كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الاغتراب والتغريب.. هل دفعتنا "الحرب" إلى المعاناة من "مألوفياتنا" التقليدية؟ (حديث الثلاثاء "6")

د . بهجت سليمان

1 ما هو "الشّيءُ" الذي ينبغي له أن ينتهي من حياتِنا و لا ينتهي، حيثُ يعفيهِ "الوجوب"؟
و ما هو "الشّيءُ" الذي يجبُ أن نعايشَه باستمرار و لا يكونُ، حيث تغفلُ عنه "الضّرورة" أو تنظر إليه كغُثاءَةٍ سَخيفة تلعبُ بها أمواجُ السّيلِ الجَامد في وجه الحاجات؟
ربّما أنّ هذين السّؤالين يختصران علينا الكثير من الشّعور بمهزلة الحياة عندما تتضخّمُ إلى أن تُصبحَ مأساة مُستحكمة بنا و بأقدارِنا العبثيّة أو التي نخالها، نحن، على هذا الطّراز.

2 في آليّات النّفسِ، فإنّنا نُعايش أضراباً طريفةً و فظيعة من القناعات و اللاقناعات و الضّرورات و الاختيارات الكليلة و الجاحدة أو المظلومة، بمحصّلات لا يمكن لنا أن نرتقب تكوّنها، حتّى نفاجأ بها في اندلاعها من النّتائج النّهائيّة اندلاعاً سُعاريّاً لا يُمكننا فيها التّأثير أو التّغيير، كما لا يُمكننا أن نُعجب بها إعجاب الصّانع بخلقِهِ، أو مُصالحة النّفسِ فيها في تطابقٍ مستحيل ما بين النّشاط و الإنتاج.
مثل هذه "الآليّات" معروفة لأغلبِنا، و لو أنّه لا يُلاحظها، بالتّفصيل و التّحديد، كالحزن و الإحباط و اليأس و الغيرة و الحَسَد و الحبّ و الإعجاب و النّفاق و خداع النّفس و الشّهوة و الرّغبة و العادة و التّعوّد و النِّسيان؛

3 و نُضيف إلى هذه القائمة خبرتَنا للتّشاؤمِ و الاكتئاب و العبث و الحنان و الحنين و الحِداد و الألم مع الغربة و الغرابة، إضافة إلى سطحيّتنا المقرفة مع نداءات مجهولة و غير مفهومة قادمة من الأعماق المتعدّدة فينا و في الأشياء و في الآخرين؛
و هذا كأنّنا في الّلعبة التي تفرض نفسها علينا كواجب في أقصى الجِدّيّة، مع الجِديّة المُهَلَهَلَةِ، التي لا يمكن لنا عيشها إلا في اللعب و الكذب و النّفاق و الاستهتار و استعجال ما نريدُ، خروجاً من وضعٍ ضاغط باستمرار تُرافقه مشاعر الخديعة الوجوديّة الشّاملة، بكل ما فيها و ما في "الّلعب" من قَسوة و عنف و ساديّة (و ربّما مازوشيّة) و حقارة و احتقار.

4 في الحياة، في المسرح العاري، في الإضاءة الرّماديّة الدّائمة، كما هو الأمر في مسرح (بيكيت)، ننتبه في مناسبة ما من المناسبات الغزيرة، أو في كلّ المناسبات، أنّنا في وضعٍ غير "صحيح" أو غير "مقبول"..
و عندما نفكّرُ في التّحوّل أو الانزياح فإنّنا لا نُبارح هذه "الّلامعقوليّة"، و لربّما غَذَذنا السّيرَ نحو وضعٍ مشابهٍ لما نحن عليه، أو لَربّما توقّعنا الألمَ الذي نهرب منه في صورة أفظعَ أو في صورة ناعمة و مخادعة، و ها نحن في النّهايةِ نجد أنّ الباب التّالي قد أفضَى بنا، أيضاً، إلى مشهدِ اختلاط الضّيَاع بالغياب.

5 نعزو إلى أسباب مجهولة أو خارجة عن قدرتنا على التّحكّم بالأحداث، الكثير من المشاكل و المفاعيل التي تدفع بنا إلى المزيد من الاختلاف و التّباين مع المحيط و المحيطين..
و فيما نحن نسترق أسرارَ التّعليل، و بتكرارٍ فاجع، فإنّ الذي يظهر لنا هو أبعد من مجرّد السّطح الذي يكون "الهمّ" فيه إلقاء "الّلوم"، فنجد أنّ قدراً ما قد أضعف كثيراً مفهوم "الصّدفة" حتّى بات أمامه هذا المفهوم شيئاً هزيلاً لا يقوى على النّهوض.

6 إنّ جميع ما تقدّم و ما يذهب إليه أو أبعد، إنّما هو شعورٌ أو مشاعرٌ عمليّة و مباشرة على "غربة" وجوديّة، أصليّة و اجتماعيّة و اقتصاديّة و أخلاقيّة و سياسيّة، من الأفضل أن نميّز فيها ما بين "الاغتراب" و "التّغريب"، بوصفهما التّعبيرين الأنسب و الأقرب إلى "حقائق" الأمور و الوقائع المختلطة..
و يُمكن أن نضيف إليهما ذلك الشّعور الحادّ، و غير المزاجيّ، بواقع مُلتَبَس، يُمكن فيه أن ننظَرَ إلى أنفسنا و كأنّنا أشياء تنفَد على ذاتها و تتجوّف، بقدر ما تُصبح علاقتنا بها علاقة آليّة محضة، خالية من الإثارة و الدّهشة و المتعة النّاجمة عن الاكتشاف..
و ربّما في هذا نحن أقرب إلى أن نكون مستهلكين مستبدّين للمعقوليّة التي تتظاهر بالفهم و التّعوّد و الألفة التي تدمّر ما بيننا من علاقة، نحن و العالم الحنون.

7 الاغتراب:

و الاغتراب هو شعورنا العمليّ بحاجتنا إلى، أو بغصبنا الذّاتيّ على، النّظر إلى مكوّنات البيئة و التّجربة، حولنا، على أنّها ممّا لا يربطنا فيها روابط ضروريّة أو مثاليّة أو واقعيّة و عمليّة نحن بحاجة إليها دائماً لكي نحيى و نستمرّ.
ناقشَ و عالج هذا التّمثّل للعالم الكثير من أصحاب الأفكار و النّظريّات و الفلسفات، و الأدباء و الفنّانون و السّوسيولوجيّون و الأنثروبولوجيّون، بعد أن استطاعت هذه "المشكلة" (الاغتراب) أن تفرض نفسها على التّعاطي الإنسانيّ للواقع و العالم..
و بخاصّة مع انتشار الاهتمام "الحداثيّ" بمفهوم "الإنسانيّة" الذي كان له أثر حاسمٌ في انتقاء أكثر المشاكل انتشاراً في الوعي المعاصر و منها مشكلة "الاغتراب"، و تسليط "الفكر" عليها و الاهتمام الخاصّ.

صوّر الأدب المعاصر "الاغتراب" كوباء حقيقيّ يجتاح "الوجود" في المجتمعات "الحداثيّة"، و هذا ما نشاهده عند (كامو) (1913- 1960م)، و (بيكيت) (1906- 1989م)، و (أوجين يونسكو) (1909- 1994م)، و (جان جينيه) (1910- 1986م)، و (فرانز كافكا) (1883- 1924م)، و (جيمس جويس) (1882- 1941م)..
في ما أظهروه من نماذج أدبيّة و شخصيّات و أماكن و أشكال و أحداث، طرقات و دروب خرافيّة و أسطوريّة و انطباعيّة، لا تُنسى صفاتها و فظاعاتها من التّهتّك و العبثيّة و الّلامبالاة و الشّر و الألم و الشّبق و الانسحاق الرّوحيّ، أمام الأشياء اليوميّة كما أمام شساعة التّناقضات و الانفعالات و المشاعر الحميميّة نحو عوالم من الجحيم؛ فيما تعمّق (كافكا)، دون الجميع، إلى مكان عاش فيه، في أدبه.. "الاغتراب" على أنّه "كابوسٌ" دائم.

جسّد "الاغتراب"، هنا، أجلّ المشاعر و الأحاسيس الإنسانيّة التي تعتلج فينا جميعاً، أو في أغلبنا، في أوقات متفاوتة، أو في كلّ الأوقات، فينا، نخجل من التّعبير عنها لسبب أو لآخر، و نقيم معها التّسويات "الثّقافيّة" و "الشّخصيّة" بواسطة "الكبت" و "الصّمت"، لتتحوّل إلى رواسب في المناطق الكتيمة من "النّفس"، لتغذّي بذلك دوافعنا المعذّبة، فتفتح لنا باباً واسعاً لانفعالاتنا و سلوكاتنا "المشبوهة" و عدوانيّاتنا الجاهزة و غضبيّتنا الحارقة.
و إذا كان "الاغتراب"، في الأصل، هو "النّزوح" عن الوطن، حيث يأخذ، هنا، مفهوم "الغربة" الغائيّة أو الاضطراريّة؛ و في "القاموس" الّلغويّ المعاصر، على أنّه ذلك "الانفصال العقليّ" في "الكائن غير السّويّ"..
فهو في التّصوير "الطّبيعيّ" و "الكونيّ"، ذلك الوضع "المفاجئ" الذي ينتبه إليه المرء، فجأة، ليجد نفسه في "عالم غريب"؛

و هذا ما اعتنت به "الأديان" كافّة و التي نظرت إلى "الاغتراب" بوصفه انحلال أو انفراط "العَقد" (و العِقد) بين الإنسان و الخالق و ضياع "الرّابطة" الأولى التي تكفّلت بالعهود و المواثيق "الأصليّة" بين "الإنسان" و "غايته"، أيّاً كانت، في الوجود، و بين أصله "القديم" الذي فقده بفعل "الخطيئة"، أو بفعل مشروع إلهيّ خاصّ.
فيما نظرت "الفلسفات" إلى "الاغتراب" من وجه آخر؛ فهو عند (أفلاطون) نتيجة لحقيقة التّأمّل الصّحيح بحالة الإنسان ككائنٍ "فقد وعيه بذاته"، فصار غريباً عن هذه "الذّات"، ما قبل "الوجود"، و قد أسهم "الواقع" بتجاوز الكائن الإنسانيّ لغايته أو لأصله أو لمصيره، عن وعي أو عن غير وعي.

و "الاغتراب" عند (هيجل) هو "الانفصال" في أثناء توضّع الرّوح في التّاريخ، و عنده فهو انفصال مؤقّت، تعود، بعدها، الرّوح إلى طبيعتها في التّعيّن الأخير في العالم في "الأشخاص" الذّوات، و في الدّولة التي هي "عقل التّاريخ"، و في "السّياسة" بوصفها "تغريباً للاغتراب" .

منذ ( ماركس ) و ما بعد، فلقد اتّخذ "الاغتراب" أبعاداً اجتماعيّة و سياسيّة، حتّى أنّنا نرى، أن تكون تحت عنوان "التّغريب" و "التّهميش" الإنسانيّ الاجتماعيّ و الطّبقيّ و الاقتصاديّ و الإنسانيّ، بفعل قوانين "المدنيّة" البورجوازيّة، و ما بعد "الفلّاحيّة" (الإقطاعيّة)، و قوانين البضاعة و النّقد و السّوق..
و على ذلك، أو على ما يُشبهه، جرى، أيضاً، علماء الاجتماع بشكل خاصّ.

8 التّغريب:

إذا كان "الاغتراب" هو نتيجة لدفع "الإنسان" منذ الولادة إلى "عالم" غريب، بأمر مهمّة مبهم، غامض و مختزل، صادر عن قوى غيبيّة، موضوعيّة و مجهولة، مع الميلاد..
فإنّ "التّغريب"، على العكس تماماً، فإنّه من صنع "الإنسان" إزاء "الإنسان"..
و حيث سنستعرض، الآن، و بسرعة، أراءً لمختلفين، في "الاغتراب"، فإنّنا، هنا، نعني، بالضّبط، "التّغريب" القسريّ، الذّاتيّ، النّاجم عن "موضوعيّات" حقيقيّة أو مزيّفة، و ذلك بمعزل عن الموضوعيّة الكونيّة التي تسبّبت بِ"الاغتراب"، على ما فصّلنا و فصَلنا "الاغتراب" عن "التّغريب".

نزى (هوبز) و (لوك) و (روسّو)، و بشكل أقلّ و مختلف (مونتسكيو)، إلى "الاغتراب" بوصفه تضحية للحقوق الطّبيعيّة جرّاء "العقد الاجتماعيّ" الذي أبرمه "الفرد" مع "المجتمع" و مع "الدّولة"؛ فيما كان (مونتسكيو)، بخاصّة، قد نظر إلى تخلّي الفرد عن "حقوقه الطّبيعيّة"، مرغماً، نتيجة قوّة "الدّولة"، و ذلك من باب اختلاف نظرته في قيام الدّولة كظاهرة احتكار للعنف و القوّة، على عكس (هوبز) و (لوك) و (روسو)، الذين نظروا إلى قيام "الدّولة" نتيجة لعقد اجتماعيّ بين "الأفراد" و "الدّولة".

ينظر (ماركس) إلى الأمر من زاوية اقتصاديّة – اجتماعيّة، فيرىأن "الاغتراب" هو سلبٌ للحرّية مصحوب بعلاقات الإنتاج الرّأسماليّة السّائدة، و هو، على الحصر، ذلك التّناقض و التّعارض الذي يعيشه "الإنسان" (البروليتاريا) ما بين "قوّة الإنتاج" العموميّة، و "ملكيّة وسائل الإنتاج"، الخاصّة، و "الملكيّة الخاصّة" للعمل..
و هذا الوضع لا حلّ له إلّا بالانقلاب على "علاقات الإنتاج" بما فيها الملكيّة الخاصّة لوسائل الإنتاج.

و أمّا عند (فرويد)، طبيب و عالم "التّحليل النّفسيّ"، فإنّ "الاغتراب" يأخذ مفهوم "العُصاب" و لو أنّه لا يُصنَّف، اجتماعيّاً، هكذا، هذا العصاب النّاجم عن هواجس فُصاميّة ناجمة عن صراع "الأنا" و "الهو" من جانب، و صراع "الأنا" مع "الأنا الأعلى" (القواعد و الأخلاق) من جانب آخر..
و حيث كلّ منّا يعيش، بالضّرورة، هذه الأوضاع، فإنّه من النّادر أن يكون شخص، في العالم، لا يُعاني هذه الأعراض الفُصاميّة، المتجسّدة سرّاً في "اغتراب" اكتئابيّ.. للتّحليل النّفسيّ، فقط، أن يكتشفه و أن يُحلّله و ينسبه إلى تعليله الوحيد.

و المفهوم "الوجوديّ" العامّ لِ"الاغتراب"، عند كلّ من (كيركيغارد)، و (هايدغر)، و (كارل ياسبرز)، و (جان بول سارتر)، هو أشهر من أن يُختصَر بكلمات قليلة في هذا السّياق..
حيث "الاغتراب" وضع طبيعيّ و "ضروريّ" في عالم فاقد "الغاية" و الهدف و المعنى و المدلول، و "لا معقول"؛ و لو أنّ هذا "العالم"، عند (ياسبرز)، بخاصّة، هو الينبوع الذي لا ينضب عن توليده الدّوافع المتوالية نحو "التّفلسف".

و كان السّوسيولوجيّ (ماكس فيبر) قد ربط "الاغتراب" بالعقلنة الرّأسماليّة المعاصرة التي أتتْ على "العلاقات الاجتماعيّة" الطّبيعيّة..
فيما رأى (هابرماس)، و من المنطلق ذاته، أنّ "التّكنولوجيا" المعاصرة ظاهرة صحيّة و تكاد تقوم مقام "الطّبيعة".
ينظر (إيريك فروم)، على خطى (ماركس)، إلى "الاغتراب" بوصفه "اغتراباً" شاملاً في المجتمع المعاصر، فهو "اغتراب" في "علاقات الفرد من الآخرين" نتيجة لتدمير "الرّأسماليّة" للمجتمعات و أخلاقها و قيمها، و هو "اغتراب" العمل عن ناتجه، و هو، أيضاً، "اغتراب" المستهلك عن السّلعة في عمليّة "الاستهلاك"، بالذّات..
و واضح تأثير (ماركس) الفلسفيّ الاقتصاديّ على هذا "الرّأي"، و الذي لا يُنكره (فروم)، كما لا يُنكر أنّه أحد أهمّ المريدين المتحمّسين لفكر (كارل ماركس).

هذا هو "التّغريب" الجسديّ و النّفسيّ القهريّ و الذّاتيّ، و أعني المطبّق على "الذّات" من "ذوات" مشابهة إنسانيّاً، إذاً، و الملاصق لِ"الاغتراب" الرّوحيّ الموضوعيّ الخالص في تجرّده و غاياته غير المعلومة.
و إذا كان "الاغتراب" (و "التّغريب") يستدعي مفهوم "الألفة" و "المألوفيّة"، كنقيض له، فماذا عن "الظّروف" المتمادية في اختلاطاتها، ما بين "الموضوعيّة" و "الذّاتيّة"، في ظروفٍ تتفاقم علينا، كسوريين، في هذه الحرب؟

9 "الاغتراب" و "المألوفيّة":

إذا كان عكس "الاغتراب" هو "الأُلفة" أو "المألوفيّة"، فإنّ الظّروف "الموضوعيّة" النّسبيّة، السّياسيّة و الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و الأخلاقيّة، الشّاذّة أو المستجدّة أو المفاجئة أو الصّاعقة، كلّها ممّا يزيد في "الاغتراب" و "التّغريب" كما حدّدناهما، و يجعل "المألوفيّة" في قلقٍ وجوديّ غريبٍ و عميق و ليس له قرار و ليس منه بدّ.

لقد أنتجتْ الحرب السّوريّة (الحرب على سورية)، واقعاً شديد الإذهال و الذّهول من فصاحة العُرِيِّ الذي دخلت فيه "العلاقات" العامّة و الخاصّة، فكانت أن قسمتْ البلد إلى صنفين أساسيين..
واحد منهم شاسع و شامل و غفير، و هو "النّاس" العاديين الذي لم ينخرطوا في استثمار الحرب و جعلها مناسبة للتّرزّق و السّرقة و الفساد..
و الثّاني منهم ضيّق و محدود و مستبدّ و ظالم و قاهر و لئيم و جشع و مسعور، في استثمار الدّم و مقايضته بالثّراءات الحديثة أو المستحدثة، و التي لم تفرّق بين "ساكنٍ" عاديّ، وضيع الأصل و وضيع الحالة الاجتماعيّة، و بين "ساكنٍ" غير عاديّ هو من "عليّة القوم"، كما يُقال، في الدّولة و الحكومة و الشّأت العامّ.

حذفت الحرب، و ما نجم عنها من منظومة جديدة للعلاقات، كلّ "مألوفيّة" تاريخيّة و كلّ "أُلفة" اجتماعيّة، و ذلك مهما كان منشؤهما، و استبدلت بهما واقعاً جديداً شديد "الغربة" دخل فيه "المواطن" العامّ و الخاصّ في تجربة "اغترابيّة" جديدة، ليس لها سابقة في تاريخ المجتمعات و ألأفراد و الدّول..
و عندما ينشأ هذا "الواقع" من تناقضات حدّيّة أخيرة أو شبه أخيرة، فإنّ "الاغتراب" و "التّغريب"، هنا، يندمجان في صورة مفزعة من صور الخوف البشريّ و الهلع الإنسانيّ الذي طُبّق على الكثيرين، تطبيقاً غير انتقائيّ، في حالة من حالات اليأس العميق و الشّامل من مستقبل ظروف الحر ب و السّلام في وقت واحد..
و يغدو، مع ذلك، كلّ مستقبل لكلّ شخص مهدّداً تهديداً مباشراً و مُعاشاً بانتظار "الأسوأ" و "الأعظم" و "الأفظع"، كلّ يوم، بل كلّ لحظة.

إنّ "الإشكاليّة" التي يعيشها "المواطن" السّوريّ، اليوم، هي ليست إشكاليّة التّناقض بين "المألوفيّة" السّابقة على الحرب، و بين "الاغتراب" القسريّ و الموضوعيّ الخالص الذي تسبّبه الحرب..
و لكنّ "الإشكاليّة" التي تتضمّن المشاكل العديدة و التّحدّيات المريرة، هي في التّبدّد "الاجتماعيّ" و "الاقتصاديّ" و "السّياسيّ"، على أيدي حفنة من الأشخاص الذين وضعوا قدماً في البلد، و قدماً خارج البلد..
و هم، في الوقت نفسه، يأخذون أدواراً أساسيّة و جوهريّة في صياغة مستقبل النّظام الاجتماعيّ و النّظام السّياسيّ و الدّولة و المجتمع و مصير الأفراد الذّرّيّين المنتشرين الهائمين على وجوههم و أخلاقهم و ذكرياتهم، من أيّام الكرامة و المواطنيّة المفقودة و مشاعر الوطنيّة المُكلفة فقداناً و دماء و جوعاً و خوفاً، و ذلك حتّى درجة الإحباط كوجه لغويّ مخفّف عن "اليأس".

تجاوزت الظّواهر في سورية ذلك التّفاقم للخلاف و الاختلاف ما بين "المألوفيّة" و "التّغريب"، بقرارات فرديّة " تعسفيّة" و "مستبدّة"، حتّى دخلنا، فعلاً، حالة من حالات "مجتمع الغربة و الاغتراب" الذي لا يوازيه في "الأساطير" و "اليوتوبيات" التّاريخيّة، نموذج أو تقليد أو مثال..

و إلى أن "نقف" بجدّ في مواجهة هذا الواقع، فلا مانع من التّأمّل بمزيدٍ من اليقظة و الصّراحة و المعرفة في ما يُمكن أن يُفهمَ ممّا قيل أو ممّا لم يُقل، أو ممّا لا يُقال.

***

فعقّب المهندس والشاعر ياسين الرزوق زيوس, بما يلي:

● ردود الأربعاء ●أ ياسين الرزوق1

في الاغتراب و التغريب يغدو حديثك فسحتنا إلى حيث ندرك اغترابنا لا تغريبتنا لأننا لن نؤمن بالتغريبة ما دام اغترابنا قضيتنا في وجودنا الراسخ لا في تغريبتنا المنفية..

مذ دارت عجلة التاريخ لم نُنف من غيرنا بقدر ما نفتنا تحليلاتنا النقلية لا العقلية و استراتيجياتنا المتناقلة مشاعياً دونما تركيز لا استراتيجياتنا المترسخة ذهنياً و فكرياً بكلّ تركيز في مدانا الحضري المدني الذي لم يبق ابن خلدون في زاويته الضيقة بل أطلقه من عمق البوادي و الصحارى إلى تنافذ النوادي الفكرية و الثقافية و التحليلية بعد هدّ سقف المشاع على رؤوس المشاعيين لا كي يموتوا في تغريبتهم بل كي يتلاقوا باغترابهم في كلّ المناحي الوطنية التي غدت سيرة العالم المتحضر المتمدن و هي تنبذ بل و تنسف كل سور القطيع و كل آيات التبعية المقدسة!

و عليه:

١) الاغتراب يغدو بنية تنفينا في بنى أخرى عندما نضيع في متاهات وجودنا و نحن نبحث عن لبنات استمرارنا في بناء يقينا عواصف العراء و مذلة السؤال الذي لا يعرف من الجوع توقنا إلى القناعة بالشبع المنطلق من منهجية إعداد قائمة الجوعى و ما يناسبهم لأن من لا يعترف بجوعه إلى ما يشتهيه لن يدرك وجوده بقدر ما سيضمحل بضياع شهواته قبل تكريسه في مثقالها الذي لا ينطلق من آية..
فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرة شرّاً يره بل من فكرة خذ خبز وجودك و أكمل في صحرائك تعرقك المنجي بعيداً عن أعراق آل سعود وصحرائهم في الربع و الثلث و النصف و ما بعدهم كي لا تختنق بطهرك و أنت في طريق تجاوز الخساسة التي لن تتجاوزها بالعطور بل بانقراص فقرات الركود و الانهزام و الاستسلام بين السطور.

٢) في ظروف التماهي التي تجعل من الفقر جوعنا إليه و من الغنى جوعنا إلى مسببات هذه الظروف لا نقبل بمقولة الغنى في الغربة وطن و الفقر في الوطن غربة لأننا لن نجعل من الوطن تغريبتنا المنفية و لن نصدق ذلك و لن نراهن عليه مهما اغتربنا بوجداننا حيث نبحث عن أقلامنا و صحفنا التي جفت لترفع و رفعت كي تعيد تعبئة العالم بما تقتضيه أروقة النور و تبريرات الظلام!...

٣) المألوفية لم تبدأ بعد متخطيةً فلاسفة القرون المتعاقبة في حجر هوبز و في ما بعد حداثة الباحثين عن هيدجر في صرخات الماركسية و الرأسمالية.
فمن مات دونما تآلف مع المألوف يدرك حكماً أن حياته لن ترضى بمألوفٍ قهر ألفته قبل ألفتنا كي نألف لا ألفةً من نوع يريدونه مألوفاً بكل مسوخه و تشوهاته..

٤) انجراف الأبعاد في زمن موشوري المرايا لن يخرجنا من شظايا ما يحجزنا عن الوصول إلى مألوفيتنا باغترابنا هذا إذا ما اقتنعنا أن المألوفية ليست تغريبة تشتهينا خارج حدود الزمان و المكان!

٥) ليست المألوفية بعداً لاهوتياً سادساً أو ركناً دينياً لا استغناء عنه بل هي تقليب النيات بالفرضيات حتى نحاول الوصول إلى ألفتها بتأليف نظرتنا الموضوعية المحيطة بكلّ المتغيرات التي لا فرار منها إلا إلى تقلبات المجتمع القطيعي غير المحسوبة في ظلّ طيّ الاغتراب و إخفاء مفاهيمه الموجزة و التفصيلية!

٦) إذا ما ألفنا كلّ شيء لا معنى لاغترابنا في دوامات اللاشيء و إذا ما صار اللاشيء هو اغترابنا عن كلّ شيء لن نألف التغيير بعد سريان جعله في زوابع هاروت و ماروت.

لنا بحديثك أن نرتقي في جولة الوجود الابدية دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني