كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في "الهويّة".. مرّة أخرى.. هل هناك مَن يعمل على "تَحديثِ" هذه الحَرب؟! (حديث الثلاثاء "9")

د. بهجت سليمان

1 نعيش حرباً قاسية ممتلئة بالمخاطر الاجتماعية و السياسية التي يسعى الكثيرون إلى استدامتها، طرداً مع الانتصارات في الميادين العسكريّة و الدبلوماسيّة..
و هذه المرّة يعمل "الطّابور" التّاريخيّ المتخفّي ما بين الفئات و الطّبقات و المؤسّسات على تجريب ما لَم يُجرّب، بعد، من أسلحة اجتماعيّة لا تقلّ فتكاً عن الأسلحة الضّارية.

2 فإلى جانب الهجوم الثّقافيّ على "الهويّة"، و الذي كنّا قد تحدثنا فيه - هنا - سابقاً، تنشط في البؤر الحيّة، قوى اجتماعيّة مناوئة للمجتمع، تعمل على الانتقام من التّماسك السّياسي الذي أبداه المجتمع السّوريّ في إطار الدّولة و النّظام.
و إذ ذاك يتناول الاعتداء الأحدث على "الهويّة" العربيّة السّوريّة، أهمّ عناصر أو ثوابت "الهويّة" التي تمنحها الاعتبار الوجوديّ المادّيّ في هيئة بيئتها التّاريخيّة المتطوّرة في ثبات، و أعني "المجتمع" كحقلٍ متماسك و ضروريّ لاستمرار دلالات "الهوّيّة" في معاصرتها للتغيّر و التّغيير مع الزّمان. "المجتمع"، هو "المكان" الطّبيعيّ و الضّروريّ لزمانيّة الهويّة التاريخيّة التي تكرّسها "الدّولة" في الحماية و الشّمول.

3 إنّ أهمّ مظاهر شموليّة "الهويّة" يكمن في شرعيّة "المجتمع" الدّستوريّة التي يحميها المجتمع نفسه في تعبيره عن نفسه كمتّحد وجوديّ و أخلاقيّ مانعٍ من التّفريق و التّقسيم و الانقسام و الانفصال، و ما إلى ذلك من مظاهر تحريضٍ على الانسجام و الاستقرار.
و إذا كان "الدّستور" السّوريّ، حتّى الآن، يرعى أو يُراعي مفهوم دين رئيس الجمهوريّة، فإنّ هذا لا يعني أن يكون الاعتبار، هنا، تحيّزاً أو إغاثة لدينٍ في الدّولة على حساب دين آخر، و لا كذلك لطائفة أو جهة فئويّة أو دينيّة أو مذهبيّة أو اعتقاديّة أو ثقافيّة، دون الأخرى أو بالأحرى الأخريات.

4 لا تُقهر السّلطات التّاريخيّة و الثّقافيّة المناوئة للتّقدّم، على ما يبدو في المنعطفات الوطنيّة الصّعبة، بمجرّد النّصّ أو القانون أو الخطاب.. إنّها تعتبر نفسها في تلك المنعطفات التي تهتزّ فيها سلطة الدّولة و ينكمش فيها خطاب الرّدع و الحماية السّياسيّة للتّغيير المفاجئ و القاسر كما في الحرب على سورية، تعتبر نفسها بديلاً تلقائيّاً للفجوة التي تُحدثها الانتقالات التّاريخيّة العنيفة في خطوط الصّدع أو التّصدّع..
و الذي "يمكن" له أن يملأ الفراغ، الذي ينجم عن التّخلخل التّاريخيّ لتكافؤ و انسجام السّلطات التي توزّعها الدّولة بانتظام، في الأحوال الأخرى الطّبيعيّة و الهادئة..

5 ليست بيئة الحرب، مع ظروفها النّاشئة بالعنف، مقياساً لقوّة الدّولة و شموليّة السّلطة فيها و النّظام!
إنّ كلّ شيءٍ مألوف في التّجربة و الأدب السّياسيَين لبيئة الحروب..
لقد نشأت علومٌ بالجملة لاستدراك النّقص القديم الذي كانت تعاني منه الدّراسات المختلفة حول ظروف الحروب و القوى و "الاستراتيجيّات" المتباينة المنتعشة في الظّروف المنحرفة، التي تنجم عن الحروب.
هذا صحيح و معروف، و هو أحد اهتمامات العلوم الإنسانيّة ذات الطّابع الأكاديميّ على وجه الحصر..
و لكنّ الحديث، حداثة هذه الحرب التي تُخاضُ في سورية، إنّما هو هذا الإمعانُ بـ"العبث" بالهويّة و بصيغة الاستقرار الاجتماعيّ التاريخي للنّسيج الاجتماعيّ السّوريّ.

6 ربّما يقولُ البعضُ إنّه نسيجٌ "متماسكٌ" تماسكاً كاذباً، و يخفي تحت سطحه انفراقات و انفصالات و انقسامات تاريخيّة و ثقافيّة، كفيلة بتمزيقه عندما تسنح لها الظّروف..
و هذا اعتقادٌ وجيه على كلّ حال.. و لكنْ علينا ألّا ننسى أنّ إحدى مهمّات الدّولة الوطنيّة هي أن تراقب هذه "النّزعات" رقابة مباشرة و غير مباشرة، لتعمل على تحويلها في مجرى الانسجام..
فالقوّة في الدّولة هي إحدى أشكال المعرفة، و لكنّها أيضاً هي إحدى أشكال الضّبط و الإحكام و الحكم!

7 لن نتوسّع كثيراً في هذا الشّكل "الممكن" و لكنْ الذي لا تؤيّده الظّروف السّياسيّة للدولة السوريّة، بوصفها دولة وطنيّة بقوّة جميع أفرادها و مكوّناتها المختلفة و مؤسّساتها أيضاً.
إنّ الذي سنتحدثّ فيه هو شيء مغاير بالمرّة لهذا الطّرح الاستثنائيّ الذي لا أفق له، من حيث هو "إمكانيّة" إو "إمكانيّات" قيد المجهول!
الظّاهرة "المستحدثة" بفعل فاعلٍ (أو بفعلِ فَاعِلِين) في الحرب السّوريّة ـ والأصح والأدَقّ: في الحرب على سورية ـ التي علينا و على الدّولة، حصراً، أن توليها أهمّيّتها العميقة..
إنّما هي هذا الشّكل الذي صار مألوفاً من الاعتداء على "الدّولة" بوصفها قوّة سياسيّة و أدوات سلطة و مجتمع و قوى اجتماعيّة متعدّدة، لها جميعها الحقّ بالتّعبير عن وجودهافي "هويّة" واحدة، تعبيراً حرّاً و هادئاً في الممارسات المدنيّة، من دون أن تُواجَهَ بأيّ جدارٍ أو سدّ ثقافيّ أو إعلاميّ أو غير ذلك أيضاً.

8 يجري هذا الاعتداء، كما قلنا أعلاه، على "الهوّيّة"، و على نحو صريحٍ و مباشر، و لو بأشكالٍ مستحدثة و "متطوّرة" بحيث تندرج في أساليب "المهارات" و "التّذاكيات" و الاستهتار بمخاطرها، هي نفسها عند الاستجابات الواسعة و العنيفة التي يمكن أن تكون نتيجة من نتائجها، في الانزلاقات الكارثيّة التي تعتبرُ محتملة، في سياقِ قائمة الممكنات في ظروف الخلخلة الاجتماعيّة و السّياسيّة، التي ترافق، عادة، الحروب.

9 لقد فصّلنا في مناسبات سالفة الحديث على "الهويّة" و كيفيّات تناولها، لتدميرها ثقافيّاً و اجتماعيّاً في "مشاريع" أخذت طابعاً متعدّداً في "التّحليل" الإعلاميّ و التّحريض المدروس المسمّى "اشتغالاً" استراتيجيّاً و "دراساتٍ" و "بحوثاً" و ما إلى ذلك من مظاهر "النّصّ" و "الخطاب".
والذي علينا أن نلاحظه، الآن، إضافةً إلى ما قلناه للتّو، إنّما هو أداة أخرى أو "وسيلة" مضافة إلى أدوات "تفكيك" الهويّة، و ذلك بسلوكِ الطرق غير المباشرة و السّياقات البديلة و الرّديفة لتلك التي كانت واضحة و ظاهرة، كأدوات جريمة تتوجّه مباشرة إلى الاعتداء على "الهويّة"، كمكوّن أساس من مكوّنات المجتمع و الدّولة.

10 الشّكل الأحدث في الاعتداء على السّوريين، كسلاح آخر في هذه الحرب، هو ما يُتاحُ للخطاب "الإعلاميّ" من "حرّيّاتٍ" مزيّفة و "ملغّمة" تهدف إلى تفجير الذّريّة الاجتماعيّة أو إلى تذرير البِنيات النّفسيّة المعبّرة عن الهيكليّة الوضعيّة لتلك الذّريّة الاجتماعيّة، في حريّاتها الواسعة التي لا يمكن لسلطة أن تنال منها بالتّحديد و الضّبط و الكفّ و التّحجيم.
هذا اعتداءٌ أيضاً على "الهويّة".. إنّه بالأحرى تمزيقٌ سرّيٌّ للبِنيّة التّحتيّة للوعي الاجتماعي الجمعيّ، و استهداف للتّماسك الاجتماعيّ، الذي كان أحد أهمّ أسباب الصّمود السّوريّ في هذه الحرب، و استدعاءٌ لكلّ المنسيّات من "عوامل" التذرّر و التّذرير الاجتماعيّ للهيئات الاعتباريّة في "جهويّات" و "فئات" و "طوائف" و قوى، إعداداً لها إعداداً جديداً من أجل النّيل من الصمود السّوريّ، في مواجهة عنف الحرب، عن طريق تمزيق العرى الاجتماعيّة - النّفسيّة التي تربط المجتمع السّوريّ في السّيكولوجيا العامّة الكافيّة في الحدّ الأدنى، من أجل تماسك خطاب المواجهة، إلى جانب أدوات الصّراع المسلّح و العسكريّ.

11 إنّ ما عجزت عنه "الحرب" و عجز عنه الخطاب المناوئ الغشّاش لـ"التّحليل السّياسيّ" و "الاستراتيجيّ" المزعومين، جرى تصديره و تجييره إلى خطاب "إعلاميّ" هزليّ (كوميديّ) مدسوسٍ، أصبح فيه "كلّ شيءٍ" مُباحا، بما في ذلك احتقار "مكوّنات" الكتلة الاجتماعيّة متباينة الكثافة في "المكان الاجتماعيّ" بحيث "يسهل" اختراقها (الكتلة) و افتعال الفجوات فيها و تعميق "الصّدوع" التّاريخيّة، و تحضيرها لوضعها على شفا "هاوية" سياسيّة من أصل اجتماعيّ يجري العمل عليها، بمراكمة و إصرار.

12 قلنا في مناسبة سابقة على هذا الحديث، إنّ "التّعدّد" و "الغنى" الاجتماعيين، يمكن أن يشكّلا "نقمة" بدلاً من أن يكونا "نعمةً" اجتماعيّة في الثقافة و الفولوكلور و الاجتماع و تفاعل هذه المكوّنات..
و حدّدنا الظّروف التي تؤسس لتلك "النّقمة" بمحدّدات، أهمّها الاعتداء الثّقافيّ "المنظّم" على "الهويّة" التّاريخيّة للمجتمع، و التّشكيك بمكوّناتها و قيمة هذه المكوّنات.
إلّا، أنّ "الهويّة" ليست، على كلّ حال، أكثر أو أقلّ من كونها ذلك "الحدّ الواحد" الكافي "باستمرار" للتّكوين النّاجز و المتجدّد في الدّيمومة، للشّخصيّة التّاريخيّة الوطنيّة و القوميّة، من دون الحاجة إلى "حدّين" إثنين أو حدود متعدّدة كمكوّنين اجتماعيين أو أكثر من المكوّنات التي "تُعرِّف" الهويّة تعريفاً فلسفيّاً.

13 و مع الجذر الفلسفيّ الأكيد للهويّة، فإنّ الطّارئ عليها في صيغتها الاجتماعيّة، إنّما هو انتفاء "الحدود".. و هذا ما يقوله الفيلسوف الألماني (هايدغر) (1889 - 1976م)، بالضّبط، كأحد أهم الفلاسفة الذين بحثوا في "الهويّة" عن قرب، يقول:

("و لكي يمكن أن يكون شيءٌ ما "هو نفسه"، يكون حدّاً واحداً كافياً باستمرار، و لا حاجة لحدّين اثنين كما في حالة المساواة.
"تشير الصّيغ: أ= أ إلى مساواة، فهي لا تقدّم "أ" باعتبارها هي نفسها؛ لذلك فالصّيغة المتداولة لمبدأ الهويّة تخفي ما يُريد هذا المبدأ قوله بالضّبط، أي أنّ "أ هي أ"؛ و بعبارة أخرى أنّ كلّ "أ" هي نفسها"..)

[مارتن هايدغر - الفلسفة، الهويّة و الذّات - ترجمة د. محمد مزيان - تقديم د. محمد سبيلا - منشورات ضفاف، بيروت؛ كلمة، تونبيروت؛ كلمة، تونس؛ دار الأمان، الرّباط؛ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة - الطّبعة الأولى- 2015م - ص (29)].

14 من الواضح في هذا الاقتباس أن (هايدغر) يُجري تعديلاً ذا أثرٍ اجتماعيّ حداثيّ على "مفهوم" أو "مبدأ" الهويّة.. يعني أنّه يُحدّد المفهوم الفلسفيّ للهوّيّة، بمحدّد اجتماعيّ و نفسيّ يُلقي فيه الضّوء من جديد على جذر هذا "المبدأ".. بمعنى أنّ أيّ افتعال للحدود التّكوينيّة في المجتمع التّاريخيّ حاضن الهويّة، بوصفها التّماثل مع الذّات، يجعل من هذا "التّماثل" عرضة للتشوّه في "الانقسام" أو الانفصام..
إنّه لا "شيء" يماثلُ "شيئاً" آخر.. بل، و على العكس، فإنّ "الشّيء" نفسه "هو" نفسه، يماثل "نفسه"..
ليسَ ما هو أبلغ تعبيراً من هذه "الصّورة" الفلسفيّة لمبدأ "الهويّة" الاجتماعيّ.

15 من المفهوم كيف تفعل "التّمييزات" الاجتماعيّة، المقصودة منها و غير المقصودة، ثمّ بخاصّة منها "المقصودة"، فعلها المدمّر للوحدة الاجتماعيّة التّاريخيّة التي تُرسي و تُرسّخ مبدأ "الواحديّة" السّيكولوجيّة الاجتماعيّة و الذي هو نفسه مبدأ "الهويّة".
إنّ صيغة كالتّسامح و مبدأ العيش المشترك، إذاً، تتناقض مع مبدأ الهويّة باعتبارها تؤسس للإيحاء بتعدّد الحدود التي تدخل في "محاولة" من محاولات الاندماج و الوحدة.
إنّ مبدأ "العيش الواحد" هو البديل الفلسفي الواسع و المتعدّد الخطاب للصيغة الاجتماعيّة المقترحة في الدّائميّة لمبدأ الهويّة.
و عندما يتمّ الانطلاق من هذه "الواحديّة"، لن يكون ممكناً التّأسيس لأيّ "تمايزٍ" تكوينيّ اجتماعيّ أو سيكولوجيّ، تُبدي معه "المكوّنات" ميلاً نحو التّباعد و الاختلاف المُفضي إلى "الانقسام".

16 و بالعودة إلى غرضنا من هذا الحديث، فإنّ الذي يُضافُ إلى التّشكيك المباشر بمبدأ الهويّة كواحديّة مجتمعيّة و اجتماعيّة، إنّما هو هذا الذي أشرنا إليه للتّوّ و المتمثّل بالإيحاء بالاختلاف المؤسّس للخلاف، في اتّهاميّة مقصودة مباشرة لذاتها إلى ما يتعدّى هذه الذّات، و بلهاء و خرقاء، و لئيمة و مُغْرِضة و تخفي وراءها، عمليّاً، الكثير.
لا تتجزّأ المسؤوليّة التّاريخيّة الاجتماعيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة، التي تُساهم في الحرب بحرب أخرى في سورية اليوم..

17 إنّ "الفَسَاد" الذي رافق هذه الحرب في أشكال داعمة للصّراع الاجتماعيّ و السّياسيّ و التّاريخيّ في إطار المجتمع السّوريّ، و مهما كانت مظاهر هذا الفساد، لا يمكن تجييره لفرد أو أفراد أو جماعة أو جماعات أو فئة أو فئات أو طائفة أو طوائف أو جهة بعينها أو جهات.
و لا يعلمُ هؤلاء الذين "ينظّمون" هذه "الاتّهامات" التّاريخيّة الخطرة، أو يعلمون و يتجاهلون (و هذا الأرجح!)، أنّ الفساد صيغة من صيغ "الشّبكات" الاجتماعيّة - الاقتصاديّة العميقة التّجذّر و التي تطفو على السّطح الظّاهر في المناسبات..
و طبيعيّ أنّه لا تُضاهى الحربُ كمناسبة نموذجيّة من هذه المناسبات.

18 و لن نبقى طويلاً، هنا، في تصديق طيب النّوايا التي يحاول البعضُ - كما حصل و يحصل دائماً - تعليل و تسويغ تلك الممارسات "القبليّة" الاتّهاميّة لعنصر أو أكثر من العناصر التّاريخيّة العربيّة السّوريّة، بها، و لكن علينا أن ننظر إلى "الأمر" باعتباره خطَراً منظّماً، يتسلّل إلى الثّقافة و الإعلام بسهولةٍ من أجل تفجير "الذّرّة" الاجتماعيّة في مأساة من الدّمار الشّامل.
و نحن قد لا نكون بعيدين كثيراً، تحت ضغط الحرب و آثارها، عن شكل ما من أشكال الانفجارات الاحتماليّة، مستقبلا، التي قد تودي بالكثير من الصّمود و الثّبات..
و من يُحصي طبيعة و حجم التّوتّرات الاجتماعيّة و التّكوينيّة التي عزّزتها الحرب مع الإعلام الموازي لها هنا و هناك، يخرج بنتيجة مُقلقة من المؤشّرات المأساويّة التي استقرّت على منسوبات مرتفعة من الانفصامات.

19 لقد أكّد الكثيرون من المفكّرين و المسؤولين و على رأسهم "رئيس الجمهوريّة العربيّة السّوريّة" (أسد بلاد الشّام: الرئيس بشار الأسد)، على أن مشكلتنا المستقبليّة في "الإعمار" هي في "إعمار" النّفوس و الوجدانات و الصّيغة الاجتماعيّة العامّة للوعي الجمعيّ، مشيرين إلى أنّ مسوّغ هذه النّظرة و معلّل هذا الرّأي، هو باختصار ذلك الخراب الذي حاق بالعلاقات الاجتماعيّة التي تنتظم البلاد.

20 نتحدّث على "العبث" المنظّم بالصّيغة الاجتماعيّة السّوريّة في ظلّ الحرب.. و من الضّروريّ، إذاً، محاصرة كلّ أشكال توزيع الاتّهامات المختلفة التي تُلقي بالمسؤوليّة المُحدّدة عن هذا الخراب الذي أنتجته بالطّبيعة الحرب، على واحد أو أكثر من الأطراف الاجتماعيّة أو السّياسيّة، حتّى و لو كان ذلك السّلوك يتزيّا أو يتلبّسُ بزيّ التّهكّم السّاخر أو الكوميديّ، الذي لا يُسوّغه في المضمون سوى أهداف مأساويّة غير مسؤولة، و لكنّها مقصودة على التّعيين..!؟

21 يدور حديثنا على بعض مظاهر الإعلام السّوريّ، الذي ينضمّ إلى الإعلام النّاطق بالعربيّة على مختلف المحطّات القضائيّة و وسائل الإعلام..
نحن هنا بالتّالي لا ننقد أشخاصاً بقدر ما نوجّه الإشارة إلى تدنّي مستوى الخطاب الإعلاميّ الثّقافيّ غير المسؤول.. أو المسؤول!

22 على صفحتنا، هذه، نحنُ نطيل النّظر في حقيقة "الواقعة".. و ربّما نمنحها "فرصتها" للتمادي و الامتداد..
و في كثير من الأحيان نشجّع كلّ "خطابٍ" يزعم سلوك "الحرّيّة" في "الإعلام" الوطنيّ بخاصّة.. و ربّما شجّعنا على "التّعدّد" و "التّنوع" البريئين..
و أحياناً نقومُ، عمدا، باعتماد "خطابات" متناقضة و ب"تبنّيها" شكليّاً على هذه "الصّفحة"، بدون أن نقدّم فيها قراءتنا و من دون أن نقدّم فيها رأينا أو موقفنا من "المضمون"، تاركين "القارئ" ليكتشف بنفسه تعدّد المستويات التّفكيريّة و الذّهنيّة التي تحاول "التّعبير"..
و يحصُلُ أن نُفهمَ خطأً، احتمالاً، من قبل البعض.. و هذا أمرٌ لا يعنينا كثيرا، مقابل الانتشار و التّوسّع في تحقيق المضمون الاجتماعيّ لكلمة حريّة التّعبير و ديموقراطيّة الكلمة.

23 و لكنْ أن يتحوّل "الشّيءُ" إلى "لَغَمٍ" يُفخّخ العمق الاجتماعيّ و النّفسيّ للوحدة الاجتماعيّة، في سائر وسائل "الإعلام" و "التّواصل" الاجتماعيين، افتراضيّاً كان أم رسميّاً خطاب الفاعلين؛ و أن تتكرّر "الواقعة" و هي في سبيلها تشقّ "الطّريق" إلى "الظّاهرة"، فهذا هو الأمر الذي يثيرُ الحفيظة المعرفيّة و السّياسيّة، فنعمل على تعريته للحدّ من فرصه في الانتشار و التّأثير الممكنين، في مجتمع أنهكته الحرب و جعلت من "مقاومته" العضويّة غير صلبة كما يجب، نسبيّاً، أمام الأمراض التي يجري في كثير من الأحيان حقن "جرثومتها" في أشهى ما يُثيرُ نهم المواطن المُتعب، الذي غدا مادّة سهلةً لسائر أنواع التّأثّر، بالعبث في أقدس ما يجعل منه مواطناً صالحاً، يحتاج إليه الوطن مُعافًى واثقاً من قيمته و انتماءاته الموضوعيّة و الذّاتيّة في وقت واحد.

24 أخيراً فإنّ الجهل، الذي يتنامى، بمغبّة ما يسلكه البعضُ، عمدأ، هنا و هناك و في كلّ مكان في سورية، هذه الأيّام، يجب أن يوضَعَ له حدٌّ في كلّ ما يعمل على التّسلّل إليه في خطابه المأزوم، و الذي يعمل على فتح جبهة اجتماعيّة - سياسيّة و ثقافيّة و نفسيّة، تُكمّل نتائج هذه الحرب التي بدأت بالتّناهي الواضح و الأكيد.
كأنّما لا يريد هؤلاء أن تنتهي هذه الحرب..؟!

25 لقد انتهت الحرب على رغم أنوفهم و أنوف الكثيرين معهم، و ها هي هذه الحرب تلفظ، أمامَنا، أنفاسَها الأخيرة.. و لو أنّ أشكالاً أخرى لها سوف تدوم..!؟

***

أدناه تعقيب المهندس والشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

عندما أقرأ حديث ثلاثائنا أجد في الأربعاء متنفّساً للردود الباحثة عن كلّ فيض من فيوض الكلمة الوطنية الحرة...
و عليه أرد بالتالي كي ندرك هوية السلم و الحرب

١): نعم الهوية هي حرب تبحث عن سلمها داخلنا هذا إذا ما وجد الوجدان متنفس حياةٍ تقرئ ضمائرنا السلام العزيز و لو بالحرب على أن تقرئها السلام الذليل و لو من دون حرب, و هذا ما يجعل الهوية حرباً لا هوادة فيها للوصول إلى التعريف بطارقيها قبل الداخلين إليها قبل الساكنين فيها!

٢): تحويل الهوية من تعريف يترافق مع قيود نفوسنا إلى تعريف يتوافق مع فضاء نفوسنا دون قيود فالهوية ليست تلك البطاقة التي تتداعى أمام الهزات و المصائب بل هي ذاك الانتماء الذي يتعزز بالهزات و المصائب و بغير ذلك لا معنى لبطاقات تبقينا على الحياد في جغرافية لا تشعرنا بأدنى انتماء أو بانتماء واحد هو للجيوب و للمصالح المادية التي تسقط الانتماء مرة بعد مرة من قلوب المنافقين أو العملاء الواضحين قبل جيوبهم!

٣): حرب الهوية لن تصل بحامليها إلى سلم و سلام نفوسهم ما لم يدركوا أنها ليست قفزة فوق الصعاب بل هي مرور بها لا ينفصل عن تثبيت عرى الانتماء الوثيقة في مرتكزات الوجود الوطني لا في مفترقات و مخارج الهروب من الوجود الوطني باللاوجود السلطوي و المصالحي..

٤): هناك من يعملون على سحق الهوية بتحديث الحرب و جعلها من مقتضيات العولمة الهزائمية التي تفرض الاستسلام و الإذعان لقوى كبرى يناقض المسلمون أنفسهم قبل غيرهم بتصويرها كأنّها الله العزيز القدير بل و أشدّ وطأة ناسين إيمانهم بقضاء الله و مسلمين بكل صفاقة بقضاء أميركا التي جعلوها الواحد القهار!

٥): الهوية لن تجد ركيزتها و سيرتها بمشاوير تصفيق تهلّل للقائمين على دبلجتها عكس المواطنة و الإنسانية و هذا بحدّ ذاته يفقد تعريف الهوية انبثاقها من بين أصابع المتاجرين بها في زحمة المتناقضات!

٦): فكرة العيش المشترك يجب أن تخرج من واحدية التطبيق الصارم إلى تعددية الهوية المنفتحة على تعاريف التلاقي تحت بنود الوطن و المواطنة لا الاحتلال و المشاحنة.

٧): الهوية التي تحدّث ذكاءها بغباء لن تجد في نهاية طريق سالكيها و حامليها أكثر من حيطان مسدودة أو هاويات تطيح بالجميع!

٨): الهوية فكرة وجودية تحدّث أخبارها بأنّ ربك قد أوحى لها بزلازل التغيرات في بلدان التوازنات لا بلدان الحقوق و الواجبات!

٩): استمرار تكسير و تهشيم هوياتنا ينطلق من وقوفنا أمام مرايانا المتشظية التي تضخّم الأنا و تطيح بالحالة الجمعية الصحية إذا ما استثنينا أغلبية قطعاننا الضالة!

١٠): قف مرة أمام مرآة هويتك لتجد أن رغبتك في نسف هويتك تطيح بكلّ معاني الانتماء تبعاً لمطارقك الرغبوية!

في النهاية حديثك عنوان الحداثة في شكل و مضمون هويتنا دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني