كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل نحن نفكّر من خلال "الواقع"؟.. أم أنّ "الواقعيّ" هو وليد الفكر؟ (حديث الثلاثاء- 8)

كتب الدكتور بهجت سليمان

      1 واضح أنّ هذا "السّؤال" هو سؤال تقليديّ في الفكر و الفلسفة و الاجتماع و السّياسة، و هو سؤالٌ قديمٌ و جديدٌ، و كان آخر من صاغه صياغة جدّيّة، بالنّسبة إلى الوعي الاجتماعيّ المعرفيّ (سوسيولوجيا المعرفة)، عالم الاجتماع اليهوديّ الهنغاريّ، و السّوسيولوجيّ المعرفيّ (كارل مانهايم) (1893- 1947م)، وراء (كارل ماركس)(1818- 1883م) في طرحه للسّؤال الفلسفيّ "الأساسيّ"، حول ما إذا كان الوعي سابقاً على المادّة أم أنّ المادّة هي التي تسبق الوعي.      

من الطّبيعيّ تماماً أن يبقى هذا السّؤال يتكرّر بين عصر و عصر، و بين مفكّر و مفكّر، أو بين مدرسة فكريّة أو فلسفيّة و أخرى، نظراً لما يُخفيه من أسرار واقعيّة و كونيّة و اجتماعيّة و سياسيّة و إنسانيّة واسعة، كسؤال تختلف براءته بحسب السّائلين؛       

بالإضافة إلى ما يُخفيه الطّابع المعقّد و المتباين للمعرفة بحسب من ينظر إليها و إلى دورها التّاريخيّ، و موقعه بالنّسبة إلى الطّبقات و الفئات الاجتماعيّة و تمثيله للمؤسّسة السّياسيّة.. و مصلحته و رغبته، و موضوعيّته، أو العكس؛ و كذلك بالنّسبة إلى ما يمكن أن يتناقض فيه الفهم لما يُسمّى "الواقع" في حدوده و مشتملاته.

      2 بكلام آخر: هل أنّ الأوضاع الاجتماعيّة هي التي تحتّم علينا فكرنا، أو أفكارنا، و معرفتنا بالأشياء؛ أم أنّ ثمّة ما هو من الحقائق الأولى التي تلخّص معرفتنا بالأشياء، بغضّ النّظر عن الأوضاع الاجتماعيّة و شروط الواقع و التّاريخ؟ في الحقيقة، فإنّ الجواب على هذا السّؤال، هو جوابٌ مُربكٌ بالنّسبة إلى الذين لا يتأمّلون العالم باستمرار؛
و فيه من الإرباك ما يدعوهم إلى تجاوزه المبدئيّ طالما أنّ الحياة العمليّة علّمتهم عدم أهمّيّة الإجابة على سؤالٍ، لا يُطرح إلّا في مناسبات الفكر الأكثر تخصّصيّة و احترافاً، بوصفه رسالة دنيويّة و ميتافيزيقيّة مرتبطة بغاية أو غايات، تحتّم ضرورة التّمييز في مبدئيّة الوعي كأثر مباشر، يَنُدّ عن العقل و يتعزّز في المواقف الكبرى للفعل و السّلوك.

      3 لا يخفى على الفاعلين الفكريين و الفلسفيين و السّاسةِ القادةِ في التّاريخ، أن مسألة الإجابة على "السّؤال" المطروح، هي أبعد من أن تكون قضيّة ظرفيّة أو عمليّة خالصة..       

إذ تحدّد تلك الإجابة، و تتطلّب، موقفاً أخلاقيّاً يرتّب واجباتٍ عليها، على اعتبارها "الإجابة" التي تحدّد إطار المسؤوليّات التي تفرض قناعات محدّدة، تشكّل أساس الشّأن الخاصّ، و بخاصّة منه ذلك المرتبط ارتباطاً عمليّاً و نظريّاً صريحاً بما يُسمّى "الشّأن العامّ".       

لم يكن "السّؤال" عينه بهذه الأهمّيّة، لولا أنّه ما فتئ يتكرّرُ، ضمناً أو صراحة، بين أيدي المشتغلين بالفلسفة و السّياسة و الفكر و الاجتماع، و يفرض نفسه على طرائق التّفكير الأكثر قيمة و جدّيّة، أو الأكثر خبثاً أو الأكثر براءة، حيث يتشابه الجميع، هنا، في الغايات القصوى للسّؤال، تلك التي من شأنها أن تتيح معرفة أكبر، و إذ كلّ معرفة هي معرفة بشيءٍ و هي، أيضاً، معرفة من أجل شيء؛

      4 و على هذا الأساس، فقط، فإنّه يحقّ لكلّ صاحب أطروحة على العالم أن يسلك عبر منظومته التّفكيريّة الجواب الذي يراه مناسباً، و بطريقته التي تختلف عن طرائق الآخرين، لعلّه يُضيفُ شيئاً إلى مشروع الإجابة على السّؤال، لأنّه جوابٌ ممتدّ و سيبقى كذلك ممتدّاً، طالما بقي العقل الإنسانيّ يواجه إبهامات هذا العالم التي تطرح نفسها كأسئلة واجبة الالتزام و الإجابة و التّحديد.

      5 لا يخلو التّقرير بهذا الصّدد من مغامرة صريحة، إذ كيف للعقل الإنسانيّ أن يُقرّر بشأن أمر هو من نتاجه، سواءٌ أكان جوابنا على "السّؤال" هو أنّنا نفكّر من خلال تجربتنا مع الواقع، أم أنّنا نفكّر، بدرجة ما، من خلال أوّليّة تجعل من الواقع منتوجاً فكريّاً على نحو من الأنحاء..       

و يرتبط بهذا الأمر شأنُ ما إذا كنّا، أوّلاً و قبل كلّ شيء، متفقين على مبدأ الواقع نفسه و حدوده و محتوياته و محدّداته النّظريّة أو العمليّة، و مدى ارتباطاتنا بهذا "الواقع".       

فالأسئلة موزّعة في "الذّات" و "الموضوع"، بقدر شبه متساوٍ إن لم يكن متساوياً فعلاً، بحيث يكون علينا أن ننظر بجدّيّة إلى جانبيّ هذا الوضع، الذي هو أعقد ممّا يبدو لأوّل وهلة على ما قد طُرحَ فيه حتّى الآن.

       6 ماهي "الذّات"؟           

و ماهو "الموضوع"؟           

و ماهو "الواقع"؟           

و ماهو "الوعي"؟
           و هل تتقدّم "الذّات" على "الموضوع"، في الوعي، أم أنّ الموضوع يسبق "الذّات" في إطار التمثّلات المختلفة الجزئيّة و الشّاملة؟           

و ماهي النّتائج المترتّبة على كلا الموقفين من "العالَم"؟

      7 هذه هي الأسئلة التي تنبثق عن "السّؤال الأساسيّ" الذي طرح، و ما زال يُطرح، في رأينا، على عجل من الدّقّة التي يتطلّبها بحث مثل هذه المواضيع الكلّيّة ذات الإشكاليّات الدّائمة، و لو على طريقة جديدة ليس للعلم، بعدُ، عهدٌ بها أو اهتمام على هذه الدّرجة من "الموضوعيّة" الموجبة ، لتكرار التّأمّل في أصول و مضامين "المفاهيم" و "المقولات" .

                ● "ماهي الذّات؟":

      8 من المبتذل أن نعرّف "الذّات" بصيغة المتكلّم على أنّها "الأنا" بالمفهوم السيكولوجي، إذ أنّ هذا المفهوم، بذاته، يتطلّب المزيد من الإيضاح و الشّرح و التّعريف، حيث تبدو "الذّات" لصاحبها على أنّها نتاجٌ معقّدٌ جدّاً، لما يقتضيه التّركيب الهائل لهذه الواقعة النّفسيّة المتبدّلة باستمرار، في مشروطيّتها، بما هو خارجٌ عنها أو بعيد منها، مع عدم أخذنا، مبدئيّاً، بنتائج هذا الأمر من حيث أنّ "الذّات" أو "الأنا" هي وليدة ظروف خارجيّة عليها و حسب.       

إنّ أفضل الأجوبة على هذا السّؤال، "ماهي الذّات؟"، هو ذلك الجواب الفلسفيّ الذي يُدخِلُ هذه الواقعة المركّبة في إطار "الميتافيزيقا"، من جهة أنّ كلّ "فلسفة" يمكن أن نسمّيها "ميتافيزيقا" لارتباطها بعوالم تتجاوز "الواقع" الإدراكيّ الذي تتناوله الأحاسيس من معطيات مستقلّة و منفصلة عن الوعي الإنشائيّ، الذي يضطلع به الفكر كمُنتج للعقل الإنسانيّ، غير محسوم القرار فيما إذا كان منفصلاً، فعلاً، عن "الذّات"، أو يتّصل بها في صورة من الصّور.

      9 فالذّات، إذاً، واقع شخصيٌّ و غير شخصيّ، مبهم و غامض، بوصفها إحدى النّتائج "الكلّيّة" التي تنظر إليها "النّفس" بِقُصورٍ و نقصٍ و عجز عن تمام الإدراك الذي يُحدّدها على التّمايز و التّمييز..       

فأنت، على هذا الأساس، أمام كائنٍ تُسلّمُ باستقلاليّته، و لكن من دون أن تُدرك أيّة كيفيّة أو وجه لهذا "الاستقلال"..
  و هو ما يجعلك تعاصر، في الوقت نفسه، السّؤال على "الموضوع" الذي يشغل "الذّات" من حيث هو موضوع كلّيّ الارتباط بهذه "الذّات".

                ● "ماهو الموضوع؟":

10 ربّما كانَ أعمق تعريف أو شرح أو تفسير للموضوع، هو أنّه ذلك الجزء الذي نجهله من الذّات نفسها، و ليس ذلك الشّيءَ المنفصل عن "الذّات"، إذ أنّنا لا يُمكننا، و لا بأيّة وسيلة، أن نفصل "الذّات" عن "الموضوع" إلّا من حيث أنّ كليهما، بحكم "الواقع" الغائب عن إدراكاتنا اليقينيّة، يثويان في "منطقة" أو "مكان" من "الواقع" ليس بإمكاننا تحديدها تحديداً شافياً على الوضوح أو الملموسيّة أو المعرفة بالأبعاد.

      11 على أيّة حال، و بفعل "الموجوديّة" أو "الوجوديّة"، فإنّ كلّاً من "الذّات" و "الموضوع"، هما أمران نستطيع الجزم بالمطلق على أنّهما أمران واقعيّان أو أنّهما جزء من "الواقع" بعينه، طالما أنّنا نستطيع، أحياناً، أو غالباً، أن نحفَّ حفّاً بحدود "الذّات" أو "الموضوع"، في مناسبات هي أقربُ إلى العجز أو "السّلب" أكثر ممّا هي قريبة من القبض عليها باستطالات الوعي و المعقوليّة، و لكنْ على أنّها لا تخرج، في كلّ الأحوال، عن "العقلانيّة" التي أتاحت لنا هذا الفرز النّظريّ بين "الذّات" و "الموضوع".

      12 في "الواقع" الذي يضمّ إليه كِلا "الذّات" و "الموضوع" و يتجاوزهما، بطبيعة الحال، ثمّة ما هو عليه أن يكون - و هو كذلك بالفعل - مادّة للكثير من الأفكار و المكتشفات التي تتراوح بين ما هو محالٌ على "المعرفة"، و بين ما هو صعبٌ عليها، و بين ما هو ممنوع عليها، بحكم الاحتكار الإنسانيّ لنتائج الكثير من الفروض العمليّة، التي تُعَدُّ إنتاجات إنسانيّة خاصّة وفق مبادئ خاصّة و غير معمّمة و غير مباحة للجميع.       

إنّ العلاقة بين "الذّات" و "الموضوع" هي أكثر من علاقة بين "الأنا" و "الآخر"، و هذا إذا سلّمنا بصحّة الفرضيّات التّقليديّة القاصرة و التي تُعِدُّ "الذّات" حكراً على "الأنا" بينما تُدرِجُ في إطار "الموضوع".. "الآخرَ" الذي هو، وفق هذا التّقليد الفكريّ البائس، موضوعٌ بالنّسبة إلى "الأنا" و وسطٌ طبيعيّ لحركة "الأنا" في العالم..
       و لقد بني على هذه النّظرة الفلسفيّة إلى "الإنسانيّة" الكثير من الأفكار المتطرّفة التي نظرت إلى "الآخر" كعدوٍ للأنا، أو على الأقلّ كموضوع مجرّد لها يمكن أن ينظرَ إليه، كعقبة دون تحقيق "الذّات" في حصرها في "الأنا" المجرّد خالص الاستقلال.

                 ● "ماهو الواقع؟":

      13 ضاقت الفكرة التّقليديّة على "الواقع" بشدّة بحسب ما سُمّي بالفلسفات "المادّيّة" التي نظرت إلى "العالم" نظرة ضيّقة تكاد لا تتجاوز الملموسات بالأحاسيس، و أثر هذه الأحاسيس على مدركات الحسّ المعروفة بتجريبيّتها الضّحلة و الخاوية..       

و انطلق أنصار هذه النّظرة إلى "الواقع" من أنّه لا يُعَدُّ "واقعاً" كلّ ما هو خارج مجال إمكانيّات الاستيعاء المباشر بأدوات الوعي التّقليديّة، التي لا تخرج عن كونها مدركات حسّيّة محدودة و مؤطّرة ضمن قوالب متداولة مقبولة عند "الجميع" ، بمن في هؤلاء الجميع الفئات الأكثر محدوديّة و غباءً و مادّيّة ساذجة.

      14 عندما نأخذ بعين الاعتبار الفيزياء البسيطة، و حسب، فإنّنا قادرون على إدراك سطحية و سخافة هذه النّظرة إلى "الواقع"، من جهة أنّ المعطيات الفيزيائيّة جميعها، على الأقلّ، إنّما هي جزء من الواقع الحقيقيّ بما يتجاوز إطار "الواقع" الحسّيّ المزعوم..      

فالواقع هو كلّ واقعة كونيّة فيزيائيّة و ما بعد فيزيائيّة، من حيث أثر هذه "الوقائع" في "الوعي" البشريّ و تأثيراتها على هذا "الوعي"..       

و على هذا، فإنّه يدخل في عداد "الواقع"، كلّ فرضيّة ممكنة في العالم و النّفس و العقل و الرّوح، ما لم تدخل في عداد "المُحالات" بالنّسبة إلى درجة التّطوّر العلميّ للأدوات التّجريبيّة و ما فوق "الإمبريقيّة" المباشرة..       

بحيث يدخل في جملة "الواقع"، الفرضيّات الفكريّة و العلميّة التي تربطها بمنجزات العالم المعاصر، علاقات "منطقيّة" و ترابطات احتماليّة مسوّغة و مبرّرة.

      15 تطوّرت النّظرة إلى "الواقع" تطوّراً كبيراً و مدهشاً مع العلوم المعاصرة في القرن العشرين، و ذلك في مختلف الميادين العلميّة و منظومات التّفكير، حتّى عاد ما كان قبل ذلك يدخل في عداد الخيال العلميّ، واقعاً حقيقيّاً أو تجريبيّاً، يمكن رصده بأدوات القياس و معايير التّحقّق. هكذا، إذاً، يمكننا، الآن، أن نفهم كيف اعتبرنا، أنّ "الذّات" و "الموضوع" و "الأنا" و "الآخر".. جميعها، جزءاً من "الواقع" العالميّ أو "الواقع" الكونيّ..       

حتّى إذا احتاج الفكر المعاصر بفلسفاته المتحرّرة أن يمتدّ إلى وراء المشاهدات المحضة، لأمكنه ذلك بقليل من "الصّعوبات" و التّركيز، و لكنْ من دون أيّة حسابات في المُحال.

      16 "الواقع" الذي نذهب إليه، إذاً، هو كلّ معطًى في إطار "الكون" و "الطّبيعة" و "العالم" و "السّياسة" و "الاجتماع".. إلخ؛ و هو ما من شأنه أن يشكّل الشّرط الضّروريّ، الّلازم و الكافي، لوعي بشريّ قمين بالانتساب إلى ظاهرة العقل الإنسانيّ، الذي لا تمسخه الأفكار، بقدر ما تجعل منه عقلاً لا يُحَدُّ إلّا بظروف "الموضوعيّة" العلميّة التي اتّسعت حدودها، اليوم، إلى أقاصٍ و أبعادٍ تفوق "خيال" البعض من أصحاب الرّؤى التّقليديّة، التي تعتنق مبادئ محدودة و بالية على العالم و المعطيات، غير المحصورة أو المحدّدة في قوائم و برامج و استنساخات.

                ● "ماهو الوعي؟":

      17 بحدود ما يمكن الاتّفاق عليه عند "الجميع"، فإنّ الوعي هو محصّلة نتائج تَمَثُّلِنَا للعالم و الطّبيعة و الكون؛
و من الملاحظ في اختلاف "التّمثّلات"، أن ذلك يعود إلى تباين القدرات التّمثيليّة بين الأفراد و الفلسفات و طرائق و منظومات التّفكير، و موقف كلّ من ذلك إزاء "المشاهدة"، بما في ذلك رغبة المختلفين و مصالحهم في الفهم و الإدراك، و هو ما يطبع بعناصره و مكوّناته، مباشرة، على حجم و طبيعة "الوعي" بالذّات.

      18 من جانب آخر، فإنّ الوعي هو عبارة عن درجات و مراتب و اختلاف بين الأفراد و النّظريّات..
       و عندما نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، فإنّه يمكن لنا الحديث على "طبقات" للوعي و فضاءات مختلفة و بنى فوقيّة متفاوتة عند الأطراف المختلفين..       

ويظهر هذا الأثر في التّفاوت، أيضاً، في اختلاف "المظاهر" عن "الحقائق"، و في "الاختصاص" و في "التّخصّص"، بحيث علينا، هنا، أن نأخذ بالفرضيّات المعروفة حول أنّ الوعي هو نشاطٌ يحتاج إلى "أدوات" خاصّة بكلّ حقلٍ من حقول "العمل"، التي هي على تباينٍ فوق ما يمكن تصوّره بسرعة أو بالإجمال..       

هنا، فقط، يمكن أن نأخذ هذه الحقائق كمدخل إلى السّؤال التّقليديّ و المتجدّد بين أيدينا، باستمرار، حول أسبقيّة "الوعي" على "العالم" أو أسبقيّة "العالم" على "الوعي".

                ● موقفان من كِلا "العالم" و "الوعي":

      19 لعلّه ممّا يؤدّي إلى المواقف المتباينة في "الفكر"، واقع كون أنّ "تَمَثُّلَ" العالم ليس متشابهاً أو هو ليس واحداً عند الجميع.      

و من باب الإثبات، فإنّه في عصر العالم الذي ينكمشُ و يصغُرُ، تجاوزت حدود المسألة التّقليديّة الفلسفيّة حول "الأسبقيّة" ما بين "المادّة" و "الفكر"، أطرها التّقليديّة، من حيث أنّها دخلت لأوّل مرّة في إطار اهتمامات الإنسان اليوميّة، من جهة تعرّضها لأبسط أحوال العيش، التي أصبحت نتاجاً سياسيّاً مباشراً لحركة الوعي و العالم و الواقع، بما هو هذا الواقع مأخوذاً بأوسع فهم له، وفق ما حدّدناه أعلاه.

      20 و إذا اخترنا، هنا، أن نبقى في إطار "العالم" المعروف، فإنّنا لن نتوسّع بالبحث "الميتافيزيقيّ" حول أسبقيّة "الرّوح" على "المادّة" أو أسبقيّة "المادّة" على "الرّوح"، مكتفين، في هذه المناسبة، بالحديث حول "علاقة" الأفكار بالعالم، و كيف يتأتّى لهذه الأفكار أن تكسب مشروعيّتها و شرعيّتها، و هل هي "انعكاسٌ" عن "الواقع".. أم أنّ "الواقع" نفسه هو انعكاسٌ أو إنتاج للأفكار!؟

      21 يقول من يُسمّون "الواقعيّين" بنسبيّة الأفكار في "واقع" العالم، و بأنّ الأفكار هي ارتدادٌ "سلبيٌّ" عن حاجات و تجارب و مصالح تحكم العلاقات الإنسانيّة في واقع السّياسة العالميّة، و لا يُمكننا أن نفهم واقع العلاقات من دون النّظر إلى اشتباكات المصالح الاقتصاديّة و المادّيّة، بحيث أنّ جميع "الأفكار" التي تُمارَسُ في معرض "السّياسة"، إنّما هي انعكاسٌ عن واقع مادّيّ بحت..       

ما يصمت عليه هذا "الرّأي"، هو كيفيّة اقتران العمل بالغايات البعيدة، مع إدراكنا لكيفيّة اقتران "الأفكار" بواقع الأغراض و الأهداف العمليّة، التي يمكن لها أن تنافح، مع أصحابها، في سبيل إثبات أسبقيّة "الواقع" على الأفكار، و هذا أوّلاً..

      22 و ثانياً، فإنّ القائلين بهذا "التّعليم" لا يُدركون أهمّيّة و دور "العقل النّظريّ" الذي هو عند (أفلاطون) "الكمال الأسمى"، بما هو شبيه بالعقل الإلهيّ.

      23 و أمّا ثالثاً، فإنّ الحاجة إلى معطيات "العقل النّظريّ"، يمكن أن يُنافح البعض ضدّ ضرورتها من حيث الحاجة إليه، و أنّ ما وصله الإنسان فيه إنّما كان بمحض التّجربة، التي لا يُمكن أن نسمّيها بالحاجة إليه؛ و هذا منطقيّ..

لولا أنّه من غير المنطقيّ و من غير المُتصوّرِ أن نفصل "الأفضل" عن "الغاية"، و بالتّالي حاجتنا الملحّة إلى هذا "العقل النّظريّ" من باب أنّه يُحقّق لنا الأفضل الذي يسعى إليه الإنسان بحكمه كإنسان، و من ثمة أنّه من الواجب الإقرار بأهمّيّة و "واقعيّة" الأفكار "القبْليّة" و أسبقيّتها على "الواقع"، على عكس من يقول بأسبقيّة "الواقع" على "الفكر"، بإطلاق.

      24 إنّ تجربة "الأفضل"، الإراديّة أو الجماليّة، هي فوق الحاجة و المصلحة، و ربّما هي ضربٌ من محاكاة الإنسان، في نشاطه و أفعاله و كينوناته، لواقع جماليّ مفارق و متعالٍ، و هذا أبسط ما يُمكن أن نقوله، هنا، بهذا الخصوص.       

أتحدّث على "نموذج" من الصعب إدراكه، إنسانيّاً، دفعة واحدة، و لربّما كان الأمر يتحقّق بالتّقرّب إليه و محاكاته على جرعات و أقسام و مراحل و عهود..       

تُكدِّسُ فيك التّجربة نتائج القضايا المطروحة على الجميع، من خبرات و ثقافات و إعادة رؤية و تشكيل العالم في الإدراك الذي تتقاسمه مع الآخرين..

      25 و هذا هو المبدأ العام للإدراك الواقعيّ لمضمون التّاريخ بمختلف عناصره، و هو ما أطلق عليه (كارل ماركس) مُكَوِّنَ "المادّيّة التّاريخيّة" التي يخضع فيها "الوعي" لمبدأ "الواقع" و "التّاريخ"..       

غير أنّ ثمة من "الخبرات" ما هو، في الحقيقة، يتجاوز مبادئ "الانعكاس" و "الاستجابة" إلى "الواقع" من أفكار و "وعي"، على شكل ذكريات روحيّة ناجمة عن "خبرات قديمة" لا تخضع إلى قوانين "الانعكاس" المادّيّة التّاريخيّة، و هي تَعرِضُ لنا بوصفها فكراً منشِئاً و فعّالاً و "قبْليّاً" (apriori) له قوانينه "التّحليليّة" بمعزل عن القضايا "التّركيبيّة" التي يبحث كلّاً منهما "المنطقُ" بما هو دراسة لفقه العلاقات بين "العقل" و "العالم"، و الذي يُضيء على بعض "الاستبصارات" التي تنبو عن كونها رؤيةً تنعكس في "الأفكار".

      26 ففي وعورة هذا "العالم" يدخل "الواقعيّ" في غيبوبة "الفهوم" و "المفاهيم"، و يغدو كلُّ "تَمَثُّلٍة" للخارج ضرباً من الإشكاليّة الخالصة، التي لا يجلوها سوى "نبوءات" عقلانيّة تمتدّ في أصولها إلى ما فوق مبدأ "الواقع"، المحرّض للأفكار و المشاعر و الحُدُوس و الابتكار.. و هنا، بالضّبط، يفترق "الوعي" عن "الواقع" و يتقدّم عليه ليجعل منه نتيجة مُبكّرة لدلالات الغموض.

      27 إنّ للعقل، إنّ للفكر، إنّ للوعي.. مفاعيلَ لا يُمكن إدراكها في الحياة اليوميّة الملجومة إلى "الواقع" الذي يُسيّرها بحسب "الحاجة" و "الفروض"..       

و لكنّ "الوعي" يتجاوز ما هو "واقعيّ" ما إن نعمل على التّمييز بين "الضّرورة" و "الابتكار"، بحيث أنّ "الابتكار" هو حالة من حالات "الخلق" على غير "خبرة" أو "نمط" أو "نموذج" أو "مثال"..       

و هنا، فقط، نحن قادرون على "الإستلهام" المتعالي و المفارق للذّاكرة "التّاريخيّة" التي تكدّس نتائج "التّجربة" في "خبرات" موائمة لعمق "التّجربة" و قوانينها الخاصّة، من حيث هي معاصرة دائمة للعالم..

      28 و حيث أنّ "العالم" لا يتقدّم بالمراكمة الإدراكيّة التي تنتهي، في كثير من حالاتها، إلى طريق مسدود..
نكون أمام الاكتشافات الإنسانيّة التي يُصنّفها البعض في خانة "العبقريّة"، فيما هي تنتمي إلى عناصر "الدّور" الرّياديّ الذي يتجاوزها، هي نفسها، إلى خارج حدود "المعقوليّة" في "عقلانيّة" مفارقة تسوّغ التّكوين الفرديّ للأشخاص الذين على عاتقهم، يقوم العالم و التّاريخ بما يُبدعون و يقدّمون للآخرين من أفكار ماضية، قابلة للتّنفيذ و الاستعمال و الاستخدام و المعالجات العمليّة التي هي من اختصاص المنفِّذين و المُطوِّرين.

      29 ففي حدودٍ ما، يصحّ أن نقول بانعكاس "الوعي" عن "الواقع" و "التّاريخ"..
       و لكنّنا لا نستطيع إطلاق هذا "المبدأ"، و لا بدّ لنا أن نلجأ إلى عكس هذه "الحقيقة"، لنجد أنفسنا أمام وعي متعالٍ لا يمكن تعليله بالانعكاس عن "الواقعيّ"، على رغم أنّ هذا "الوعي" مرتبطٌ بواقع آخر مغاير و مختلف كلّ الاختلاف عن مفهوم "الواقع" المتعارف عليه، إلّا أنّه "واقعٌ" يحتاج إلى إعادة شرعنةٍ و تقريرٍ بوصفه واقعاً يتجاوز مفهومنا، بالمطلق، حول ما قد تقرّر على أنّه "واقع" بموجب الاتّفاق و العرف و القبول.

      30 وأخيرا، تقضي "سوسيولوجيا المعرفة" بأن نكون قادرين على تجاوز الخطوط الحمراء المزيّفة التي وضعها لنا "آخرون"، و ذلك أيّاً كان هؤلاء الآخرون.

***

فعقّب الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوس:

مذ بدأ حديث الثلاثاء انتفض أربعاء ردودي على ترهل الحالة الحزبية الفكرية و الفكرية الحزبية و قال الأمل لي تنفّس كلّ أيّامك حيث يجب أن تتنفسها.أ ياسين الرزوق1

و ها هي الردود بفلسفة الواقع إن فكّرنا من خلاله لنسعى أم إن كان هذا الواقع وليد أفكارنا الكبرى و الصغرى المباشرة و المجازية التأويلية المقتبسة و المكنّى بها على الشكل التالي:

١ ): الواقعية تنطلق من انبثاق يتجلّى في سقوط بنيان اللغات التي لم يعرف القائمون عليها التفريق بين واقع أعمى و واقعٍ شبه أعمى في أيام الجاهلية الأولى و ما يليها من تأويلات الرشد المغمور الذي يتعالى بصخبٍ لا مفرّ منه للوصول إلى التفكير وفق منحى يقتضي البوح و التصريح وفق قول:
" كنْ لغة العالم كي تدرك بتفكيرك أن الواقع مسار تفكير و كي تدرك أن مسارك الواقعي نتيجة تفكيرك المحموم؟!"

٢ ): لغة التكتيك البنيوي التي تجعل الوعي في ذوات الأحرار موضوع و واقع التغيير الذي لا مفرّ منه في تفسير ما يقتضيه التغيّر المحسوم نتيجة البنى الواقعية و غير الواقعية التي تعيشها سورية تحت وطأة أزمةٍ تعالت كي تكسر بصدى سقوطها انفراجها الكبير لإعادة صياغة وقائع و مواضيع و وعي التماشي في ذوات و عقول و قلوب و أرواح أبناء التغيير المقدّس بما تقتضيه نواظير اللاهوت و عيون الفيض المقدّس!

٣ ): التعبير عن الواقع من خلال المدرك ينقلنا من غيبيات إدراكنا المحموم إلى ما وراء طبيعة الأشياء بمعطاها اللاهوتي و الدنيوي و هذا ما يجعل ذوات وعينا في وعي ذواتنا متناحرة بالمجهول المقدس المحبّذ و المفضّل على التهويمات و التأويلات و التعليمات التي تجعل العقل نهاية قطيع يتناحر بنفسه في نفوس غيره و في استسلام أرواحهم لما دون المشتهى و لما فوق المشتهى.

٤ ): مذ قال الله في سيرته البيضاء احملوا عرشي و أمسكوا ظلي الظليل بتنا نتعاطى مع جمال سيرة التاريخ بتاريخ سيلفظ أنفاسه بمناحي الواقع الذي يطرق مستقبل نشوة لن يدرك لذتها إلا المتماشي مع ظلّ الله الجديد لا القديم حيث أن السقوط بالتقادم بات محوراً من محاور الوعي و اللاوعي المذكور في سير الانكشاف الجميل بلا خوذٍ بيضاء و لا عقول سوداء!

٥ ): أكمل واقعيتك أيها الإنسان كي تدرك انبلاج تفكيرك الذي يجعلك في بداية الوجود تقطف منتهاه و في منتهاه تشد مبتداه إلى كلّ آفاق الجمال.

دوماً لحديثك وجود يجعل الواقعي فوق أنماط التفكير و التفكير من سيرورة إلى سيرورة من الواقع إلى مقتضيات تغييره دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني