ليندا ابراهيم: "الأدبُ و الجمال.."
الجمالُ، هذا الإحساسُ المُبهجُ الذى يشعُرُ به الإنسانُ حينما تقعُ عيناهُ على طبيعة خلابة، أو تسمع أذناه تغريد الشحارير، وينبض به قلبه كلما رأى الحبيب. و قد استطاع الإنسان أن يجسد هذا المفهوم المعنويَّ فى موسيقاه وفلسفته وعمارته وأدبه وغيرها من الدعائم التى اعتمد عليها فى بناء حضارته. وعلى الرغم من تعدد ثقافة الحضارات فى العالم، إلا أن جميعها قد وضعت الجمال نصب أعينها. فهاهم الإغريق قد تحدثوا عن الجمال فى فلسفتهم، وتنافس الرومان فى تجميل مبانيهم وتماثيلهم، وتغنى العرب بأجمل الأشعار و الألحان، فبات الجمال الغاية التى يطمح إليها كل مبدع و أديب.
و كما أنَّ "ثقافة الجمال" تعتمد على إظهار "جمال الثقافة" ومظاهر هذا الجمال، وكيف أن إحياء الجمال عن طريق الأعمال الأدبية و الفنية، خاصة الشعبية منها، لجدير بأن يخفف الكثير من معاناة المساكين و المقهورين فى عالمنا المعاصر، ولنا فى الكثير من الروايات نماذج لمختلف صنوف الظلم التى تدق عظام الطبقات الكادحة المقهورة مثل رواية «البؤساء» لفيكتور هوجو وراوية «المساكين» لدوستويفسكى، و رواية «أدوبيس» لنجيب محفوظ و «نزل المساكين» للكاتب المغربى طاهر بن جلون، إلى أمثلة كثيرة تجل عن التعداد في هذه العجالة.
و سأتناول في هذا المقام، بشكل مكثف رواية "المساكين" للأديب الرُّوسيِّ العظيم "ديستويفسكي"، لتكون دليلا على أنَّ الأديب يخلق الجمال ولو من قلب البؤس والمعاناة، رواية "المساكين"، هذه الرائعة، هذه الدراسة العميقة للنفس الإنسانية، إذ تعرض لحياة الفقراء وعلاقتهم مع الأغنياء، و الفقر بشكل عام، وهي كلها مواضيع مشتركة في الطبيعية الأدبية. تتطور الصداقة بينهما حتى تفقد "دوبروسيلوفا" اهتمامها بالأدب، ثم تستمر بالتواصل مع "ديفوشكين" بعد أن يتقدم لها أرمل غني يدعى السيد "بيكوف"، "ديفوشكين" هو النموذج الأولي للكاتب الموجود في العديد من أعمال الأدب الطبيعي في ذلك الوقت ، ويحتفظ بخصائصه العاطفية. ففي حين أن "دوبروسيلوفا" تتخلى عن الفن، فإن "ديفوشكين" لا يمكنه العيش بدون الأدب.
إن دوستويفسكي ابن الرابعة و العشرين، و قد كتب هذه الرواية، هو الوحيد، بنار هواه المحرقة و بدموعه اللاهبة. ذلك أن الإذلال الأقسى الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان، ألا وهو الفقر، قد أوحى بها إليه، تدعمه القوة العظمى في هذا العالم، أعني بها حب أولئك الفقراء المهمشين، بيد أنه و حالما فرغ من كتابتها ، تطلع إليها بشيء من الخشية فهي من أوائل تجاربه، ثم ليعرض المخطوطة على صديقه وشريكه في المسكن، الكاتب "غريغوروفيتش"، فيرتمي هذا بين ذراعيه باكيا، ويختطف المخطوطة منه ليحملها إلى " نيكراسوف" ويقرآنها معا، الليل بطوله، يضحكان حينا ويبكيان أحيانا، حتى إذا لم يعودا يستطيعان صبرا ينطلقان إلى صاحبهما، حوالي الرابعة صباحا، يوقظانه من نومه، يهنئانه و يقبلانه، لأن ذلك "أهم من النوم"، و يحمل "نيكراسوف" المخطوطة إلى "بيلنسكي"، الناقد الشهير، المرهوب الجانب، قائلاً: "لقد ولد لنا غوغول جديد". فيرد باستنكار بادئ الأمر،
لكنه يقبل أن يطلع على المخطوطة، حتى إذا ذهب إليه" دوستويفسكي" في الغداة شاهده مشرقا بالفرح
و قال: "هل تدرك ماذا صنعت هنا؟ إنك لم تكتب مثل هذا المؤلف إلا لأنك بكل بساطة فنان عظيم الحساسية، إن الحقيقة لتتكشف لك لتعلن بوصفك فنانا، ابق أمينا لموهبتك، و لسوف تصبح كاتبا عظيما..
الجمال، تلك الكلمة المبهمة، غير محددة المعالم، والتي ساهمت كل الحضارات على مر العصور فى إضفاء معنى جديد لها، فأصبحت سر الخلاص للمسحوقين و البائسين و الطيبين، و باتت محرك النهضة فى جميع الأدهر. فمهما اختلفت الثقافات، ظل الجمال هو الغاية التى تلهب خيال كل فنان و مبدع، و ما دام ثمة هلاك اجتماعي، بسبب من القانون أو العرف، أو العسف، أو الحروب، أو المآسي، يخلق ألوانا من الجحيم على الأرض، و ما دامت مشكلات العصر الثلاث: الحط من قدر الرجل باستغلال جهده، و تحطيم كرامة المرأة بالجوع، وتـقـزيم الطفل بالجهل، لم تحل بعد، ما دام الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكنا في بقاع غير قليلة من هذا العالم، وبكلمة أعم، ما دام على ظهر البسيطة جهل و بؤس و جوع و استغلال للطبقة الأكبر من المجتمع، ستبقى هناك حاجة إلى أدبٍ يخلق الجمال و من هذا النوع..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثورة