعة لتزامنها الدّائم مع المعطيات و الضّرورات التي تتبدّل باستمرار ، وفق ما يناسب أقصى التّحدّيات الحضاريّة ، عن طريق مراكمة النّموذج المتغيّر على أساس من مثال تاريخيّ يستطيع أن يكون واقعيّاً بالبناء القيميّ على مخزون حيّ و غنيّ في مستودع روح الأمّة ، التي استطاعت تجنّب الزّوال بالانقراض أو بالكوارث الرّوحيّة و الوطنيّة و القوميّة ، التي شَخَصَت في حينها كتحدّيات أسفرت عن خبرة و تجربة انضافتا إلى ذكاء شخصيّة الأمّة ، من حيث قابليّاتها على التّعلّم و قدرتها على الصّمود أمام عاديات الزّمن و اختبارات المجاهيل .
إنّه من غير الصّعب على التّصوّر إدراك مسألة أنّ الانضياف الرّوحيّ في شخصيّة الأمّة ، لا يمكن أن يكون إلّا على أساس مستقرّ من الثّقافة التّاريخيّة ، بوصفها المحدّد النّموذجيّ للأنماط الحيّة و القابلة للتّفاعل مع معطيات الاستمرار ، و قد شكّلت هذه الأنماط الموقع العمليّلتقاطع النّسق المعرفيّ الإبداعيّ للأمّة في الإطار الأخلاقيّ أو في الأسلوبيّة الأخلاقيّة التي تحدّدها نسقيّة العوامل و العناصر المعرفيّة الجديدة و المستجدّة ، التي لا يمكن أن تتطوّر إلى منظومة معاصرة من القيم إلّا في تصالبها مع القيمة الثّقافيّة التّاريخيّة للشّعب .
و قد شكّلت هذه القيمة ذلك المضيف الواقعيّ الحيّ لاتّجاهات الخلق و التّطوّر التي تحدّد الميل الغالب لروح الأمّة في تمكين أفضل القيم و أكثرها عمليّة تمكيناً معرفيّاً و ممنهجاً ، في البدائل الثّقافيّة العمليّة لروح الأمّة في عقل الدّولة التي وعت ذاتها ، كحتميّة من حتميّات المعاصَرة و الضّرورة و الخلود .
في فحصنا النّقديّ للثقافات الحضاريّة الصّامدة في تاريخ الأمم و الشّعوب ، لا يعوزنا الكثير من الجهد لنكتشف أنّ العلاقة صريحة و واضحة و وطيدة بين الأسلوبيّة الأخلاقيّة التي تتعاطى بها الأمم الحيّة مع الواقع الاجتماعيّ و السّياسيّ اليوميّ و المباشر ، و بين تلك التي تغلب على روح الشّعب و عقل الدّولة فيها و التي تتجلّى في مواقفها الأعمّ و الأشمل ، كتلك التي تدخل في مجال الأخلاق و الموقف من الكون .. ؛ ناهيك عن أنّ كلّ سقوط ثقافيّ و حضاريّ إنّما يعود ، في الأساس ، إلى الابتذال الفلسفيّ – المعرفيّ الذي يدخل فيه واقع الأمّة و تاريخ الشّعب و تكوين "الدّولة الحديثة" التي تشبه كلّ شيءٍ ، باستثناء أنّها تستطيع أن تشبه الدّولة الرّاشدة .
على أيّة حال تبقى الرّوح القوميّة ثابتاً معاصراً ، حتّى اليوم ، مع أنّ العقل لا يميل إلى إطلاقات أبديّة للظاهرة السّياسيّة ، بعد أن كانت فكرة القوميّة نفسها قد عبّرت ، و ما زالت تعبّر ، على وعي معاصر بالذّات الثّقافيّة الحضاريّة التي مهّدت للمشاركة في الوجود المعاصر للفرد القوميّ و الأمّة التّاريخيّة و الشّخصيّة الثّقافيّة في كثافتها الحضاريّة.
و ذلك .. "بعد أن أعطى ، عند بداية القرن التّاسع عشر ، مجرى التّفكير ، إلى الدّولة القوميّة ، حقّها [ النّهائيّ] في الوجود ، استناداً إلى بديهيّة أنّ الدّولة القوميّة ، بوصفها منظمة عضويّة طبيعيّة متجانسة ، أقدر من غيرها على جعل المثل الأعلى للدّولة المتحضّرة حقيقة فعليّة" .
[ ألبرت أشفيتسر . فلسفة الحضارة . ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي . مراجعة الدكتور زكي نجيب محمود . وزارة الثقافة و الإرشاد القوميّ – المؤسّسة المصريّة العامة للتأليف و الترجمة و الطباعة و النّشر . الطّبعة الأولى – 1963م . ص (44)] .
من ناحية أخرى ، فإنّنا نرى أنّه ينجم كلا "التّعصّب القوميّ" و "الانحلال الأخلاقي القوميّ" ، من كارثة ثقافيّة واحدة ، و أعني بها تلكالنّزعة الحضاريّة التي تصاب بها العوامل الأكثر بربريّة في حياة الأمّة أو الشّعب ، و التي يُقيّض للبعض الولوج في أوهامها بمضاهاة ما هو "إلهيّ" أو "ألوهيّ" بما هو قد دخل في تصوّرات "الأبديّ" في العالم و التّاريخ ؛ بحيث تقوم "الثّقافة" بالخلط الاستيهاميّ ما بين متشابهات "الإلهيّ" و "الأبديّ" بوصفهما ، هما ، أيضاً ، منتوجين ثقافيين ، فترفعالمتغيّر الاحتماليّ إلى الثّابت الافتراضيّ ، ليؤدّي ذلك بالانحطاط الثّقافيّ إلى أن يُسهم من جديد في العَوَز الحضاريّ للجماعات و الشّعوب .
و مهما يكن الأمر فإنّ علينا أن ننتبه إلى مسألة ثقافيّة ، هي الأخرى ، و هي أنّنا لن نستطيع بالكثير ممّا يُهيّأ إلينا من "المثل" التّقليديّة العليا للحضارة ، أن نعيد بناء الحضارة الخاصّة بالهويّة (الثّقافة الوطنيّة) ؛ و إنّما علينا أن نتساءل عمّا إذا لم تكن الكثير من محدّدات الهويّة الخاصّة قد اختلطت بالبربريّة الثّقافيّة المعاصرة الدّافعة إلى "الانحلال" أو إلى "التّعصّب" ؛ و هو ما يعني حاجتنا الثّقافيّة الشّاملة إلى إعادة نقد "الثّقافة" الوطنيّة ، ذاتها ، بالاستناد إلى مرجعيّة "معرفيّة" أعلى تتجاوز "الثّقافة" نفسها إلى "واقع" (و واقعيّة) جديد .
ثمّة أمر بالغ الأهمّيّة ، و هو يتظاهر كسؤال ضمنيّ قلّما كان مجانباً لعقول المفكّرين و الفلاسفة و أصحاب النّظريّات القوميّة النّقديّة في عالمنا المعاصر ، اليوم .
هل للشّعوب و الأمم الحيّة ، بالمقاييس غير المختلف عليها ، أن تشكّل عنصراً ثقافيّاً مضافاً إلى حضارة هذا العالم المعاصرة ، حتّى و لو أنّها لم تحقّق الوصول إلى محطّة الأمّة – القوميّة – الدّولة ، عن طريق الصّفات و المظاهر الوطنيّة و القوميّة الأصيلة التي استطاعت أن تعبّر عن شمائل الأمّة التّاريخيّة غير المنقطعة أو المنقرضة لسبب أو لأسباب ؟
في الجواب لا بدّ لنا من التّحرّر من "الثّقافة" لندخل في إبستمولوجيا الحضارة ، كجزء معرفيّ يتجاوز شموليّة مفهوم الحضارة في الوصف الثّقافيّ للحضارة ، هذا الوصف الذي يعجز ، في الحقيقة ، عن التّعبير على أوفى و أعمق و أبعد ما في الثّقافة التّاريخيّة الوطنيّة في بعدها الحضاريّ .
إنّه لا يمكن إغلاق المعابر و المخارج كلّها على ظاهرة كونيّة أكثر ممّا هي ظاهرة وضعيّة جرى تقريرها في تداول اللّجان و الآراء . الحقيقة الوجوديّة في بعدها الأونطولوجيّ هي أكثر من مسألة رأي أو موقف أو وظيفة أو وصف . و نحن لهذا نرى أنّ الانتقائيّة النّقديّة لا تصلح من أجل "نقديّة بنائيّة" هدفها مواكبة "المشروع" و "الإنسانيّة" (البشريّة) ؛
و إنّما على النّظرة البيو- سياسيّة أن تخترق أعماق الفلسفة السّياسيّة عندما ينظر إلى الحضارة نفسها بوصفها ظاهرة من ظواهر البيولوجيا السّياسيّة ، و بخاصّة حين ينعقد البحث في المفاعيل الذّكيّة للحضارة و في مضامينها الإلغازيّة التي تجعل ، مثلاً ، شعباً بدائيّاً كشعب (الأسكيمو) ، أو في "القبائل الأستراليّة" الطّبيعيّة ، يستطيع الاستمرار و التّعرّف على أعقد أسرار الحضارة البشريّة المعاصرة ، و التّواصل معها ، بغضّ النّظر عن مقوّمات "ثقافته القوميّة" (العرقيّة الخاصّة) و التي قد لا تكون مؤهّلة في يوم من الأيّام من أجل وعي ذاتها كهويّة "قوميّة" موصوفة بثقافات الإنسانيّة الحديثة و المعاصرة .
باختصار – و عجلة – فإنّه من غير الملائم أن نقبل بالشّرطيّة التّماميّة للثّقافات الوطنيّة الحيّة ، كمقدّمات لا بدّ منها من أجل السّطوع الحضاريّ المعاصر ، و أقلّه من أجل المشاركة الفاعلة في الأثر الحيّ للحضارة البشريّة التي تكاد تُطرح على بعض "الشّعوب" .. كلغز من ألغاز الكون و الوجود .. ، إذ ربّما كان شخصٌ بعينه يعادلُ أمّة في مناقبيّتها و صفاتها المؤثّرة و الفاعلة في حضارة العالم !
يقول (توينبي) :
" يعتمد مستقبل العالم على موقف أصحاب القدرات العقليّة المتازة ، و فيما إذا استمرّ هؤلاء بالعناية بالعلم .. ، إذ لا شيء يضمن هذا الأمر ؛ ففي مجالات النّشاط البشريّ جمعاء تتبدّل الأنماط " .
[ آرنولد توينبي . تاريخ البشريّة . نقله إلى العربيّة الدكتور نيقولا زياده . الأهليّة للنشر و التوزيع . بيروت – 2004م . ص(20-22) ] .
و عندما يكون "النّمط الإنسانيّ" مهدّداً ، إذ ليس هنالك ما يضمن استقرار مجراه ، فإنّ التّعويل ، يصبح ، أفضل ، بل أكثر حكمة و ذكاء و منفعة أيضاً ، و هذا بالنّسبة إلى الجميع ، على نسق الوعي الذي تشتمل عليه "الإبستمولوجيا" بما هو نسق شموليّ و غير تخصّصيّ ، و هو يدخل في دائرة "المعرفة" أكثر من غيره من الأنشطة العقليّة الذّكيّة التي تصادرها "الثّقافة" في أنماط "المتديّنين" و "العلماء" (التّطبيقيين) و "الفنّانين" و "السّياسيين" ؛ و هو النّموذج الأكثر أماناً في التّصالب الدّلاليّ ما بين الأنساق و الأنماط ، إذ لطالما كانت الأنماط مشخّصة في حاملين ، في ما تبقى ، و ما تزال ، "الأنساق" المعرفيّة تبحث بها على "مُعَبِّرِين" .
لقد واجهنا ، أخيراً ، جميع الأسئلة النّسقيّة ، مواجهة طارئة و ملحّة و ذات مغزى ، بعد أن كانت مواجهتنا لها ، تقليديّاً ، من باب الفرضيّات التي تحتاج إلى برهان . و هكذا فقد أفسحت "الحرب" الطّريق لجميع هذه الأسئلة لكي تندلع مثل نيران كثيفة ، ناهيك عن النّيران الأخرى التي أشعلتها الحرب هنا و هناك و في كلّ مكان .
و إنّه بالقدْر الذي يتناغم فيه التّحدّي الحضاريّ مع العوز المعرفيّ (الإبستميّ) التّاريخيّ لدى المجتمعات و الشّعوب المنكوبة ، يبدو أنّه بالقدْر نفسه إنّما على العقل أن يقطع مع "الماضي" الذي جرت تجربته بالتّفصيل ، على رغم أنّ للسّياسة فهماً آخر ، مُخفَّفَاً ، للقطع "التّاريخيّ" .. ؛
و لكنّ الأمم و الشّعوب التي تحضّرت و دخلت ميدان السّباق الحضاريّ ، لم تختَرْ لتفكّر طويلاً بخياراتها في علاقاتها مع الزّمان و المكان ، و إنّما كان وقوعها في هذا الجانب من طريق العالم وقوعاً خارج الرّأي ، مع أنّها لم تتأخّر طويلاً على إيقاع الضّرورة ، فيما عرفت ، في حينه ، كيف أنّ المغامرات الكبرى تكون مع "الاستراتيجيّات" و ليس مع التّفاصيل اليوميّة التي يستطيع المغامرة فيها جميع العجزة و النافقين...
إنّ الفشل الذي يمكن أن يترقّبنا بعد هذه التّجربة الدّمويّة الحادّة و الطّويلة ، ليس هو من باب عدم كفاية التّجربة نفسها أو عدم تعبيريّتها أو لنقص في مؤثّراتها العميقة ؛ بقدر ما هو فشل قد يعود لعدم نجاحنا في جعل العقل يتولّى نتائج التّجربة و أثرها الحيّ .
لقد بدأنا نشكّ في حتميّة النّتائج التّاريخيّة الواجبة التّصدّر لغيرها من جملة النّتائج التي سنعترف بها كآثار ناجمة عن الحرب .
إنّ تفويت الفرصة التّاريخيّة العقلانيّة النّقديّة كأهمّ ما يجب أن نعتبره ضرورةً من ضرورات توجيهه إلى النتائج التّاريخيّة العريضة و الواسعة لهذه الحرب ، هو أمر يُثبت لنا و للفكر ، مرّة أخرى ، أنّ علاج الظّروف التّاريخيّة الوطنيّة و القوميّة لأمّة من الأمم ، يجب ألّا يفوّض في أمره مؤسسات ثقافيّة مهما علا شأنها ، لأنّ من طابع "الثّقافة" أن تتبنّى ، عادة ، الحلول الجزئيّة و التّسوويّة ، للمشاكل الأكثر تعبيراً عن حاجتها لحلول حاسمة و جازمة و حادة و ماضية ، يكون من نتائجها ، عندما تكون حلولاً ، قلب الصّفحة الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و تمزيقها إن لزم الأمر ..
و هذا ما لا تقدّمه ، عادة ، الثّقافة في الانعطافات الكبرى للمجتمعات و الشّعوب .
إنّ الثّقافة في حلولها "الشّاملة" هي مؤسّسة نمطيّة جرى تقولبها ، نهائيّاً ، في ظروف باردة ، و هي لن تخرج ، بعدئذٍ ، عن برودها المفصليّ في الأداء و الحركة و قطع المسافات الزّمنيّة التّاريخيّة التي ربّما احتاجت الآن إلى أكثر من ذلك بكثير .
من الطّبيعيّ أنّ ثمّة تفاوتاً في النّظرة و الفعل و الحكم على الأمور ، بحسب الجهة التي تصدر عنها هذه المتفاوتات ؛
و من الطّبيعيّ ، بالتّالي ، أن ننظر إلى "القوى" الاجتماعيّة و السّياسيّة و السّلطات الاستراتيجيّة الحاكمة في المجتمع .. ، لنستطيع تأكيد أحكامنا النّهائيّة على طبيعة تلك "التّفاوتات" ، و على خطورتها بالنّسبة إلى النّسقيّة المعرفيّة التي كانت تنتظرنا في الطريق بين جملة من التّفاعلات و العمل و الأخلاق ، هذه التي تجتمع كلّها في الأداء المعرفيّ (الإبستميّ) ، في نظرتنا إلى المستقبل الحضاريّ الخاصّ بنا ..
فيما هي تستطيع "الحلول" الثّقافيّة أن تتبرّأ من التزاماتها التّاريخيّة الأخلاقيّة ، بوجه خاصّ ، و لكن تلك المعبّرة عن الإرادة بوصفها ثمرة معرفيّة في العمل الهادف و الغائيّ ؛
و هذا ما نعتبره جوهراً في الوصف الأخلاقيّ و الحضاريّ لحياة الأفراد و الأمم و الدّول ، و قد تعاظمت المسؤوليّة الأخلاقيّة ، هنا ، تعاظماً باطّراد الانتقال في التّرتيب.
***
فعقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:
الهوية التي تنحت في الصخر دون أن تهشّم رؤوس هاجريها هي الهوية التي لم تتنازل بعد عمّن هجروها بل دوماً تعطيهم فرصة الانسياق الإيجابي نحو معرفة أنفسهم قبل أن ينسلخوا من وجودهم و يسلخوه بعد ذبحه بأيدي من جعلوهم مطية إلى تهشيم بقائهم معزولين عن أوطانهم و هوياتهم
لا نقول أن اللغات المعرفية حية أو ميتة لأنها ذات معيار غير خاضع للمراهنة بل نقول أنها مؤثرة أو غير مؤثرة عابرة أو غير عابرة تقدمية أم رجعية وفق ما تبقى من أبجديات التعريف التي لا تتقادم بحداثتها و لا تتحدث بقدمها خالقة أزمة انهيار المرسم المعرفي أمام ريشة العوام التي كسّرت عصا موسى و ما أبقت نصح هارون في تحويل الملك إلى زادٍ وطني أو تحويل الأوقاف إلى ريادة فوق وطنية في جعل حرية الإنسان فوق اعتناق الأديان و جعل اعتناق الأديان في ذيل بناء الأوطان..
لا في جماجمها المكسرة و المهشمة بأتباع من حولوا الأسئلة الوجودية إلى تسليم غير مقبول في دنيا المرايا التي لا يرى كل فردٍ وجهه من خلالها إلا ليشوّه وجه غيره في شرق العالم الثالث الذي يسمى أوسطاً و يجمع أقصى اتجاهات التطرف في العزل و الانعزال عن ثقافة الفكرة و فكرة الثقافة..
و هنا لا أحدث خلطاً ثقافياً معرفياً بقدر ما أؤكد كمواطن وجد مواطنته في جوهر الأسئلة الثلاثة أين و متى و كيف؟!
في انزياح متأصّل عن جوهر كينونة الأوطان و الإنسان حيث لا يخترق الإنسانية في جوهر الأوطان و الأوطان في جوهر الإنسانية إلا أديان فقدت روحها في الصلوات و ظلّت تبحث عن خشوعها الاستعراضي غير المقبول في زمن الحداثة و في زمن طغيان التكنولوجيا التي خلقت للانطلاق ما بعد المكاني...
لا للاستعراض في المكان أو في جسد التاريخ البعيد الذي بقدر ما يعزّز صراع ثقافتنا و معرفتنا كي تنتج بقدر ما يسقط نظراتنا إلى المستقبل إذا ما وقعنا في فخاخ و شرك استعراضاته الآسرة غير المجدية.
لقد قالت الحرب أقوالها فجعلت التساؤلات الثقافية تنغمس في لا وعي الشعب المعرفي و غير المعرفي و أسقطت كلّ مقولات النزعة الثابتة في الإخلاص و الخيانة فأخرج الوعي بؤراً آسنة و لم يترك على ضفاف العقل إلا تحليلات من لا وعي الأحقاد تتسارع في الوصول إلى طمس المعرفة بل و دفنها حية بثقافة الجهل و الخوف و النفاق التي سبقت الثالوث المحرم في التقاتل و الاقتتال.
نزعت الحرب أنساق الواقع و جردت الماضي و الحاضر من أكاذيب العيش المشترك كي تقول أن للتعايش دول تعرف كيف تبني شعوبها و تعيدها إلى فضاء الحياة المعرفية بعد تجريدها من كل أحقاد الأزمان التاريخية و غير التاريخية محولة التعايش إلى عيش قانوني لا مفرّ من ترجمته على أرض الواقع...
لم نكن و لم نعد أحفوريين فحسب في بنى نمطيتنا بل نحن من نشعل وقود انقراضنا و اندثارنا كي تتأتّى تعاريف الصدفة و تدرك تعريفنا ذات لحظة فارقة في الزمن المعاصر و الواقع المعاش بما لا يعاش فيه!
فهل سندرك تلك اللحظة لنجيب أنفسنا قبل أن نجيب العالم القديم الجديد؟!
لسلاسلك درب مكتمل في عيون الماضي و الحاضر و المستقبل دكتورنا الغالي الذي يطرح التساؤلات دوماً لتُعمل الإجابة عملها في تكوين استفاقتنا الكبرى Dr_Dr-Bahjat Sulaiman