ليندا ابراهيم: "مصادفات سوريَّة.."
كان من قبيل المصادفة، أن يقعَ أمامَ عينيَّ بحثٌ يعيدُ إلى ذاكرتي ما تختزنُهُ من ميثيولوجيا، أو قُلْ أساطير الأوَّلين، و التي كان منبعُها، أو مصدرُها، أو مسرحُها، أرضَ سوريَّة العظيمة..
و كان أيضاً مصادفةً، أن تفصلَ ساعاتٌ قليلة، بين أن أقرأ هذا البحثَ، وبين بحثٍ آخرَ يتناولُ "محنة بعل" السُّوريِّ، و التي تشير إحدى التفسيرات أو الإسقاطات فيما أذكر، إلى بلدة "محمبل" إحدى قرى إدلب السورية، على وجه الدقة الجغرافيَّة، كتدليل على أن الأسطورة إنَّما هي "واقعةٌ"، و بالوقت نفسه، تدليل على أنها حدثت على أرض سوريَّة..
و ليقع بعدها أيضاً، بين يديَّ كتاب بطريقة عرضيَّة بحتة، يتحدَّثُ عن رسالة سماويَّة هي خاتم الرسالات، وعن نبيٍّ أكرم، عانى ماعانى، و عن شخصياتٍ تاريخيَّة مثَّلت سواءَ المثُلِ و الحقيقة و قول الحق و لو أنها لاقت مصائرَها المتشابهةَ من حيثُ النَّتيجةُ، و المختلفةَ من حيثُ الأسلوبُ، طبقاً لعبقريَّة الطُّغاة في كلِّ زمانِ و أوانٍ و مكان مرت بها...
فيكون من جميل تداعياتِ الذّاكرة أن تعود بي روحي الشاعرة، لأتناول فأتصفَّح ديواناً شعريَّاً من مكتبتي لأحد شعرائنا المعاصرين، لأرى رسالته إلى الحلَّاج، وصرخته متقنِّعاً "أبا ذر الغفَّاريَّ"، و قصيدة لآخرَ متمثِّلاً بها "الحسين"، أو نصاً لشاعر ثالث يحاكي محنة السيِّد "المسيح"...
ولعلَّ ما أثَّر بي، أكثر، فكرة أننا نقرأ و ندركُ الحقائقَ و نعيشُها ونراها ونصدِّقُها ، لكننا جيلاً بعد جيلٍ نتجاهلها مع المتجاهلين، بل و نعمل ضدَّها، و نرضى بقشورها، تاركين لبَّها، لتبقى منفية شريدة طريدة عبر العصور...
عودٌ على بدء..
فقد أطلق السُّوريُّون الأوائل على "البعل" "لقب / نعمان/ أي الذي يفيضُ بالنِّعم على بني الانسان، مفسحين لهذا اللقب أن يتجذَّر في الذَّاكرة السُّوريَّة، ليُطلَقَ اسمُ "النُّعمان" على الزَّهر الأحمر اللون و سمَّوه "شقائق النُّعمان"، في إشارة إلى تلك الجروح التي أصيب بها "البعل" أثناء قتاله التِّنِّين...
"بعل" الذي كان يلقب بسيد المطر: "البرقُ يعلنُ مجيئَه، و الرَّعدُ صوتُه، و الغيومُ مركبتُهُ أو حصانُه".. كما نقرأ في قصائد أوغاريت الأسطورية، لينقلني هذا الخيالُ الجامحُ في الأسطورة ،فأهرع إلى ديوان: "شيخُ الغيمِ و عكَّازُهُ الرِّيحُ"، "قميصي الوزَّال، قبَّعتي العصافير" للشاعر السُّوري العبقري، جوزف حرب، و ليكون كلُّ ما جرى معي في هذه السَّاعات المكتظَّة بالرُّوح السُّوريَّة العظيمة، و بخيولها الصَّاهلة إلى المجد أبداً، ليس أبداً من نافل المصادفة التاريخية للقدر السُّوريِّ المحض، الذي لا يفتأ يلدُ و يورث العبقريات و الإبداع و الخلقَ و الإلهام و الخير و المعرفة و الحضارة عبر الأزمان...
السَّلام عليك "بعل" العظيم ، المتجسِّد فكراً و ثقافة و روحاً في كل من يتصدَّى لتنِّين العصر الأكبر، مغذِّياً شقائق النعمان في أرضٍ لا أطهرَ و لا أشرفَ و لا أعزَّ.
الثورة