كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

رباب هلال: "صباح يختلف قليلاً" (قصة)

أثناء نزولها درج البناية، سمعت الآنسة نجاة صوت شجار قريب. بات الأمر عاديّاً. الشجارات تحدث في الحارة، بشكل يوميّ تقريباً، وفي المواقيت كلّها. في الطابق الأرضيّ للبناء المقابل، لقيت جارتيها أم فارس، وأخرى لا تعرف اسمها، تتشاجران بسبب شطف الدرج. كان صوت الجارة الأخرى أقلّ حدّة وأخفض. نازحة جديدة. هربت من دير الزور.
كان من الصعب أن تصلهما تحيّة الصباح. فتابعت طريقها لشراء مستلزمات البيت وحاجيّاته. مثل كلّ صباح.
كانت الآنسة نجاة نازحة هي الأخرى. هربت وعائلتها من قريتها في الغوطة الشرقيّة، منذ ثلاثة أعوام. غير أنّ ثلاثة أعوام لم تتكفّل بردم الهوّة التي انحفرت في روحها مثل قبر مفتوح. هوّة تتناسل يباباً، وتتكاثر مثل ديدان الموتى. ثلاثة أعوام لم يكفّ حنينها عن ضرب القلب والذاكرة. شيء وحيد تتوّجع لفقدانه في بيتها هناك، المكتبة. الكتب. لكن ما يعزّيها أنّ عائلتها الصغيرة ظلّت بخير، وأنّ نزوحاً أقبح وأقسى لم يضطرّها لمغادرة البلد، كما تردّد.
قالت في نفسها: " نفرّ من معارك قاتلة إلى أخرى سخيفة منغّصة." وكانت تقصد تلك الشجارات التي تدور في الحارة من أجل شطف أدراج الأبنية، شجار الأولاد الذي يتحوّل إلى شجار بين الأهالي، احتكار الأماكن لركن السيّارات، القمامة الملقاة كيفما اتفق، وعلوّ أصوات المسجّلات أو التلفزيونات ليل نهار. وغير ذلك من المسبّبات الأخرى التافهة، قياساً لأهوال الحرب. مثل هذه الشجارات كانت تنشب أيضاً قبل الحرب، لكنّها اليوم كثرت وانفلتت.
"يا ربّي، كم يضيق العيش!" تأفّف صدرها وهي تنعطف إلى يسار البناية، متّجهة صوب دكّان الخضار والفواكه المعروف بأسعاره المعتدلة، قياساً لجشع غيره من الدكاكين واستغلالها.
في الدكّان، جالت ببصرها على صناديق الخضار والفواكه المصفوفة. وما تزال شاردة، وغصّة تغضّن جبينها:" الحياة في القرية أكثر بساطة وطيبة وسلاماً، تشبه الغوطة. وكأنّما السكّان يشبهون المكان!" لكنّ قسمات وجهها استرخت حين انتبهت ورأت الخضار والفواكه الطازجة بألوانها المغرية. فأردفت: "ولا يزال خير كثير في هذه الأرض المحروقة."
- صباح الخير! قالت للبائع. لم يسمعها. ثمّة زبائن.
عدم ثبات الأسعار، واختفاء بطاقاتها عن السلع، فرض عليها أن تسأل عن سعر كلّ صنف. كان عليها أن تشتري بحساب دقيق.
عندما رآها البائع، قال:" أهلاً بك، آنسة نجاة!"
على عكس نساء الحارة المتزوّجات اللواتي يندر أن تُعرف أسماؤهن الشخصيّة، فهنّ أمّ فلان، أو زوجة علّان. فإنّ اسم "الآنسة نجاة" ظلّت تُنادى به، مثلما يناديها تلامذتها في المدرسة، وبعض أوليائهم من أهالي الحي. وكما يناديها تلاميذ آخرون تعطيهم دروساً خاصّة. تلك الدروس الخصوصيّة لطالما كانت الآنسة نجاة تنبذها بشدّة، وتعدّها وصمة عار تربويّة وبلادة مجتمعيّة. كان ذلك قبل سقوطها في دوّامات الحاجة والعوز. وكثيراً ما تتساءل برعب عن المبادئ التي تحوّلها الحرب إلى وجهات نظر، وعن تركها قيد رهان المستجدّات والاحتمالات والقدرة على المقاومة.
وضعت أكياسها القليلة على الطاولة قرب الميزان. كان عليها أن تتريّث قليلاً. سمعت الزبونة الأخرى تقول للبائع، وهي تجمع مشترياتها: "وهل أصبح باستطاعتكم العودة إلى حلب؟" تابعت الآنسة نجاة بنظراتها خطوط السخرية المؤسية وهي تنزلق في خطوط وجه الرجل الحلبيّ. قال: "صحيح أنّ المنطقة صارت أكثر أماناً، إنّما البيت حطام. يلزمه كثير من المال." قالت الزبونة بصوت دامع: "الله المعين." واستدركت وهي تحمل أكياسها، تسأل البائع:" نسيت أن أسألك إن كنت جرّبت البامياء؟" أجاب مظهراً إعجابه، وهو يحكّ رأسه بقلم المحاسبة: "بالفعل البامياء ممتازة، انخفض السكّر عندي. إي والله، تمام!" قالت المرأة وهي تنسحب: "عظيم! معافى، إن شاء الله."
أشارت الآنسة نجاة بإبهامها إلى الخلف، تقصد المرأة التي خرجت، وباليد الأخرى تضع كيساً على الميزان. وسألت البائع المشغول بتسجيل الحساب: "أهي نازحة أيضاً؟" أجابها: "نعم، نزحت من..." اندلع رصاص قطع الكلام. كأنّما اندلع في الزقاق ذاته. رصاص صعق الآذان وأجفل الأبدان. علّقت الآنسة نجاة:" صار أصغر الزعران يحمل بمبكشن. " وأردفت وهي تنظر إلى شاشة الميزان الحمراء:" لا، لا، أريد كيلو واحداً فقط، لو سمحت." فالزيادة تعني لها خلخلة في الميزانيّة. الوقت أواخر الشهر. ولا دروس خصوصيّة في الصيف. هي معلّمة ابتدائي. صدمها سعر الباذنجان، فأنقصت حبتين منه، وهمّت تقول شيئاً، لكنّ الرصاص عاد. أسكتها. ثمّ توقّف. فتابعت: "وهل البامياء تنفع مرضى السكريّ؟" سألت وهي تلمّ أكياسها. لم يجب البائع وهو يعيد إليها باقي المبلغ، منشغلاً بزبون آخر. ومن جديد اندلع الرصاص. تمنّت في سرّها لو حدّثها البائع كيف أن البامياء تعالج سكّر الدم. فالضمان الصحيّ لا يؤمّن لها الأنسولين دائماً، وإن توفّر في الصيدليّات فثمنه باهظ. وماذا عن الضغط؟ مرضان يفتكان بها إثر النزوح. رصاص. "صرنا لا نميّز لمَ يطلق الرصاص." همست لنفسها. تذكّرت أنّه ليس لديها بهارات. لا بأس، ليكن الطعام اليوم بلا بهارات. رصاص. رصاص. رصاص. ارتجفت. إذاً ثمّة تشييع شهيد جديد.
"يلعن." قالتها مفردة وحيدة مسموعة. لم تخصّ أيّ أحد أو جهة بقذف لعنتها.
حين استعرت الحرب كانت تتبع هذه الـ (يلعن.) كلمات عدّة مثل: " يلعن كل شيء." "يلعن أبو العالم." "يلعن من كان السبب". وغيرها من كلمات تلزم لمواجهة بائسة. ثمّ تحوّلت إلى أداة لقنص حفنة هواء لا أكثر. ولأنّ تلك الإضافات لم تجد نفعاً، والواقع كاد يبتلع الهواء كلّه، بأحداثه العنيفة المذلّة، المتراكضة خارج حدود المنطق، والاستيعاب، والرحمة، تطوّرت تلك الـ (يلعن.) إلى التكثيف والتفرّد. هكذا بدا الأمر ظاهريّاً. صارت أكثر سعة، وأعمق. تكثيف لتأريخ يوميّات الخراب. (يلعن.) هذه تجرّدت من أيّ ستر. فضيحة وتعرّت. ومثل شرر النار لا تني تتطاير، عبر أسلاك الهواتف الأرضيّة، والخليويّة. على صفحات التواصل الاجتماعيّ. في الشوارع والأزقّة. على الشرفات. في غرف النوم. في وسائل المواصلات. عند الحواجز الأمنية الكثيفة. بمحاذاة أطفال يتوسّدون الأرصفة. في الدكاكين والمتاجر الكبيرة. في المؤسّسات والشركات. في المدارس والجامعات. على أبواب الأفرع الأمنية ومعتقلاتها المخفيّة. في المشافي والمقابر. مع قهوة الصباح. على الموائد الشحيحة. في الكوابيس. في الأرق. وكأنّما تلك الـ (يلعن) أضحت أيقونة أو تعويذة.
(يلعن.) المفردة المتفرّدة، تُطلق كأنّما متبوعة بنقطة النهاية، حاسمة وجازمة في بؤسها وهزالتها. نقطة نهاية تعني أن انتهى الأمر، فلا شيء من هذا الخراب يراد له أن يزول، في مدىً مقدّر. (يلعن.) هذه تنطلق مع زفير الجميع وتتخفّى مع شهيقهم تؤجج في صدورهم تهديداً لا يهدأ سعيره. و"الجميع"، هم أولئك المجرّدون من كلّ شيء حتّى من حقيقة وجودهم. وكأنّهم ظلال، أشباح. أولئك الـ: من يأبه بهم؟! إنّما ما الذي بوسع هؤلاء "الجميع" فعله، والحياة لم تكفّ بعد عن الدبّيب فيهم، وهم لا ينفكّون يدبّون فوق هذه الأرض. (يلعن.) التي تخصّهم وحدهم، مجرّد سلاح كرتونيّ يصنعه أطفال الجوع، يطلقون عبره رصاصاً شفويّاً لقتل آكلهم المنتصر منذ أوّل التاريخ. ( يلعن.) هذه تفهمها الآنسة نجاة تماماً. تعرفها. عايشت تحوّلاتها المخزية.
الرصاص لا يتوقّف. يلعلع كثيفاً، صلباً، حديديّاً، حادّاً، يشطر الأنفاس. وفي بعض الأحيان، مزّق أجساداً.
فجأة، انطلقت منها (يلعن.) تختلف. انفلتت بأقسى ما يمكن للعنة فيها أن تنفلت. "يلعن." ساخطة مقهورة، أطلقتها الآنسة نجاة لحظة شاهدت أمامها طفلة لا تتعدّى عشرة أعوام، تروح وتجيء في أقلّ من متر مربّع. تتقدّم. تتراجع. تركض. تدور كمحور هائج في دائرة من حرائق. تبكي. تصرخ. أيّ صوت للنحيب والصراخ لم يكن يُسمع. رصاص. رصاص. هلع. صراخ. إيماءات.
صبيّ صغير يركض نحو الطفلة، يحاول الإمساك بها وتهدئتها، أحد العابرين يُهرع لنجدتها. الطفلة ما تزال في دورانها الجنونيّ. في إيماءاتها الذبيحة. والآنسة نجاة لا تصل إليها. تبغي احتضانها. ارتمت الأكياس حولها. لا تتقدّم. و"يلعن." الأخيرة تلك حسبتها صرخة سيضيق بها الفضاء. غير أنّ لعنتها تلك، علِقتْ على طرف لسانها، مثل ناب وحشيّ. غاص في الحلق. ثمّ انزلق نحو القلب وفيه انغرز بشراسة. كيف لهذه الـ (يلعن) ألاّ تخرج هائجة كعاصفة. تزيح هذا الرعب النازف. تبتلعه. لا تزال تفتح ذراعيها للطفلة. الطفلة تتلوّى بشدّة بين ذراعي الرجل العابر. رصاص. رصاص. صراخ مكتوم الصوت. تراه بأمّ عينيها. فأيّ جبّار بإمكانه أن يسمع هذا اللّا صوت؟
لم يكن الرجل تمكّن بعدُ من تهدئة الطفلة، وما زال يحملها، تتحرّك شفتاه. إنّه يكلّمها. ولم يبرح الصبيّ يدور حوله، ذراعاه لا تهدآن أو تكلّان. لا يستسلم في محاولاته العبثيّة للإمساك بقدمي الطفلة أو بيديها. فمه مفتوح على شكل الصرخة. أصابعه تمسح عينيه. إنّه يبكي. إيماءات هلعة تتخبّط وسط هذه الجهنّم، وعلى مرأى من الآنسة نجاة. وتلك الـ (يلعن.) الأخيرة لم تنطلق من صدرها إلى أيّ مكان. بل أقعت في قلبها مثل كلب هرم واهن يختم حياته الذابلة وشجاعته الآفلة باستسلام مقيت. ثقل قلبها. رفعه الذهول الصلب إلى أعالي قمم الضغط والسكّريّ. كانت تشعر به ينفلش . يتشتّت مثل تشتت محتويات أكياسها حولها وانفلاشها، بين أقدام العابرين.
انبثق صوت هلع آخر يطلق: "يلعن." صوت وقريب جدّاً منها. صوت غريب عنها. اخترق أذنيها. توقّف الرصاص. "يلعن" هذه سمعتها. كأنّما قيلت من أجلها هي. سمعتها فيما تدور، وتدور، ثمّ تسقط.

مجلة شؤون أدبية الإماراتية العدد 76 شباط/فبراير 2018

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني