ليندا ابراهيم: "الأدب والمعاناة"
كثيراً ما راودتني الفكرة في بدايات كتابتي و تأهُّبي لدخول عالم الأدب، وهي فكرة الأدب بحد ذاتها، فما الأدب، و ما الإبداع، وكيف يعيشُ الأديبُ المبدع، و على ماذا تكون حياتُهُ؟ ترى، هل هو مثلنا من لحم ودم و مشى على هذه الأرض، هل هو يعاني أنواع الهموم المعاشية و الحياتية و الوطنية والإنسانية؟ أم هو كما رسمته مخيِّلتي "الطِّفلةُ" آنذاك، يعيش حياة الوداعة واللطف والهناءة والسعادة، و أنَّ كل ما يريد حاضرٌ لديه، بل ولديه مفاتيحُ المشاكل، و حلولُ الهموم... بل و يجعل السُّحبَ بيضاءَ، و يُسَيِّرُها بأمرِ روحهِ الوضَّاءة كالشَّمس ، الهانئة حد السَّعادة...
و مع الأيام، ومع اطلاعي على أمهات الروايات والأشعار والكتب الإبداعية، و سِيَر الكتَّاب و المبدعين، أدركت كم يَألمُ و يتألَّم ويعاني و يعيش سكرات العذاب الرُّوحيِّ و النَّفسيِّ و الإنسانيِّ المضنية، بل و يستاف التُّراب، و يعاني السَّجن و الاضطهاد، و النَّفي و القتلَ و التَّهجير و التَّشريد "الإرادي أو القسري"، و الحرمانَ من أجمل ما لديه أحيانا، بل و يدفع الضريبة، ضريبة معاناته و ألمه و أمله، في سبيل ما يؤمن به و يبدعه ليطلعَ هذا كلُّه بين دفتي كتاب، و على صفحة قرطاس، يُسَوِّدُها بحبرِ رُوحِه، و يسقيها دمعَ مآقيه، و يعجُنُها بخميرة ألمِهِ وعذاباته، لتطلع علينا أدباً، إبداعاً، فكراً، ثقافة، تعليماً في الحياة، في كل مناحي الحياة...
و لا زالت تجهش روحي بالبكاء حالما أطلع على ما عاشه هؤلاء المبدعون، يقول "الماغوط" في أحد أقواله:
"في مرحلة الفطام، و أنا أحبو باكياً، وراء أمّي المنصرفة عنّي وراء الكنس، والمسح، ونفض الغبار، كنت آكل كلّ ما تطوله أظافري الغضّة من تراب العتبة، والشارع، و فسحة الدار. ويبدو أنّني أكلت حصّتي من الوطن منذ ذلك الحين"
و لربما انغمس المبدع الأديب أكثر فأكثر في قضايا وجوده وكينونته و وطنته و أمته ، لنجدهما واحداً لا يتجزأ، بل وينتقل الألم من الأب و الأم "و أعني هنا الوطن"، إلى الابن "المبدع"، الأديب الذي يعاني وطأة الحمى، والسهر، و الهواجس، مبتكراً فنون الأدب و الإبداع ،حلولاً ناجعة، ودواء عليلاً، علَّه يخفف من ألمه بوطنه، و من ألمِ وطنه، و يكاد يكون سعد الله ونُّوس سيِّد المعاناة الإنسانية في فترة هي أخطر الفترات وأحلكها على أمَّته، فكتب مثلاً مسرحيَّته "حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، وعبّر عن ألمه بهذه الهزيمة و التي أخذ شهرة بها (1968)، و أثناء ذلك عاد إلى دمشق يعاني آلاماً نفسية مبرّحة، جعلته يصف الشهور الأربعة التي قضاها فيها بعبارة «في بؤس تام وفي شبه غيبوبة"
وعندما وقعت حرب الخليج عدَّها الضربة الأخيرة الموجعة. فيقول: «أشك معها في أنها كانت السبب المباشر لإصابتي بمرض السرطان، وليس مصادفة أن يبدأ الشعور بالإصابة بالورم أثناء الحرب والقصف الوحشي الأميركي على العراق"
و ليختم حياته قائلاً في لقاء أخير: "إن إحساسي الجنائزي سيتضاعف أكثر وأكثر وأنا على حافة هذه التخوم الرجراجة بين الحياة والموت. أعتقد أن إسرائيل سرقت السَّنوات الجميلة من عمري، وأفسدت على إنسان عاش خمسين عاماً مثلاً، الكثير من الفرح وأهدرت الكثير من الإمكانات"
و لكنَّ الكتابة عند "حنا مينة" لها مذاق آخر، و هدف أكثر فرحاً، وإن كانت معاناته مضاعفة، يقول: "أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين" فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحيوات الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحى في سبيله، ليس بالهناءة وحدها، بل بالمفاداة حتى الموت معها أيضا"
طوبى لهم صانعي الأمل و الحياة و الجمال، من صميم المعاناة،...
طوبى للتراب الذي أنجبهم و جَبَلَهُم، و للوطنِ الذين هُمْ أنجمُهُ الزُّهرُ، و شُموسُه التي لاتغيب على مرِّ الأزمان...
الثورة