ثقافي الشيخ بدر يحتفي بمحاضرة عن "اللغة العربية وتجربة التمكين لها"
عرض فينكس- الشيخ بدر
احتضن المركز الثقافي العربي في الشيخ بدر برئاسة مديرته الشاعرة المتألقة ليندا ابراهيم، و بالتعاون مع اللجنة الفرعية للتمكين للغة العربية ظهر أمس الثلاثاء محاضرة جديدة شكلاً وغنية مضموناً بعنوان "اللغة العربيَّة و تجربة التَّمكين لها" بحضور لفيف من الحضور و المهتمين و عدد من النخبة المثقفة في المنطقة والمحافظة و حضور عدد من أعضاء لجنة التمكين الفرعية في طرطوس، حيث ألقى المحاضر الأستاذ عيسى حبيب محاضرته على مرحلتين, المرحلة الأولى تناول فيها أهميَّة اللغة العربية و نشأتها و مكانتها, وفي هذا السياق يقول: (قامت دراسات مُقارنة للغات شرق المتوسِّط من أكاديّةٍ و كنعانيَّةٍ و سريانيَّةٍ و عِبريَّة و عربيَّة، وتلمَّسَتْ ما بينها من مشاركات في طليعتها كتاب إبراهيم السَّامَرَّائي "فقهُ اللغة المقارن"، وكتاب أحمد يوسف داود "الميراثُ العظيم"، لكنَّها لم تصلْ إلى قناعة بأنَّ العربيَّة هي الأمُ), وهو إذ يسبق له ويؤكّد أنّ القناعةُ اليومَ لدى الباحثين في تاريخ اللغات، بأنَّ البحثَ فيهِ عقيمٌ، و العربيَّة موغلة في القدم، فتاريخها مجهول، وعلاقتها بلغات المحيط التي تعود إلى ستَّة آلاف سنة غيرُ واضحة, يعود ويستشهد بما ذكره الناقد الفرنسي الشهير ارنست رينان في شهادة نادرة له عن النضج الفنيّ للغة العربية: "فهذه اللغة المجهولة التاريخ، تبدو لنا فجأةً بكلِّ كمالها و مرونتها و ثروتها التي لا تنتهي، فاللغة العربيَّة لا طفولة لها، لغة جاءت إلى الدُّنيا من غير مرحلة بدائيَّة، أو فتراتٍ انتقالية، ولا تجاربَ تتلمَّسُ معالمَ الطَّريق".
أما رأي الأستاذ حبيب: "ليس معقولاً أن يُولَدَ شعبٌ أو لغةٌ فجأة، إن لم تكن نزلت من السَّماء، ليس معقولاً أن تأتي لغة فجأة بلا طفولة، أمَّا أن تكون بلا شيخوخة فهذا ما نرجوه للساننا".
ويتابع مؤكّداً: "لكن يمكن القول إنَّ هذا اللسان منجزٌ حضاريٌّ يختزنُ الكثير من رؤى شعبٍ أو شُعُوبٍ، و دلالات عقائده و فلسفته العفويَّة".
ويميل الباحث حبيب إلى ما يعتقده الباحث رفيق معلوف في بحث سبق أن نشره في مجلة "العربي" الكويتية عام 2003: "من هنا أميلُ إلى الاعتقاد الجازم بأنَّ العربيَّة الفصحى المعروفة بلغة قريش و التي تنزَّلَ بها القرآن الكريم، و كانت منتشرة قبل الإسلام بقرون في جزيرة العرب هي نفسُها التي جسَّدها الفينيقيُّون في حروفٍ و دوَّنوها على نظام الأبجديَّة"
أمّا القسم الثاني من المحاضرة, فقد خصصه الباحث للحديث عن "تجربة التَّمكين", بذكر القرار رقم 4 لعام 2007 الصادر عن رئيس الجمهورية بتشكيل اللجنة العليا للتمكين للغة العربية و اللجان الفرعية في جميع أنحاء سورية استشعاراً للخطر الذي صار يدهم اللغة و يهددها بالضياع. واستعرض الباحث و هو عضو اللجنة منذ تأسيسها، عمل اللجنة وواقعها و السلبيات و العوائق التي واجهتها وتواجهها بكل وضوح وجرأة, ومن هذه الصعوبات: (لم تصدُر تعليمات أو توجيهات تنفيذية تُلزم الجهات المعنية، أو تضعُها أمام مسؤوليَّة كلٍّ منها، سوى ماورد في الخطة الوطنية و الخطة غيرُ مُلزِمة. كما أنّ القرارُ لا يخوِّلُ اللجنة صلاحيَّة اتِّخاذ إجراءاتٍ بحق الجهات المُقَصِّرة).
وفي هذا السياق سيكشف الباحث حبيب عن حقيقة موجعة, ألّا وهي إنّه بعد عشر سنوات من تشكيل اللجنة المركزيَّة و اللجان الفرعيَّة (لتمكين اللغة) تَبَيَّن أنَّ الجهات المعنيَّة لم تتعاون، كالوزارات والمنظمات ذات الصلة، و لم يبدر منها أيُّ نشاط في مجال تنفيذ التَّعليمات الموجَّهة إليها في الخطَّة؛ انطلاقاً من هنا, هو يعتقد أن الواقع سلبي في هذا المضمار.
وبغية الخروج من دائرة اللاجدوى, فإنّ الباحث يختم بعدد من المقترحات, لعلّ أهمها:
-إصدار قرارات تخوِّل اللجنة المركزيَّة و اللجان الفرعية صلاحيَّات مثل صلاحية هيئة الرَّقابة والتفتيش.
-إعادة النَّظر في تشكيل اللجان الفرعية بحيث تكون أقل عدداً و أكثر متخصصين، وتفريغ نائب رئيس اللجنة كلياً أو جزئياً ليستطيع متابعة العمل في اللجنة، ومدُّها بتمويل كافٍ لتستطيع التحرك في المناطق.
-تكليف وزارة التربية بصورة ملزمة القيام بما يدعم الفصحى مثل فرض التزام الفصحى في حصة اللغة العربية على الأقل، وإجراء امتحانات شفهية في المرحلة الثانوية على الأقل، و إقامة دورات للتمكين للفصحى.
-تأليف معجم تاريخي يرصد تطور دلالات الألفاظ و تطوير علم النحو، بحيث يكون سائغاً ميسراً للأجيال.
هذا, وأعقب المحاضرة مداخلات للحضور, نقتطف منها:
محمَّد إسماعيل /مدرس لغة عربية متقاعد/ ، أثنى على المحاضرة و جهود المحاضر و أورد في مداخلته فكرة رئيسة وهي أنَّ سبب تدني مستوى اللغة العربية تدريساً وتداولاً هو أن لغات العولمة و التجارة والتكنولوجيا قد أزاحت لغتنا بشكل منطقي وذلك بفعل الحضارة و غيابنا عن هذه الحضارة كفاعلين
د.ماهر حبيب مدرس جامعي وعضو لجنة التمكين: داخل في محاور عدة جميعها و كان له المقترح التالي: المطالبة بإقامة مراكز أبحاث بعلم الاجتماع اللغوي و تعليم اللسانيات اللغوي "
الصحفي و الإعلامي أُبَيّ حسن: سأل عن تطوُّر اللغة العربية، وسأل إن كان يوجد ترادف في اللغة العربية أم لا؟ فكان رأي الباحث المحاضر أنّه يوجد تقارب لا ترادف.
د.أديب وسوف: داخل في أفكار المحاضرة وطالب إدراج المقترح والتساؤل التالي ورفعه كطلب وتوصية: "لماذا انطلقت من مدة قريبة و تحديداً في السَّأحل السُّوري حملة "تعريب" أسماء الأماكن والقرى والمدن والبلدات إلى تسميات عربية و هي أصلاً في مجملها و معظمها أسماء سريانية آرامية عربية قديمة" و طالب بوقف هذه الحملة.
أخيراً: نختم بما ختم به المحاضر: هذا المشروع النهضوي (تمكين اللغة) لا يكفي تشكيل لجنة لإنجازه، إنه يتطلب تشكيل هيئة مشتركة من وزارات عدة، و لنقل التربية و التعليم العالي و الثقافة و الإعلام، تعمل تحت شعار كيف ننهض بلغتنا و نصونها.