ليندا ابراهيم: "في الكتابة و الإبداع.."
جميلٌ أن يتعرَّض الكاتب الأديب لأسئلة جوهريَّة، في شؤون الفكر والكتابة و الإبداع، و حقيقةً لا يتأتى السُّؤالُ الحاذقُ إلا لقلَّةٍ أيضاً من المهتمِّين، الذين تشغلُهُم مسائلُ الفكرِ و شجونُ الإبداع. و قد سُئلت غير مرَّة أسئلةً لم أجد بداً من الإجابة عليها، بل و أغراني بعضها بالإجابة، سأوردُها في صُلب هذا المقال لعلَّها تلقى التَّفاعل و تصيب مكمنَ الاهتمام لدى المتابع القارئ المهتمِّ النَّهم..
وكما قدَّمتُ فسأورد سؤالين بدايةً، وَ أُورِدُ جوابِي عليهِما، أما السُّؤال الأول: "يقول النُّقّاد: "إنَّ الكاتب حينما يكتبُ الإبداع، لا يكون واعياً بشكل تام لعوامل الابداع التي قام بتوظيفها في النص"، ما رأيك بهذه المقولة؟!
و أظنُّ أنَّ السَّائلَ حينَمَا أورَدَ السُّؤالَ، إنَّمَا كانَ يُقصَدُ بِهِ مسألة الوعيِ لعَوامِلِ الإبداعِ التي تسبِقُ و ترافقُ كتابةَ النَّصِّ الإبدَاعيِّ، و كونُ أنَّ مصطلَحَ "الإبداع" قد يتوقَّفُ عندَهُ الكثيرون باعتِبَارِهِ مقولةَ السؤال و القصدَ منهُ لهذا فقد وجبَ التَّنويه.. كمَا وجَبَ أنْ أضعَ مصطلح "الإبداع" هنا في سِيَاقِهِ مِن حيثُ أنَّ القصد منهُ ليسَ الإبداعُ بمفهومِهِ العام الكامل الذي يحتاجُ بحوثاً و بحوثاً للإحاطةِ بهِ، بل سأطلِقُهُ و أعتبرُ أنَّ السَّائلَ يقصدُ بِهِ عمليَّةَ كتَابة النَّصِّ الأدبي سواء أكانَ شعراً أم نثراً أم نقداً، ليستَقيم المعنى منَ السُّؤال و لتكونَ إجابتي في هذا الاتجاه كما يلي:
إنَّ الكاتبَ حينَما يتناولُ الكتابةَ و التَّأليفَ كعملٍ إبداعيٍّ لا بدَّ وَ أن يمتلكَ أدواتِهِ الفكريَّة و اللغويةَّ و الشِّعريَّة الخاصَّة بهِ، و أن يكونَ واعياً لمكنونات العمليَّة الإبداعية التي يقوم بها، واعياً لامتلاكه لها، واعياً لما سينتج من نص يحمِّلُه بوعيٍ كلَّ ما يريد، و يستطيعُ النَّصُّ نفسه تحَمُّلَهُ،هذا في العامِّ و المنطق و البديهة، لكن في التفصيل و إسقاط الحالة على صنوف الكتابة والمنتج الإبداعي يتنوَّعُ الجواب، و أسوق جوابي هنا مستشهدة بتجربتي فعندما أكتبُ أو أهُمُّ بكتابة النص الأدبي الشعري، أضع روحي وفكري و لغتي و تجربتي في الذهن بل أستحضرُ كل ذلك ، أضع مقولةً و محتوىً لما سأضمِّنه في النص ،أضع ُهدفاً فكرياً شعرياً لغوياً موسيقياً لما سيأتي عليه النص الشعري... فإن واتت الروح مع ريح الشعر سارت سفنُ القصيد بما أشتهي..
و لكن يحدثُ أمرٌ آخرُ لا يكون الكاتبُ قد وضعه في الحسبان و هو أمر القارئ وكيف يتلقَّى النص كيف يتفهمه و يؤوله، ربما يحدث هذا للنصوص العالية فكرياً الباذخة شعرياً و فنياً فتأتي قراءات القارئ لتفتح آفاقاً جديدة أعترف بأنني أحياناً لم أكن أفكِّر بها حين كتابة النص... لا أدري إن كان هذا ـــ كما يرد في السؤال ـــ عدم "وعيٍ مني" لأدواتي و مقولتي التي أريد تحميلها النص، أم لا، إنَّمَا ما يشفعُ لي في تبرير الحالة هذه هو أن النص عندما يخرج مني يصبح ملكَ القارئ، وعليه يصبح مفتوحاً لجميع احتمالات القراءة، و العقلُ لا يُحَدُّ و لا نستطيع إدراكَ ما يدور فيه عند كل قارئ ..المهم أن يصير النص كل هذا ليكون إبداعاً.
السؤال الثاني: "يقول الأديب الفرنسي جيروم فيراري" كتابة الرواية اغتراب الذات عن الذات، وإلا كان نتاج الكتابة مذكرات أو يوميات "فإذا كان مقتضى العمل الروائي هو غيابُ الرِّوائيِّ عن ذاته لكي يتقمَّصَ شخصياتٍ مغايرةً لطبيعته أو لمبادئه، فما هو مقتضى العمل الشعري بالنسبة للشاعر في إطار علاقته مع ذاته؟!"
الجواب: "الشَّاعرُ لا يغتَربُ عن ذَاتِهِ، و إلا لكانَ ما كتبَهُ إمَّا ليسَ شعراً، أو أنَّه ليسَ صادقاً على الأقل، و بالتَّالي لا ينمُّ عن تجرِبَتِهِ...
إنَّ أدواتِ الرِّوائيِّ غيرُ أدواتِ الشَّاعرِ، فالرِّوايَةُ ورشَةُ عملٍ متعدِّدةُ الشَّخوص و البيئاتِ و الدَّوالِّ، الروايَةُ تختَصِرُ عمرَ بلَدٍ أو جماعةٍ أو حقبةٍ أو "شخصٍ" حتَّى، هيَ ورشةُ عملٍ طويلةُ الأمدِ بأدواتٍ إبداعيَّة مغايرَةٍ بشكلٍ فنِّيٍّ مغايرٍ بمعطياتٍ مغايِرة و نتائجَ مختلفة، و على الرِّوائيِّ أن يتقمَّص شخوصه و بيئاتِها إن لم يكن عليهِ أن يكون عاشهَا أو عايَشَهَا..
أما الشِّعرُ فَروحُ الحالةِ الرَّاهنَة و الذي يجبُ أن يستمرَّ معطياً ألقهُ و مقولتَهُ الرَّاسخة عبر الأجيال، الشّعِرُ مقولتُهُ حاضرةٌ قريبَةً يتلقَّفُها المتلقِّي ، أمَّا الرِّوايةُ فتحتاجٌ لوقت أطولَ و أمدٍ أبعدَ..
الشِّعرُ وِجدانُ الأمَّة و الرِّوايةُ ذاكرَتُهَا.. الشِّعرُ روحُ الأمَّة و الرِّوايَةُ حياتُها..