المعلم الأول أرسطو والنهضة الأوروبيـة 1و2
أحمد يوسف نده
القسم الأول
لقد رسخ في أذهان الأغلبية من الناس سواء كانوا مثقفين أو أكاديميين أو فيزيائيين أو فلاسفة أو مشايخ أو أناس عاديين.. أن النهضة الأوروبية في العصر الحديث.. ما كانت لتحصل إلا بعد أن تم التحرر من الفكر الأرسطي والعلوم الأرسطية التي كانت تتبناها الكنيسة البابوية.. وقد حصل هذا التحرر في الميادين التالية:
.
1- ميدان المنطق:
حيث قام المفكر الفرنسي فرانسيس بيكون بالإطاحة بالمنطق الأرسطي المعتمد على القياس والاستنباط.. واستبدله بالاستقراء الذي كان مهملاً من قبل المنطق الأرسطي.. الأمر الذي أدى إلى ثورة في مناهج المعرفة وتوالد العلوم وتطورها.. وفتح الباب أمام التجربة التي أدت إلى التقدم الصناعي والتكنولوجي..
.
2- ميدان العلوم الطبيعية:
حيث قام كوبرنيكوس بإثبات بطلان الفلكيات القديمة القائمة على نظرية مركزية الأرض ودوران الأفلاك حولها.. ثم قام غاليليو وكبلر ونيوتن بدحض العلوم القديمة عن الثقالة والجاذبية والحركة والكتلة والضوء.. الأمر الذي أدى إلى تسارع مدهش في الاكتشافات والاختراعات..
.
3- ميدان الفلسفة والميتافيزيقا:
وهنا تم الانتقال من أبحاث الفلسفة الوجودية (الأنطولوجيا) والتي كانت تبحث في الماهيات والوجود وما وراء الطبيعة عن طريق التأمل ومباحث المنطق والقواعد الفلسفية العقلية.. والتوجه إلى الفلسفة المعرفية (الابستمولوجيا).. أي البحث في العقل وآلية عمله فظهر ما يسمى بعلم نظرية المعرفة..
أما الفلسفة الوجودية التي كانت سائدة في العصور الوسطى والقائمة على البحث فيما وراء الطبيعة.. فإنه بعد أن تم إثبات بطلان القياس الأرسطي والاستدلالات العقلية وبطلانها في المباحث الطبيعية الحسية.. فإنها ستكون بلا شك عاجزة عن البحث في الغيبيات والمجردات.. فالعلم الذي يخطئ في الأمور المحسوسة سيكون أكثر خطأ في الأمور اللا محسوسة..
وبالتالي تم الاستعاضة عنها بنظرية المعرفة وفلسفة اللغة وفلسفة العلم.. وتركوا مسألة البحث في الوجود لعلم الفيزياء والفلك والكيمياء والأحياء.. والتي بالفعل ساهمت في كشف أسرار الكون والوجود..
.
4- ميدان العلوم الدينية:
بما ان الكنيسة هي التي كانت تتبنى طبيعيات وفلكيات وعلوم اليونانيين وفلسفتهم التي كانت بمثابة الحامل الفكري للدين المسيحي.. فإن بطلان علوم اليونان يعني بطلان علوم الكنيسة.. والأمر نفسه ينطبق على الفلسفة الإسلامية التي قامت على أسس الفلسفة اليونانية الأرسطية المشائية..
وبالتالي فإنه لا يمكن لأحد التطور والتقدم في مجال العلم والمعرفة.. إلا بتوجيه ضربة للكنيسة وللدين بكافة أشكاله..
..........
هذا هو المتعارف لدى الكثير من مثقفينا وفلاسفتنا وعلمائنا.. حتى أن الكثير من الدعاة إلى النهضة العربية يقولون أننا إن لم نتخلى عن المنطق الأرسطي وطريقة تفكيره فإننا لن نتقدم.. حتى أن المثقف العربي بات يسخر من المنطق الأرسطي والفلسفة المشائية والإسلامية ويعتبرها من مخلفات العصور الوسطى.. والتي يجب رميها في مزابل التاريخ لتحقيق التقدم والتطور.. وأصبح أرسطو وفكره عبارة عن صنم لا بد من كسره لكي نتحرر من ظلمات العصور الوسطى..
.
وفي الحقيقة أقول أن هؤلاء معذورين جداً.. ولا أعتب عليهم بتاتاً.. لأنهم بحثوا في هذه المسألة المصيرية والمفصلية المتعددة الأبعاد من دون أن يحيطوا بهذه الأبعاد علماً.. فالمثقف إن كان فيلسوفاً جهل ميدان العلوم الطبيعية فاتهم أرسطو.. والمثقف إن كان فيزيائياً جهل ميدان المنطق فاتهم المنطق الأرسطي وجعله سبب التخلف.. والمثقف إن كان علمانياً جهل الميتافيزيقا واتهم الفلسفة المشائية.. والمثقف إن كان ملحدا جهل ميدان العلوم الدينية واتهم الدين بأنه سبب التخلف.. وانتقل الاتهام لأرسطو لأن الإسلام والمسيحية تبنت أفكاره وفلسفته..
.
وبالفعل فقد كنت أنا في بداية مسيرتي العلمية أظن أن هذا كله يعتبر طعناً في فكر أرسطو ومنطقه وفلسفته.. ولم أكن لأستطيع الدفاع عن المعلم الأول إلا بالفصل بين ميدان العلم والطبيعة وميدان الميتافيزياء.. فأقول يجب ألا نخلط بين الفيزياء والفلسفة.. ففشل المنطق الأرسطي في ميدان العلم لا يعني فشله في ميدان الفلسفة وما وراء الطبيعة..
.
ولكن بفضل الله تعالى وبعد أن درسنا الفلسفة اليونانية والفلسفة الهلنستية وفلسفة العصور الوسطى المسيحية والفلسفة الإسلامية والفلسفة الحديثة دراسة حقيقية عميقة.. وبعد أن درسنا المنطق الأرسطي بشكل معمق وعلى مستويات عليا.. وبعد أن درسنا المنطق الاستقرائي ونظرية السيد محمد باقر الصدر.. بالإضافة لكوني متخصصا في علوم الفيزياء ومطلع على تاريخ العلم.. فقد أصبحت الرؤية لدي واضحة كالشمس في رابعة النهار.. وتوصلت إلى هذه الحقيقة التي خفيت عن مثقفينا ومناهجنا وفلاسفتنا وأبحاثنا وجامعاتنا..
.
وأقولها هنا وبضرس قاطع ومن دون شك.. إن المعلم الأول أرسطوطاليس هو (سيد الفلسفة اليونانية الهلينية).. (وأبو الحضارة الهلنستية التي فتحت المشرق والمغرب على يد تلميذه الاسكندر).. وهو (أبو النهضة العربية الإسلامية في المشرق).. وهو (أبو النهضة الأوروبية الحديثة في الغرب).. أبوهم في كافة الميادين العلمية والمنطقية والفلسفية... وهو في نفس الوقت بريء من ظلمات وجهالات العصور الوسطى المسيحية..
.
وأعرف أنكم ستدهشون من هذه الدعوى.. ولكنها هي الحقيقة التي غابت عنا أو غيَّبها الغرب عنا.. والأدلة على ذلك سنتركها للمنشور القادم.. دمتم بألف خير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
***
القسم الثاني
نرجو منكم الصبر على قراءة منشورنا الطويل والمهم.. فقد وعدناكم البارحة أن نقدم الأدلة على أن المعلم الأول أرسطو هو سيد الحضارة الهلينية اليونانية.. طبعاً هذا لا خلاف عليه.. ففي عهده وصلت الفلسفة اليونانية إلى أوجها.. كيف لا وهو واضع علم المنطق.. وهو الذي ألف الكتب في الفلسفة النظرية بقسميها: علوم الطبيعة وما وراء الطبيعة.. وألف الكتب في الفلسفة العملية كالأخلاق والسياسة.. لقد تميز عن كل من سبقه من فلاسفة اليونان بأنه قدم رؤية متكاملة ومنظومة معرفية متناسقة قائمة على منهج العقل والتعقل.. لدراسة الكون والنفس..
........................
أما كونه أبو الحضارة الهلنستية.. فلأنه أستاذ الاسكندر المقدوني الذي فتح الشرق والغرب.. الأمر الذي أدى إلى دمج معارف اليونان (الهلينية).. مع الحكمة المشرقية (East) أي الشرق.. لنجد أنفسنا أمام عنوان جديد للحضارة والفلسفة تحت اسم (الهلنستية).. والتي لم يصل فيها الفلاسفة إلى مستوى الإبداع الأرسطي..
........................
أما أنه أبو الحضارة العربية الإسلامية.. فلأن كتبه تمت ترجمتها من اليونانية إلى السيريانية إلى العربية.. الأمر الذي أدى إلى ظهور فلاسفة وعلماء مسلمين.. تعرفوا على الحكمة العقلية المشائية.. وعلى المنطق الأرسطي.. فكان لهم خير معين في فهم النصوص الدينية من جهة.. وفي فهم الكون وتطور العلوم الطبيعية من جهة أخرى.. وهذا لا يعني أن العرب والمسلمين كانوا مجرد نقلة للفكر اليوناني.. بل كان لهم دور في تطوير ذلك الفكر ومناقشته والارتقاء به..
فابن سينا الذي كان طبيبا ورياضيا وفلكيا.. عندما قرأ كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو.. قال أنه قرأه أربعين مرة حتى حفظه ولكن لم يفهم منه شيء.. حتى وقع في يده كتاب للمعلم الثاني الفارابي يشرح فيه مفاتيح كتاب أرسطو.. الأمر الذي مكَّنه من فهم مطالبه بسرعة.. ثم قام (ابن سينا) بتأليف منظومة فكرية متكاملة في الفلسفة والطب والرياضيات والمنطق.. وخصوصاً علم المنطق حيث طوره ونقَّحه وأضاف إليه.. إلى أن وصل إلى أوج كماله..
بل إن الغزالي نفسه قال بأن المنطق الأرسطي ضروري جدا للفقهاء وللمتكلمين.. لأنه يعتبر أداة هامة في عملية استنباط الأحكام الفقهية والعقائدية.. فألف كتاباً في المنطق سماه (معيار العلم).. ومازال المنطق الأرسطي يُدرَّس في الحوزات الدينية إلى يومنا هذا.. لأهميته بالنسبة لدارسي العلوم الدينية..
............................
كل ما سبق يعتبر واضحاً ولا يختلف عليها أحد.. ولكن النقطة التي ينبغي بيانها هي أن (أرسطوطاليس) بريء من ظلمات وجهالات العصور الوسطى المسيحية.. وأنه هو أبو النهضة الأوروبية الحديثة.. بالرغم من كل التهم التي وُجّهت له ولمنطقه وفلسفته ومنهجه.. وهذا ما سنثبته هنا بعونه تعالى:
.
1- لقد جاء أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد.. حيث وصلت الفلسفة اليونانية إلى القمة على يده.. ولكن بدأت الفلسفة بعده بالتدهور.. وعندما جاء السيد المسيح وظهرت الديانة المسيحية.. ثم حصل التحريف في هذه الديانة على يد شاؤول المعروف بـ (بولس الرسول).. فظهرت الفرق والمذاهب المسيحية.. وحصل الجدال والاختلاف الفكري فيما بينها.. فاضطر رجال الدين المسيحي إلى تعلم الفلسفة لإثبات معتقداتهم والدفاع عنها..
ولكنهم اصطدموا بالمنهج العقلي الأرسطي الذي يبطل مزاعمهم وتحريفاتهم.. وهنا حصل الاصطدام بين الدين والعقل.. أو بين الإيمان والعقل.. /طبعاً ليس لأن الدين الحقيقي يخالف القواعد العقلية السليمة.. بل لأن الدين المسيحي لم يكن هو الدين الذي جاء به السيد المسيح.. بل كان ديناً محرفاً من قبل بولس وغيره/..
ومن هنا ابتعد رجال الدين المسيحي عن أرسطو وفكره الذي وجدوا فيه خطراً على معتقداتهم وأفكارهم التي تبنوها.. وظهرت تلك المقولة المشهورة (إذا تعارض العقل مع الإيمان فعلى العقل أن يسكت).. فتخلوا عن طريق العقل.. ووجدوا في الفكر الصوفي القلبي الأفلاطوني خير منقذٍ لهم.. وخصوصاً أن (أفلاطون) قال أن المثل في العالم الأعلى ترجع إلى ثلاثة وهي (الخير والحق والجمال).. أي أن في ذلك إشارة إلى التثليث.. ثم جاءت الأفلاطونية المحدثة على يد الفيلسوف (أفلوطين) الذي عاش في القرن الثالث الميلادي.. ونظريته في الفيض بأن الآب أو الله (الواحد) فاض عنه الابن وهو (العقل) الأقنوم الثاني.. والتي فاضت عنه (النفس الكلية).. شكلت الأساس النظري والحامل الفلسفي للدين المسيحي..
.
فقام (القديس أوغسطين) الذي عاش في القرن الرابع والخامس الميلادي.. بتبني فكر الأفلاطونية المحدثة القائمة على الدعوى بلا برهان.. والاعتماد في ذلك على إيمان القلب والتسليم للقضايا الغيبية.. لتبدأ مرحلة جديدة من الفلسفة في الغرب المسيحي سميت بفلسفة آباء الكنيسة.. ثم الفلسفة المدرسية حيث تم حصر التدريس في الكنيسة.. فكانوا يدرسون علوم الفلسفة على المنهج الأفلوطيني وعلوم الفلك وفق نظرية بطليموس.. بالإضافة لعلوم اللغة والأدب والعهدين القديم والجديد..
وتم اقصاء منطق أرسطو وفكره وفلسفته المشائية ومنهجه العقلي من الكنيسة والفلسفة المسيحية في العصور الوسطى.. حيث كانوا يحاربون فكره ويمنعون من تدريس المنطق الأرسطي في الكنيسة.. تماما على عكس المسلمين الذين اهتموا بمنطقه ومنهجه العقلي.. والذين كانوا يعيشون حالة التقدم والرقي الحضاري والعلمي..
.
وأكبر مغالطة في عالم المصطلحات أن نصف العصور الوسطى بعصور الجهل والظلام.. فهذا مصطلح غربي ينسجم مع ثقافة الغرب الذين كانوا يعيشون حالة التخلف الفكري والحضاري في تلك الحقبة.. ولا يجوز تعميم ذلك على كل الشعوب في تلك العصور.. فقد كان المسلمون العرب يعيشون حالة التقدم العلمي والحضاري في تلك الفترة.. وهذا يثبت لنا براءة أرسطو من الجهل الذي عاشه الغرب المسيحي في العصور الوسطى..
.
وشاء القدر الإلهي أن تظهر حضارة إسلامية في المغرب والأندلس.. ثم يظهر فيلسوف عربي مسلم اسمه (ابن رشد) الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي.. والذي قام على إحياء الفكر الفلسفي الأرسطي.. فرد على الغزالي في (تهافت التهافت).. ثم شرح كتب أرسطو في المنطق والفلسفة الطبيعية والفلسفة الميتافيزيقية.. وعُرف ابن رشد عند الغرب بلقب (الشارح).. لأنهم تعرفوا على أرسطو ومنطقه من خلال شروحه..
وذلك نتيجة الاحتكاك المباشر بين العرب والغرب في إسبانيا وانبهار الغرب بالحضارة الإسلامية والعلوم المتطورة التي شاهدوها بعد خروج المسلمين من الأندلس.. فقاموا بجمع كتبهم وترجمتها.. وهنا تم التعرف على فكر (أرسطو) عن طريق شرح (ابن رشد).. فقاموا بالرجوع إلى اليونان والبحث عن آثار أرسطو وكتبه وقراءتها من مصادرها اليونانية من دون الحاجة إلى الترجمة.. واستعانوا بشرح ابن رشد لفهمها وهضمها.. ومن هنا بدأ الفكر الأرسطي يطرق أبواب القارة الأوروبية ويزلزل الأرض من تحت أقدام الإيمان الساذج الكنسي..
.
وهذا يعني أن أرسطو وفكره ومنطقه بقي خارج الكنيسة المسيحية لمدة تسعة قرون.. حتى جاء القديس الكاثوليكي الإيطالي (توما الأكويني) في القرن الثالث عشر الميلادي.. والذي اطلع على فلسفة أرسطو الذي تغلغلت بين الأوربيين وعلى شروح ابن رشد.. فتبنى الفكر الأرسطي.. فدخلت الفلسفة المشائية العقلية إلى الكنيسة.. واطلع عليها العلماء من رجال الدين المسيحي.. والذين اطلعوا أيضاً على منتجات الفكر العربي الذي بدأت حضارته بالانهيار.. فشكلت هذه الأفكار الأرسطية والإسلامية المادة الأولية لقيام النهضة الأوروبية قبيل مجيء كوبرنيكوس وغاليليه وبيكون وديكارت..
وليكون بحثنا واضحاً سنذكر دور الفكر الأرسطي في الميادين التي ذكرناها سابقا:
.
1- (ميدان المنطق):
ليس صحيحاً ما قيل من أن القياس الأرسطي كان سبباً في تأخر العلوم الطبيعية.. وأن الاستقراء الذي نادى به (بيكون) كان هو سبب النهضة.. لأن بين القياس والاستقراء يوجد ما يسمى بالتجربة.. وهذا ما لم ينتبه إليه مناطقة العرب المعاصرين الذين درسوا المنطق الأرسطي الصوري ولم يهتموا أكاديميا بالمنطق الأرسطي المادي ونظرية البرهان.. فإن التجربة ليست استقراءً.. بل هي قياس خفي يجمع بين كبرى كلية يُضاف إليها ناتج الاستقراء.. فإذا وُضعت التجربة في مقدمات البرهان.. أصبح لدينا برهان فلسفي علمي منطقي قائم على معطيات التجربة..
فأنت بعد أن تقوم باستقراء حالات متشابهة كثيرة وفي ظروف مختلفة.. تشكل قياساً لإثبات أن هذا الشيء علة لذاك الشيء.. هذا القياس يتألف من مقدمتين: الصغرى فيهما هي ناتج الاستقراء (هذه النيران علل لتلك الحرارات).. والكبرى هي القانون البديهي القائل (الصدفة لا تكون دائمة ولا أكثرية).. نتيجته هي ما نسميه بالقانون العلمي (النار علة للحرارة).. وجملة القياس المؤلف من المقدمات والنتيجة نسميه التجربة..
.
وكان أرسطو أول من طبق هذا المنهج التجريبي.. بعد أن كان الفلاسفة الذين قبله يبحثون في الطبيعة عن طريق التأمل العقلي.. لكن أرسطو بحث في الطبيعة عن طريق التجربة.. وقد طلب من تلميذه الملك الاسكندر أن ينشئ له حديقة زرع فيها نباتات واعشاب مختلفة ليطبق عليها تجاربه لمعرفة النمو والتكاثر والخصائص وو..
وهذا المنهج انتقل إلى المسلمين.. فتطورت علومهم الطبيعية وظهرت أدوات جديدة ساهمت في حصول اكتشافات علمية واختراعات متقدمة في مجال الطب والبصريات والكيمياء والفيزياء والأحياء..
في حين أن هذا المنهج التجريبي لم يطلع عليه آباء الكنيسة الذين عاشوا حالة العشق والتأمل الأفلوطيني بعيداً عن العقل والتجربة.. فغرقت أوروبا في عصور الظلام.. التي نعيشها نحن اليوم بعد أن قضى ابن تيمية على ما تبقى من عقل عربي بمقولته الشهيرة (من تمنطق فقد تزندق).. وبعد أن أرسى العثمانيون حالة التصوف الدوراني والحب الساذج بعيدا عن العقل والفكر.. في حين أن أوروبا والغرب كانوا يعيشون التطور الحضاري عن طريق المنهج الأرسطي الذي عرفوه من خلال مسلمي العصور الوسطى..
.
والذي يؤكد كلامنا بأن لأرسطو دور في تقدم المنهج التجريبي عند الغرب.. أن هناك إصرار كبير من الأكاديميين الغربيين أن كتب ابن رشد التي شرح فيها المنطق لم تصل إلى أوروبا.. بل الذي وصل إليهم شرح ابن رشد لكتب الفلسفة الأرسطية.. وهذا ما يضحك الثكالى.. وذلك ليغطوا على دور أرسطو والمسلمين في نهضة أوروبا لأسباب دينية محضة سنشير إليها.. ولكن من تأمل ملياً في تسمية ابن رشد بلقب الشارح.. لوجد أن هذه التسمية ما كانت لتأخذ تلك القوة والشهرة والصيت لولا أنه شرح كتب أرسطو المنطقية.. والتي كان لها أكبر الأثر في تفتح عقول الغرب على أسلوب التفكير الصحيح الذي يقدمه علم المنطق..
.
ومن هنا فإن محاولة هجوم (بيكون) على قياس أرسطو.. هي محاولة صحيحة وفي نفس الوقت خاطئة.. فهو في حقيقة الأمر هاجم المناطقة والعلماء الذين طبقوا المنهج العقلي التأملي على قضايا تجريبية.. فوقعوا في مغالطة وأخطاء علمية.. ولكن المنهج الأرسطي نفسه ينص أنه في القضايا الحسية يجب تطبيق البرهان التجريبي القائم على مقدمات استقرائية تجريبية.. وليس البرهان العقلي القائم على مقدمات تأملية فطرية أو متواترة أو غيبية.. فـ (بيكون) حكم على المنطق الأرسطي من خلال خطأ المطبقين له.. مع أن بيكون نفسه في عملية الاستقراء عليه أن يرجع إلى القياس التجريبي لإثبات القانون العلمي كما شرحناه..
................................
2- (ميدان العلوم الطبيعية):
أما مجال الفلك.. فإن (كوبرنيكوس) الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي لم يدحض نظرية (أرسطو) في الفلك.. بل دحض نظرية (بطليموس) الذي عاش في القرن الثاني الميلادي أي أنه جاء بعد (أرسطو).. صحيح أنها نظرية قديمة آمن بها أغلب اليونانيين ومنهم أرسطو.. ولكن اليوم بعد أن جاءت النسبية العامة ووضعت قوانين فيزيائية توحد بين كافة الجمل العطالية (الثابتة السرعة) واللاعطالية (المتغيرة السرعة إمام شدة أو اتجاهاً).. فإنها تقول بأن المراقب الذي يعتقد بثبات الأرض.. يحصل على نفس النتائج التي يحصل عليها مراقب خارج الأرض يقول بدورانها إن طبق قوانين النسبية العامة لأينشتاين..
.
وأما آراء أرسطو العلمية التي وصلت إلى أوروبا وأثبت خطأها غاليليو حول الحركة والثقالة والجاذبية.. فهذا أمر عادي وطبيعي.. لأن العلوم تتطور.. فالأدوات التي كانت موجودة عند أرسطو لم تكن لتسمح له بالتجربة التي قام بها غاليليو.. كما أن آراء أرسطو كانت صحيحة في الظروف والشروط المتاحة.. فالحركة تتخامد بسبب احتكاك الجسم المتحرك بالوسط المحيط.. سواء كان الوسط المحيط الماء أو الهواء أو الأثير الذي كان الأقدمين يعتقدون بوجوده بين الأفلاك.. بل حتى نيوتن ومكسويل كانوا يعتقدون بوجود الأثير.. ولكن غاليليو أثبت أن الحركة لا تتخامد في حالة الخلاء.. وهذه الحالة غير متحققة على الأرض إلا عن طريق أدوات حديثة تعمل على تخلية وسط ما من الهواء..وهذه الحالة غير متحققة على الأرض إلا عن طريق أدوات حديثة تعمل على تخلية وسط ما من الهواء..
.
كما أن أرسطو كان هو المؤسس الأول لعلوم الفيزياء بشكلها التنظيمي وبالتالي فللتأسيس مشاكله وضريبته.. بالإضافة إلى كون أرسطو مؤسساً لكثير من العلوم النظرية والعملية.. في حين أن غاليليو ونيوتن تخصصوا في الرياضيات والفيزياء.. والتخصص يعطي مساحة للنقد من جهة.. بالإضافة إلى أن جهودهم لم تضيع في تأسيس هذا العلم.. بل انصب جهدهم على ما وصل إليهم من علوم اليونان والمسلمين وطوروها.. وهذه سنَّة التطور العلمي..
.
فعندما جاء أنشتاين وقال أن قوانين نيوتن صحيحة في نطاق السرعات الصغيرة بالنسبة لسرعة الضوء.. لكن قوانينه ستكون خاطئة بالنسبة للسرعات القريبة من سرعة الضوء مما أدى إلى ظهور الميكانيك النسبي.. ومع ذلك لم يقل أحد أن نيوتن كان سببا للتخلف الفكري طيلة أربعة قرون.. بل مازال الميكانيك النيوتني معمولاً به عملياً في حركة السيارات والطائرات ضمن السرعات العادية وإن لم تكن دقيقة نظرياً.. وكذلك مازالت فكرة أرسطو حول ان الحركة تتخامد هي المعمول بها عمليا في ضمن نطاق الغلاف الجوي وإن لم تكن دقيقة نظرياً.. لأننا في أي حركة نقوم بها نحتاج دائماً إلى محرك ومولد يسبب الحركة ثم يحافظ عليها.. فإن توقف المحرك توقفت الحركة بسبب قوى التخامد والاحتكاك..
.
كما أن علينا الانتباه إلى أن العلوم الطبيعية دائماً في حالة تطور.. وخطأ السابقين من العلماء لا يعني أنهم سبب التخلف.. بل لولا أنهم بحثوا وجربوا لما استطعنا أن ننتبه إلى أفكارهم والقضايا التي أثاروها ونبحث فيها لنعرف صحتها وصوابها من خطئها.. ولكن الابتعاد عن المنهج الأرسطي المنطقي من قبل علماء الكنيسة في العصور الوسطى وخلطهم بين العلوم الطبيعية والعلوم الدينية.. جعلهم يعتبرون كل التراث مقدس.. فلا يجوز المناقشة في العلوم النقلية ولا العلوم التجريبية.. لأن هذا النقاش سيؤدي إلى فتح باب النقد وباب العقل وباب الاجتهاد وباب التشكيك.. وهذا ما حصل بعد أن أثبت كوبرنيكوس خطأ نظرية بطليموس.. فحاربوه وحاربوا غاليليو.. لأنهم ربطوا مصير الدين بمصير علوم الطبيعة.. وهذا هو الخطأ القاتل الذي أدى إلى تحجر الكنيسة ثم انهيارها بعلومها الدينية والدنيوية..
.............................
4- (ميدان العلوم الفلسفية):
وهنا أخطأ الغرب المتقدم في تطبيق المنهج الأرسطي.. لأنه انبهر بالمنهج التجريبي وزهد بالمنهج التأملي والنقلي.. فتطرف في غلوه بتطبيق المنهج التجريبي لدرجة أنه قال: (كل شيء لا تثبته التجربة فليس بصحيح).. وبما أن الأمور الغيبية لا تنالها التجربة.. لذلك كان التيار الفلسفي المسيطر في الغرب هو التيار الحسي التجريبي المادي.. فأنكروا الميتافيزياء.. وأوكلوا البحث في الوجود وأسراره إلى علوم الطبيعة المتمثلة بالفيزياء والكيمياء والفلك والأحياء والطب..
.
وكي لا تموت الفلسفة النظرية حصروها في البحث في كيفية وآلية المعرفة والعقل الإنساني فظهرت (نظرية المعرفة).. وكيفية النطق وتحليل الكلمات والجمل واللغات فظهرت (فلسفة اللغة).. وكيفية التأمل بالنتائج النظرية التي يصل إليها العلم وكيفية طرح الأسئلة العلمية وربط نتائج العلوم المختلفة فيما بينها فظهرت (فلسفة العلم)..
وكي لا تندثر الفلسفة العملية تم توجيهها نحو سلوك النفس وردود الأفعال الفردية فظهر (علم النفس العام).. وتوجيهها إلى سلوك التجمعات البشرية فظهرت (فلسفة علم الاجتماع)..
أما (الميتافيزياء) وعلم (ما وراء الطبيعة) الذي كان من إبداعات الفكر الأرسطي.. فقد تم الإعلان عن وفاته على يد الفيلسوف (كانط).. الذي استبدله بـ (فلسفة الأخلاق) كي لا تموت العلوم الدينية وتنتفي الحاجة للإله..
................................
5- (ميدان العلوم الدينية):
لقد ظهر تيارين في الغرب بعد النهضة الأوروبية:
(تيار إلحادي) ضرب بالكنيسة بكل ما تحويه من علوم دينية وطبيعيات قديمة دون استثناء..
و(تيار آخر علماني) ولكنه مؤمن.. إلا أنه لم يفعّل المنهج الأرسطي التعقلي في العلوم الدينية كما فعَّله في العلوم التجريبية.. بل اعتمد على الإيمان القلبي والتسليم بقضايا الدين المفهومة واللا مفهومة..
وهذا الانفصام في المنهج سببه أن هناك تعارض بين الفكر المسيحي الذي حرفه بولس.. وبين الفكر الميتافيزيقي الأرسطي.. فاختار هؤلاء (الدين المسيحي على علاته) وتركوا (الميتافيزياء الأرسطية)..
في حين أن المسلمين لم يضطروا لذلك ولم يعيشوا حالة الانفصام.. لأن المنهج الميتافيزيائي الأرسطي لم يكن ليخالف الوحي القرآني.. فاستمرت الأبحاث الميتافيزيقية في مسيرتها الراقية إلى جانب الأبحاث الطبيعية في الحضارة الإسلامية.. في حين أن النهضة الأوروبية كانت نهضة فقط في العلوم الطبيعية التجريبية.. لكنها كانت نكسة في العلوم الدينية والفلسفة الميتافيزيقية التي شهدت تراجعاً مرعباً في الغرب..
.............................
فإن قيل لنا: ها هم العرب اليوم يدرسون أرسطو في جامعاتهم ومع ذلك فلا حضارة لديهم ولا تقدم لهم..
فنقول لهم: إن العرب تدرس أرسطو وأقواله كحالة تاريخية كواحد من الفلاسفة الذين ظهروا في التاريخ.. ولكنهم لا يدرسون منهج أرسطو ولا يطبقونه.. ولو أنهم درسوا منطق أرسطو وطبقوه في مجال العلوم الدينية والدنيوية لقدمنا حضارة تفوق حضارة الغرب المادية.. لأن حضارتنا ستكون حضارة دينية ودنيوية.. فنحن نملك ما لا يملكه الغرب المسيحي.. ألا وهو القرآن والوحي الذي لم يتطرق إليه التحريف.. والذي أثبت إلى اليوم إعجازه العلمي.. وأثبت للجميع أن الوحي لا يتعارض مع العقل ولا مع التجربة.. فمتى نستيقظ كما استيقظ الغرب على صوت العقل الأرسطي؟؟!! ألا يكفينا سبات طال إلى ما يزيد عن خمسة قرون؟؟!! أم أنه ليس سبات بل هو موت لا حياة بعده إلى يوم الحشر؟؟؟!!
.....................
نعتذر عن الإطالة ولكن هذا ما استطعنا اختصاره.. ولو أردنا الاستفاضة والشرح لما كفانا عشرات المنشورات.. ولكن تكفينا هذه الإضاءات لبيان مظلومية (المعلم الأول أرسطوطاليس).. بين من تركه من العرب.. وبين من أنكر فضله من الغرب.. دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..