من تراث الدكتور الشهيد عبد الرحمن الشهبندر: (الرأي العام الناضج)
ألقى الشهيد النهضوي الدكتور عبد الرحمن الشهبندر (1879- 1940) محاضرة, في دار نقابة الموظفين, ونشرتها مجلة "الهلال" المصرية عام 1932, بعنوان "الرأي العام الناضج), ننشر منها في فينكس المقتطفات التالية:
وللرأي العام علينا فضل لا يحصيه حسابنا ولا يستوعبه اصطلاحنا, لأن أوضاعنا الخلقية وعاداتنا الاجتماعية قد اتخذت شكلها الثابت بمطرقته, فنحن نجل الصدق مثلاً لأن الرأي العام يحتقر الكذابين, ونحب الصراحة لن الرأي العام يكره المواربين, ونستعظم الاستقامة لأن الرأي العام يستصغر المعوجين, ونقدّس الوطنية لأن الرأي العام يستقذر الخائنين.
وقصارى القول, إن الرأي العام هو العامل الذي أوجد فينا هذا الوجدان الرقيق الفاصل بين الحق والباطل, والذي حارت في تعليله كتب الآوائل والآواخر, وحيثما ارتفع الرأي العام أو انحط ارتفع الوجدان أو انحط أيضاً.
ولنضرب على ذلك مثلاً من أهل جزائر (فيجي) في المحيط الهادي, فانحطاط الرأي العام في مجتمعهم كاد يذهب بالوجدان في أفرادهم, فهم يعدون السرقة نجاحاً والغدر فخراً والقتل فلاحاً, وأول درس يلقنونه أطفالهم أن يصفع هؤلاء أمهاتهم. وهم يقتلون المرضى والمقعدين, وإذا مات أمير من أمرائهم دفنوا معه نساءه وعبيده وجواريه أحياء. وإذ أنزلوا إلى البحر قارباً دشنوه بذبح عدد من من خدامهم. ورثى والد ولده فقال على قبره مادحاً ومؤنباً: "إنه ولد لو أغضبته نساؤه لقتلهن ثم لأكلهن". فنعم الولد ونعم الوالد؟ وقطع (طانوا) أحد أمرائهم, ذراع ابن عم له وشرب دمه ثم طبخ الذراع وأكلها في حضرة صاحبه, وبعد ذلك أجهز عليه وقطعه إرباً ارباً. وآلهتهم مثلهم بأخلاقهم وكأنهم قدوا من أديم واحد. فمن الألقاب التي يطلقونها على هؤلاء الآلهة, قولهم: "القاتل" "الزاني" "السارق" "آكل الدماغ" "باقر البطن" وغير ذلك من الأوصاف المستهجنة في مجتمعنا المستحسنة في مجتمعهم, حتى كاد أحد السياح من النصارى يؤمن بتحريف (فولتير) لآية في الكتاب المقدس مشهورة يوم قال: "وخلق الله آدم على صورته" يجعل أبي البشر فاعلاً لا مفعولاً.
ويمكننا أن نعرّف الدعاية بأنها طريقة اقناعية يخاطب بها الناس على قدر عقولهم, فالبدوي الذي يرعى الابل يحتاج الى لغة في التفاهم غير اللغة المستعملة في المجالس العالية والمدارس الجامعة, والدعاية الرائجة هي مقياس مضبوط لعقلية الأمة. وقد رأيتُ بعيني ولمستُ بيدي التدرج الذي تمّ في سورية زمن السلطان عبد الحميد الى اليوم, ودلّ هذا التدرج على تغير في الذهنية مقياسه نوع الدعاية المنتشرة بين الأهلين.
فقد ابتدأنا حيث كان رجال الاصلاح منا أمثال المرحوم الشيخ طاهر الجزائري يرمون بالالحاد وبحب الحرية وعداء أمير المؤمنين. ثم جاء الدستور فانقلبت الآية وصارت الدعاية الرائجة على الأعداء الاتهام بالتعصب والاستمساك بالرجعي وبالاخلاص للسلطان المخلوع, ثم هبت الفتنة العنصرية أثارها فتيان الاتحاد والترقي, فصارت الدعوة بالفلان وبالفلان. وجاءت الحرب العامة (الحرب العالمية الأولى 1914) فتجددت الدعوة الى الخلافة والجامعة الاسلامية, ارضاء للإلمان, وذهب فتيان العرب الى المشانق بحجة الانتفاض على الخلافة, ولكن الترك أنفسهم بعد ثماني سنوات ألغوا الخلافة وطردوا الخليفة وآل بيته ثم شنقوا أنصاره؟ وفي نهاية الحرب العامّة أتيح لنا أن نؤلّف حكومة عربية وطنية في دمشق, فكان الرجل الذي أريد اتهامه واثارة الحفائظ عليه أن يقال عنه انه مشرك, وعقيب هذه الحرية التي نبهت الأذهان, وهذا الاستقلال الذي أحيا النفوس جرد الفرنسويون على سورية حملة بقيادة الجنرال غورو, وأعدوا لها من الدعاية بالرخاء وغلاء ثمن الأرضين وإزالة الضرائب عن الكاهل ماعاد بالخيبة على مثيريها عندما حق الحق وانكشف الصبح لذي عينين. لكن الجواسيس في دور الاحتلال أخذوا يتهمون الناس بحبهم للعربية وانتصارهم للاستقلال حتى خاف رئيس بلدية دمشق أن يدعو اللغة العربية عربية فدعاها اللغة السورية.
وربما عادت الدعاية الكاذبة على مثيريها بأقبح النتائج, حتى إذا هم أرادوا أن ينطقوا بالصدق توقف الناس عن سماع حديثهم. فقد حدث إبّان الحرب العامة أن أشاع اللورد سالسبوري وهو ابن المركيز روبرت سالسبوري السياسي الانجليزي المشهور أن الالمان ألجأتهم الحاجة إلى استخراج الدهن من جثث قتلاهم, فعاتبه الكونت هرتلنج رئيس الوزارة الالمانية على هذه الفرية عتاباً مرّاً, وقال إن رجلاً مثله تربى في أحضان والده الكبير واطلع على الشؤون الخارجية لا يليق به أن يتجاهل آداب أمة في جوار انكلترا وتمتُ إليها بالنسب, وإنها لأرفع من أن تهين جثث أبطال لها ماتوا في ساحة الشرف للدفاع عن مهد الآباء والجدود. وقد أتى هذا الردّ صدمة عنيفة على جميع ذلك التنظيم الذي أحكمته الأيدي في الدعاية على المانيا.
ثم إن الحلفاء صرفوا جهود الجبابرة لاقناع العالم بأن جريمة الحرب عالقة برقبة المانيا وحدها, لكن المؤرخين والسياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين لم يقبلوا هذا الكلام على علاته ولا هذا الاطلاق من غير تقييد. فدرسوا وبوبوا وقسموا وقابلوا واستقرأوا واستنتجوا, فتبين لهم ان دولة الصرب لم تكن تجهل المؤامرة على الارشيدوق فرانس ولي عهد النمسا, ولا السفارة الروسية في بلغراد بمعزل عن المجرمين, وأن للمسيو بونكاره في زيارته لبطرسبورج قبل الحرب من الأعمال والأقوال المعروفة ما يجعله مؤآخذاً أمام التاريخ وأن... وأن... وأن.. مما لا يتسع له هذا المقام.
ومما يهمني أن ألفت الأنظار إليه أن الشأن في الانقلابات للعقيدة لا للحقيقة. فكم حدثت في الدنيا مجازر تعدها اليوم في منتهى السخافة, ونعلم يقيناً أنها لا تتفق والواقع, بل نعلم أن بعضها كان افكاً وتزويراً. ويبيح كثير من رجال السياسة الدعاية الكاذبة لاجتياز الأزمات كما قلنا, وللمرور على الجسور. لكن أجل هذه الدعايات محدود وحبلها قصير, وعندما ينكشف الغبار وتزول الغشاوة لا يصح غير قول ابراهيم لنكلن رئيس الولايات المتحدة: "تستطيعون أن تخدعوا كل الناس بعض الزمن, وتستطيعون أن تخدعوا بعض الناس كل الزمن, ولكنكم لن تستطيعوا أن تخدعوا كل الناس كل الزمن".
ومن الدعايات الكاذبة التي يبثها في الشرق حماة الاستعمار قولهم "عبء الرجل الأبيض" كأن الله بعثهم لاصلاح الأخلاق وتطهير الأعراق كما بعث الرسل من قبلهم. وقولهم "حقوق الأقليات" ووجوب الدفاع عنها أكثر من الأقليات نفسها, وقولهم "حماية الكثلكة في الشرق" حتى إذا سئل زعيم من زعمائهم ما بالكم تضطهدون رجال الاكليروس في بلادكم وتؤيدونهم في الخارج أجاب "هذه بضاعة برسم التصدير", وأما عصبة الأمم, وما أدراك ما عصبة الأمم, فهي ثالثة الآثافي ورمز السياسة الأوربية الحاضرة والسجل الشرعي الذي تدوّن فيه أعمال المستعمرين.
و لايتمّ الرأي العام الناضج إلّا على أيدي الطبقة المختارة وبإرشادها, فهي قوة غائية لتنوير الشعب في الاقتصاد والسياسة والعلم والفن والدين, وأهم من ذلك كله أن تربي الأمة أخلاقياً وتفهمها أن مصيرها بيدها, وأن آخرتها تتعلق بالرأي العام الصحيح الناضج الذي عليه محور أعمالها.