كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. أحمد الخميسي: "ثـورة يـنـايــر انتفاضة أزاحت على بابا واستـبـقـت الـعـصـابـة"

" السـلــطــة والــكــذب وجـهــان لـعـمــلــة واحـــدة "
حوار مع جريدة"فيتو" الورقية أجرته أ. مي عبد الرحمن

حقائق مذهلة حول الشاعر والكاتب والصحفي عبد الرحمن الخميسي، يكشف عنها نجله أحمد الخميسي؛ فاسم والده عرقل مسيرته.. فـ"الخميسي الأب" ظل طوال حياته معارضًا للنظام، سواء في عهد عبد الناصر، أو السادات.. فقد ظل بعيدًا عن أجهزة الدولة، ورفض الانضمام إلى التنظيم الطليعي، كما رفض أن يهاجم عبد الناصر بعد رحيله، وانتقد اتفاقية "كامب ديفيد"، أما عن حياته الأسرية فقد تزوج 6 مرات، منهن المصرية ومنهن العربية.. ولم تثر بين زوجاته أية حساسية.

أحمد الخميسي كشف أيضًا عن آخر تطورات أزمة أوبريت "الأرملة الطروب" الذي قام والده بتعريبها، إلا أن دار الأوبرا قامت "بنهبه" حسب تعبيره، ولم تعترف بحق الخميسي الكبير ولم تضع اسمه عليه، رغم اعتراف رئيسها الحالي مجدي صابر بأن الخميسي هو من عرب الأوبريت. اكتشف والده العديد من النجوم، ورموز الكتابة والأدب، وكان أشد ما يسيئه إهانة الضعيف، وتجرع الأب والابن مرارة الاعتقال، لكنهما تحملاها بشجاعة، إلا أنها تركت أثرها .

أحمد الخميسي يعرض آراءه الشخصية في ثورة يناير، وتفاصيل الرسالتين اللتين وجهما لثورة يناير 2011.. وإلى التفاصيل:
* ما آخر تطورات أوبريت "الأرملة الطروب" لعبد الرحمن الخميسي مع دار الأوبرا؟
- أوبريت "الأرملة الطروب" يُعرض منذ أكثر من 10 سنوات بدار الأوبرا المصرية دون ذكر اسم والدي، علما بأنه من تعريب عبد الرحمن الخميسي، وهذا معروف، وعُرِض في أكتوبر1961، وكان من بطولة رتيبة الحفني وحسين رياض ونوال الفتوح، ونُشر على صفحات مجلة "المجلة" بنفس العام، وعندما تواصلت مع الدكتور مجدي صابر، رئيس دار الأوبرا الحالي، لتنبيهه لذلك لم أحصل منه على رد واضح، وخصوصا أن تجربة عبد الرحمن الخميسي هي تجربة واحدة لم تتكرر، أي أن يُعرِّب أوبريت بلغة عربية تتوافق مع اللحن الأصلي، واعترف رئيس دار الأوبرا بأن الأوبريت لوالدى، ولكنه أشار إلى أنه ليست لنا أي حقوق مالية، وهذا الاعتراف لم يأخذ أي صيغة رسمية، وإنما جاء في أحد الحوارات الصحفية له، وللأسف لم نصل لشيء ولذلك سنلجأ إلى القانون، والمسألة هنا أن الأوبريت نُهب بشكل عمدى من جانب دار الأوبرا فإخفاء اسم المُعرِّب يضيع الحقوق المالية ويعد فسادا ماليا.

* عبد الرحمن الخميسي كان شخصية متفردة في الإبداع.. فكيف استطاع أن يتزوج من أربع نساء؟
- تزوج والدى رسميا من 6 نساء، ففى بداية حياته وهو يعيش في المنصورة تزوج من "الست محاسن" التي عاش معها 20 يوما، ثم أتى إلى القاهرة وتزوج من إحدى قريباته، وكنا نسميها «ماما هانم»، وهى والدة أخى الأكبر عبد الملك والد الممثلة لقاء الخميسى، ثم تزوج من والدتى وأنجب منها 6 أبناء، ثم تزوج "أبلة ألطاف"، وأنجب منها 4 أبناء، ثم السيدة فاتن الشوباشي أنجب منها اثنين (خالد وهند)، وعندما سافر إلى العراق تزوج من "السيدة حياة"، وهى بحرينية، ولم ينجب منها، وعدد أبنائه 13.
* وكيف استطاع أن يقنع زوجاته بالزواج أكثر من مرة، خصوصا أن السيدة المصرية لا تقبل بـ«الضرة»؟
- على العكس تماما لم تنشأ بين زوجات أبى تلك الحساسية المفرطة، فزوجته "ماما هانم" والدة أخى الأكبر، عاشت معنا فترة طويلة، لأسباب لا تتصل بعلاقتها مع والدى ولكن لأنى أنا وإخوتى كنا نحبها جدا، وأمى كانت تعتبرها أختا لها، وظلتا تحبان بعضهما حتى وفاتهما.

• هناك تقاطع وتشابه كبير بين حياتك وحياة والدك من «إبداع واعتقال وسفر».. كيف ترى ذلك؟

- حياة والدى كانت أكثر زخمًا مني، لقد بدأ حياته شاعرًا في المنصورة وهو تلميذ، ثم هاجر إلي القاهرة وكان يجوب القرى مع فرقة " المسيري" المسرحية يؤلف لها ويمثل فيها، ودخل عالم الصحافة وعمل في الإذاعة، وعُرِف عنه أنه «صاحب الصوت الذهبي»، ثم إلى عالم القصة القصيرة، حيث كتب عنه يوسف إدريس قائلًا: "الخميسى حطم طبقية القصة القصيرة، بعد أن كانت حكرا على فئة معينة"، ثم دخل عالم المسرح وألَّف وأخرج ومثل فيه، ثم عالم السينما حيث كتب وأخرج مجموعة من أفلامه، ثم دخل ممثلا فقط في فيلم الأرض ليوسف شاهين، بالإضافة إلى ترحاله وسفره إلى بلدان كثيرة، أما حياتى فأعتبرها نهرًا صغيرًا من هذا المحيط الإبداعي. أيضا كان الخميسى مكتشفًا للمواهب، فهو أول من قدم يوسف إدريس حين كان يعمل بجريدة "المصري" قبل ثورة 1952، وكانت حينذاك لسان حال حزب الوفد، كما اكتشف موهبة سعاد حسنى ودفعها للعمل بالسينما، وأيضا اكتشف وقدم شمس البارودى وحسين الشربينى في أول أعمالهما فيلم "الجزاء"، أيضا هو أول من قدم الكاتب الكبير فتحى غانم – وذلك على حد قول رجاء النقاش- وأيضا الكاتبة فتحية العسال التي ذكرت في مذكراتها أنها لم تكن تعرف تكتب أو تقرأ والخميسي هو من علمها، فقد كانت زوجة صديقه عبد الله الطوجى، وكان يشعر بسعادة عندما يساعد أحدا ويضعه على طريق اكتشاف ذاته.

• كلاكما ذاق مرارة الاعتقال.. فما أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين؟
- تجربتى مع اعتقال والدى (1953-1956)، وكان عمرى تقريبا 6 سنوات، وأذكر جيدا أنه بعد اعتقاله، كانت أمى تجلس وتقوم بتقميع البامية، وأنا نائم على رجلها وقلت لها: "بابا دلوقتى مش موجود معانا، إيه رأيك أكتب أنا مقالته ونرسلها للجرنال ونكتب عليها اسم بابا، عشان نقبض الفلوس"، وسكتت أمى ولم ترد على حديثى. كان أول رد فعل لى بعد اعتقاله، أننى شعرت بافتقاده، ثم جاءت فرصة وذهبت مع والدتى لزيارته في السجن، وهذه كانت أول مرة في حياتى تلمع برأسى فكرة قصة بعنوان «ابتسامتان»، وجاءت فكرتها من تلك الزيارة، فقد دخل علينا والدي وكانت يده مقيدة بالحديد إلي يد أحد العساكر، وعندما رآني رفع يده لأعلى وقال: "شوف أنا سجنت الراجل ده عشان بيعمل مخالفات»، ثم جلس بجانبى وظل يضحك طوال القعدة، محاولا أن يوهمنى بأنه بخير، وأنه هو الذي يسجن هذا العسكري، ابتسم لي ليوهمني بصدق حكايته ويخفف عني ، و ابتسمت له لكي أوهمه بأنى أصدق ما يقول. من هنا جاءت فكرة القصة " ابتسامتان". حينذاك لم أكن أتخيل ما هو المعتقل، ولكن كنت أشعر بأن والدي انتُزِع منا وسجن بسبب دفاعه عن حقوق الناس، هذا الشعور بأن هناك إنسانا يتصدى للدفاع عن الآخرين سكن في تكويني النفسي. وعندما دخلت أنا المعتقل 1968، اكتشفت ما هو المعتقل، وعرفت معناه جيدا، فالاعتقال تجربة فريدة، فهو الاختراع الأمثل لـ «كيفية قتل الإنسان وهو حي»، وكان معى في الاعتقال الشاعر أحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام، وزنزانتى كانت تتوسط كلا من نجم ولواء طيار يدعى صفوت، أنا ونجم كنا نقضي الوقت في الزنزانة في القراءة ، لم يكن لدي اللواء صفوت ما يشغل فراغه، فكان يطلب من «نجم» أثناء ساعة طابور الفسحة أن يؤلف له لعبة الكلمات المتقاطعة.. وبالفعل كان نجم يكتبها له بالنهار، لكن ما إن يحل المساء حتى يبدأ اللواء صفوت – عن طريقي - في سؤال نجم عن الحل كل مرة، فيصرخ نجم قائلا: "هو أنا أكتبها له بالنهار وأحلها له بالليل؟! ما يحلها هو"! لكن يظل للاعتقال جوانب إيجابية، أهمها أنك تشعر بعد الاعتقال بأنه ليس هناك شيء مخيفٌ، وأنه لا يمكن كسرُك في الحياة. المعتقل يكسر الخوف من السلطة.

• ولماذا لم تكتب عملا يجمع بين تجربتكما في المعتقل؟
- تجربة والدي لم أعشها ولا أعرفها جيدا، ولكن ما أفكر فيه الآن هو كتابة حياتى معه، كيف عشنا سويا وخصوصا بعد هجرتنا، وكيف عرفت ذلك الانسان النادر المثال عبد الرحمن الخميسى. لقد كان شخصا مختلفا في كل شيء، وأعتقد أن المعتقل ترك أثرا في داخله، ولكنه لم يكسره أو يهزمه.

• وما قصة لقائه بشعراوى جمعة وزير الداخلية، ورفضه الانضمام للتنظيم الطليعى؟ وهل كان يخشى مصادقة السلطة؟

- هذه القصة كتبها العزيز الراحل صلاح عيسى. حينذاك كان التنظيم الطليعى هو الجناح السري للاتحاد الاشتراكى، وكان رئيسه شعراوى جمعة وزير الداخلية، وقابل شعراوي والدى ذات مرة وقال له: "الناس الكويسين كلها معانا، ما تيجي أنت كمان؟!"، فقال له الخميسى: "أصل أنا يا شعراوى بيه مش بيتبل في بقي فولة، أحضر اجتماع معاكم واطلع أحكى اللى حصل يقبضوا عليكم؟!"، وقهقه شعراوي جمعة وزير الداخلية ومسئول التنظيم وفهم اعتذار والدى اللبق عن دخول التنظيم. لم يكن الخميسي يخشى شيئا، ولم يكن يحب أن تربطه بالسلطة أية علاقة، وعاش في مصر ولم يتقلد على الإطلاق منصبًا رسميًّا في الدولة، سواء رئيس تحرير أو رئيس لجنة ما، ولم يتم تكريمه قط من جانب الدولة، ولا بأي صورة، حتى عندما رحل لم تحصل بناته على معاش عن عمله الطويل في الصحافة.
وعندما أصبح السادات رئيسًا، جاء الكاتب المعروف عبد الرحمن الشرقاوى لوالدى، وقال له: "السادات يرغب في فتح ملفات الاعتقالات وقضية الحرية التي غابت وقت عبد الناصر. السادات يريد نشر الديمقراطية"، وطالب الشرقاوي والدي بالكتابة في هذا الاتجاه".. وطلب الخميسى من صلاح عيسى أن يأتى له بمجموعة من الكتب عن فترة عبد الناصر، وأتى صلاح عيسى له بالكتب، لكن الخميسي نظر إليها مرصوصة على المكتب وقال لصلاح: "خلاص يا ابنى أنا مش هكتب، هذا حقٌ يُراد به باطل، فعبد الناصر لم يكن ديمقراطيا، هذا حق، لكن الديمقراطية لا تعنيهم بشيء، وهو حق يراد به باطل" .ولم يشارك الخميسي في الحملة المنظمة على عبد الناصر. أنا ووالدى كل منا اعتقل 3 سنوات، وواحدة من أخواتى اعتقلت، وأزواج إخوتى اعتُقِلوا وأخوالى كلهم اعتُقِلوا في عهد عبد الناصر، مع ذلك لم أهاجمه مرةً واحدة، لأنه بالنسبة إليَّ ليس شخصا ولكن مرحلة نهوض وتصنيع واستقلال، وعبد الناصر على رأى الشاعر فؤاد حداد هو الذي : " دوق الفلاح طعم الفدان"، والتعليم في عهده كان مجانا، وكانت هناك نهضة صناعية وزراعية وثقافية، وفى زمن ناصر كان تعدادنا 30 مليون نسمة وكانت تصدر 15 مجلة ثقافية متخصصة في ذلك الوقت، اليوم تعدادنا 100 مليون ولا تجد 3 مجلات".

• هل ترى أن اقتراب المثقف من السلطة خطرٌ يهدده؟
- بالطبع.. فالسلطة مفسدة، والكذب والسلطة يعبر كل منهما عن الآخر، هما وجهان لعملة واحدة، فالمثقف شخص فرد عندما يقترب من السلطة وهى المؤسسة الأكبر، تبتلعه بداخلها، ولابد للمثقف أن يكون حرا.

. • يقول إرنست همنجواى «العمل في الصحافة بعد الوصول إلى نقطة معينة يمكن أن يكون تدميرا ذاتيا يوميا للكاتب المبدع».. فإلى أي مدى أفادك العمل بها؟ وهل هذا صحيح؟

- ليست هناك قاعدة عامة، بمعنى هل على الأديب أن يكتب كل يوم؟ نجيب محفوظ كان يكتب يوميًّا لمدة ساعتين لدرجة أنه كان يقول أحيانا لم تكن برأسي فكرة ، ومع ذلك كنت أكتب من وحى القلم! يوسف إدريس لم يكن يكتب يوميًّا، بينما يقول هيمنجواى "الكتابة ما هي إلا إعادة الكتابة".. ولقد رأيت كيف يكون العمل الصحفى أحيانا مضرا، رأيت ذلك مع تجربة الصديق العزيز أحمد هاشم الشريف، وكنا قد أصدرنا أول مجموعة قصصية سويا عام 1967، وكان يعمل في وزارة الأوقاف ويكتب قصصًا في نفس الوقت، وعندما تنبهت له "روزاليوسف" و"صباح الخير"، وطلبوا منه العمل معه، سألني عن رأيي، فقلت له: " لك أن تعمل في الصحافة لكن انتبه ألا تأكلك الصحافة"، وللأسف أكله العمل الصحفى. هذا بينما يعتبر جابرييل جارسيا ماركيز أن العمل الصحفى والمقالات نوع من الأدب. بالنسبة الصحافة شجعتنى على العمل الأدبي، وجعلت قلمى في حالة سيولة دائمة، وجعلتني متصلًا باستمرار بالقضايا العامة، وبالمناسبة نجيب محفوظ كان يكتب باستمرار في الصحافة في فترته الأخيرة، لكن بشكل عام ليس هناك قاعدة عامة ولكن هناك تخوفا من الصحافة أن تبتلع الأديب.

• وما أول أجر حصلت عليه من مقال أو قصة كتبتها؟

- أول أجر حصلت عليه عن قصة كان خمسة صاغ، حصلت عليه من والدتى، وثانى أجر كان خمسة جنيهات حصلت عليه عن قصة كتبتها لمجلة الكاتب بعدما قدمنى لها يوسف إدريس، وأول أجر عن مجموعة قصصية كانت بالتعاون مع أحمد هاشم الشريف، وحصلنا على 20 جنيها، وما زلت أحتفظ بعقدى مع دار النشر التي كانت تسمى حينذاك" دار الكاتب العربي" وهي الآن هيئة الكتاب.

• كان لك تجارب سابقة في كتابة السيناريو مع والدك.. فلماذا توقفت عنها؟
- بعد تجربتى مع والدى في كتابة حوار لفيلمين حاولت أن أواصل حيث كان هناك الكثير من العروض من أصدقاء لي، ولكني اكتشفت أن هناك مشكلة كبيرة في تسويق السيناريو ، لأن ترويجه يحتاج لوقت أكبر مما تستغرقه كتابته، وهذا يحتاج لتفرغ، بالإضافة إلى أني غير مقتنع بأن السيناريو والتمثيليات التلفزيونية أحد الأشكال الفنية التي تناسبني، فالفن يعتمد على التكثيف والتركيز، ولكن ما يحدث الآن في التمثيليات التلفزيونية هو المط والإطالة وهذا ضد الفن.

• هل ساعدك اسم والداك على الدخول إلى عالم الأدب بسهولة؟

- على العكس تماما، اسم عبد الرحمن الخميسى عرقل مسيرتى، ووضعني مسبقا في دائرة الاتهام، لأنه كان معارضًا ومشاكسًا للدولة دائما، اعتُقل في بداية ثورة 1952، وأيام عبد الناصر كان بعيدا عن أجهزة الدولة، وعندما جاء السادات هاجر خارج البلاد وهاجم اتفاقية كامب ديفيد بقصيدة «الخديو» التي سخر فيها من السادات، وحينذاك صدر ضده حكم بإسقاط حقوقه المدنية، وكنا ندرس خارج مصر، وكنا ممنوعين من العودة إليها. لهذا لم يساعدني اسم والدي بالمعنى المعروف للمساعدة وتسهيل الأمور خاصة أنه لم يكن يعرف الحلول الوسط، إلا أن الموهبة تشق طريقها فى النهاية.
• كيف ترى فعاليات ومؤتمرات وزارة الثقافة لمواجهة الإرهاب ونشر المعرفة وتكريم الأدباء؟

- عندما نشأت وزارة الثقافة في بداية ثورة يوليو وتولاها الكاتب فتحى رضوان، كانت تحت مسمى «وزارة الإرشاد والإعلام»، وكانت فكرة نشأتها أن تدافع عن إنجازات الحكومة بعد الثورة، ثم تغير اسمها إلى "الثقافة"، لكن ظل دورها الحقيقى الدفاع عن الإنجازات الحكومية. نحن الآن أمام معركة مواجهة الإرهاب.. فهل وزارة الثقافة تؤدى دورها؟! الإجابة لا. لأنه من المفترض أن تتعامل الوزارة مع الوعى المتخلف الذي يشكل تربة حاضنة للإرهاب، وموقع هذا الوعى في الصعيد والأرياف والأزقة والحارات، وهذا الوعي ليس موجودًا داخل قاعات المجلس الأعلى للثقافة، وما تفعله الوزارة يقتصر على إقامة ندوات داخل مقراتها في المجلس وغيره، يحضرها أبناء العاصمة المتنورين، كأنما "ناس متنورين يجلسون مع ناس متنورين، ويعزموهم على موضوع عن التنوير".. الوزارة لا تواجه الإرهارب في مواقعه، بالإضافة إلى أن فكر الإرهاب لا يمكن مواجهته فقط بـ «الكتاب» ، وإنما نحتاج إلى فرق للموسيقى والفنون والمسرح، وأشخاص يكتبون أعمالا خصيصا عن الارهاب، ونحتاج إلى استعادة الأغانى الوطنية التي كتبها بديع خيرى وسيد درويش كأغنية « اللي الأوطان بتجمعهم.. عمر الأديان ما تفرقهم.. متقولش لا مسلم ولا نصرانى»، وما أقصده أننا نحتاج قدرًا من الإبداع والخيال لمواجهة فكر الإرهاب، لكن ذلك الابداع منعدم تماما لدي الوزارة. من ناحية أخرى، فقد أغلقت فى عهد وزارة الثقافة فرق مسرحية، وسُجِن شعراءٌ وكتابٌ، وينهب أوبريت بأكمله لعبد الرحمن الخميسى، أيضا لم يكتفوا بقطاع الرقابة على المصنفات بل يُنشئون فروعًا للرقابة في المحافظات، وأرى أن الوزارة لا ترى لنفسها دورا أكثر من كونها مطبعة للكتب فقط. وإذا نظرنا للمسرح.. فماذا يقدم على المسرح القومى من نصوص؟!.. أين ذهب توفيق الحكيم، نعمان عاشور، ألفريد فرج، محمود دياب، وسيد درويش هذا العملاق الفنى الغائب عن الأجيال منذ 30 عامًا؟!

• وهل يعنى ذلك بأنك مع الدعوة إلى إلغاء وزارة الثقافة؟
- بالطبع لا. أنا أرفض أي دعوة لإلغاء وزارة الثقافة ، وليس معنى أن لدينا خللًا في منطقة معينة ان نقوم بهدم الوزارة بأكملها، ومن يطالب بذلك إنما يطالب بمنع دعم الدولة للثقافة ، لأن هيئة الكتاب مثلا وقصور الثقافة تبيع الكتاب بحوالي عشرة جنيهات في المتوسط، والكتاب نفسه يُباع في دور نشر الخاصة بمئة جنيه، والمطالبة بحل وزارة الثقافة تهدف إلي خصخصة الثقافة ورفع الدعم عنها، وبالمناسبة كان الكتاب يُباع أيام عبد الناصر في المتوسط بقرشين صاغ.

• وماذا تحتوى مكتبك من أعمال لا تستغنى عنها مطلقا؟
- أعمال الروسي أنطون تشيخوف، ويوسف إدريس، وأعمال اليابانى ياسوناري كاواباتا، يحيى حقى، ودينو بوتزاتي، وآخرين.

• في أحد مقالاتك ذكرت أن «المرأة هي الحقيقة».. فكم مرة وقع أحمد الخميسى في الحب؟
- وقعت في الحب 6 مرات، وتزوجت 3 مرات، أول مرة أحب فيها كنت صغيرًا، وأحببت بنتًا كانت تسكن معنا في العمارة وتُدْعى "منى"، وكانت من أصولٍ تركية، وكنتُ أخشى التقرب منها.
• بصفتك كاتب سيناريو.. فلماذا تعيش أفلام الزمن القديم حتى الآن؟
- أولا كانت هناك نهضة ثقافية عامة، وكانت سماءُ مصر ممتلئةً بالنجوم من كتابٍ ومخرجين، ومن ناحية أخرى كان هناك عنصر مهم، فقد كان هناك ارتباط وثيق بين السينما والأدب منذ نشأة السينما العالمية والمصرية وحتى فترة السبعينيات، وأفلام مثل "ذهب مع الريح"، "أين عمري"، "نهر الحب"، وغيرها مأخوذة عن أعمال أدبية، فالعمل الأدبى سواء رواية أو قصة يعطى السينما قوة، وبعد ذلك نشأت حرفة السيناريو، والسيناريست ليس أديبا في الأصل.

• وهل هذا هو سبب انحدار الأعمال الفنية والدرامية الآن؟

- بالطبع، فالسيناريست، على سبيل المثال، إذا أخذ قصة لنجيب محفوظ لن يستطيع الانحدار باللغة أو الحبكة الدرامية للعمل الأدبي، ولدينا أفلام كان لها كتاب سيناريو كـ "ثرثرة فوق النيل"، و"زقاق المدق"، و"أم العروسة"، و"في بيتنا رجل"، لكن لم ينحدر فيها الحوار أو الحبكة لأنها مرتبطة بمصدرها الروائي. الآن يختلف الأمر بابتعاد السينما عن الأدب، هذال بالإضافة إلى انحدار المستوى الثقافى بشكل عام، مع غياب الشعور بالشخصية القومية المصرية، وهى عنصر مهم ارتكزنا عليه لتقديم أفلام كـ "الأرض"، و"العيب"، و"الحرام"، أيضا أصبحت السينما تبحث عن الإثارة سواء الجنسية أو السياسية، مع هبوط الذوق العام، وغياب الحركة النقدية.

• كنت قد كتبت رسالتين لثورة 2011 تطمئننها فيهما.. وبعد مرور 7 سنوات.. ماذا ستكتب لها؟

- كتبت تلك الرسالتين بعد قيام انتفاضة يناير 2011 لكن بحذر شديد، فلم أكن متفائلًا بما حدث، وفى نفس الوقت لم أستطع أن أجزم بأن الانتفاضة ستُخطف، وكنت أتطلع إلي ما يجرى في انتفاضة يناير 2011بصفته حالة تفاعلً اجتماعيًّا سياسيًّا ، ولم أكن أعرف إلى أين سيذهب أو يتطور هذا التفاعل، وذكرت في الرسائل الأولى أن تلك انتفاضة وليست ثورة، لأنها لم ترفع أي شعار اجتماعى أو اقتصادي محدد سوى شعارات عامة كشعارات الثورة الفرنسية (حرية- إخاء- مساواة)، ثانيا؛ أن الطبقات الاجتماعية صاحبة المصلحة الأولى في الثورة لم تشارك (الفلاحين والعمال)، ومن شارك هم الطبقة الوسطى أبناء المدن، ثم إن شعارها الوحيد كان إزاحة مبارك وفقط، وهذا غريب جدا، أن تقوم ثورة لإزاحة شخص وليس نظاما، وما حدث في يناير هو (إزاحة على بابا واستبقاء العصابة)، وكان ذلك أحد أسباب عدم تفاؤلي، ولكني لم أوجه نقدًا حادا لها بأمل أن يتطور التفاعل في اتجاه أفضل. وإذا وجهت رسالة إلي الثورة الآن، فسأقول إن القوة الاجتماعية والنخب السياسية التي شاركت في انتفاضة يناير عليها أن تدرك أن عملها لا بد أن يذهب إلى الطبقات صاحبة المصلحة في التغيير، وهم العمال والفلاحون والطلبة والموظفون، لأنهم من يقع عليهم العبء، أما في يناير فكانت المرة الأولى في حياتى التي أسمع فيها عن ثورة تدار عن طريق فيس بوك، وكنت أشك منذ البداية بأنها «ثورة برتقالية» تديرها مجموعة من الأشخاص تكشف فسادهم مع توالى الأحداث، بالإضافة إلى أن هناك العديد من علامات الاستفهام، أيضا كل الأشخاص الذين ارتبط اسمهم بالثورة لهم علاقات بالخارج، ولم يُرفع شعارٌ واحدٌ معادٍ لإسرائيل، على الرغم من أن كل ما يحدث في مصر من رفع الأسعار والغلاء سببه إسرائيل.

• ذكرتَ أن انتفاضة يناير كان هدفها إزاحة مبارك.. فهل يعنى أن «مبارك كان رأس الديك الأحمر»؟

- لا. قصة " رأس الديك الأحمر" التي تصدرت مجموعتى القصصية ليس لها علاقة بمبارك. كنت أقصد بها أن المثقفين الحقيقيين ومن يتوفر لديهم الوعى كانوا منفصلين كرأس الديك عن جسده، بمعنى أنهم معزولون في وادٍ بينما الشعب في وادٍ آخر، والشعب عندما خرج في انتفاضة يناير كان كحركة طيران بدن الديك من شرفته، فقصة رأس الديك الأحمر تعبر عن تصورى لما حدث في يناير، أي عن تصوري للانقسام بين البدن والرأس المفكر. وأنا ضد المطالبة بإزاحة أشخاص مثل المطالبة بإزاحة السيسي، أنا أطالب بإزاحة سياسات كهدم نظام الزراعة المصرى، والتصالح مع إسرائيل وبيع المصانع وبيع الجزر. أما حين تطالب بإزاحة شخص، فإنك تزيحه وقد تبقى نفس السياسات، كما حدث مع مبارك.

• والدك ترك لك وصية بأن يغرس بجوار مدفنه شجرة.. بماذا ستوصي أبناءك؟
- أبعدوا عن السلطة لأنها كذبٌ وكل رجالات السلطة يذكروننى برباعية صلاح جاهين، وهى:" ولدي إليك بدل البالون ميت بالون.. انفخ وطرقع فيه على كل لون.. عساك تشوف بعينك مصير الرجال.. المنفوخين في السترة والبنطلون.. وعجبي"!

- انتهى -

- نشر الحوار في جريدة " فيتو " في 9 يونيو 2018 ثم نشر على موقع الجريدة على النت في 17يونيو 2018، وجاء في تقديمه أن الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية.
 

بوابة فيتو

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني