كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نصف الميراث

اللواء علي سليمان يونس

أدرت مفتاح مذياعي الصغير, صباح اليوم على إذاعة البي بي سي من لندن, والتي اعتدت من سنوات خلت، على سماع أخبارها الصباحية, مع معرفتي أنها تخلط السم بالعسل عندما يتعلق الأمر بالعرب وحقوقهم, كان الخبر الأول هو عن حدوث اضطرابات في تونس بسبب المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الميراث, وحقوق المثليين، لن اعلق على تونس حاليا وسأكتفي بالحديث عن إعطاء المرأة نصف نصيب الرّجل من الميراث:
لم يميّز الإسلام الحنيف بين الأنثى والذّكر في الوصية. والبعض يقول إن الإسلام ميّزَ في الميراث بين الرّجل والمرأة... أقول: لله حكمة في ذلك! فما الحكمة في إعطاء المرأة نصف نصيب الرّجل من الميراث؟
لما كانت المرأة في تشريع الإسلام لا تجبُ عليها نفقة لا على نفسها ولا على غيرها، فإنّ التّشريعَ أعطاها نصف ما يأخذ الذّكر في الميراث نظراً لرفع وجوبِ النفقة عنها، وجبراً للرّجل الّذي أصبح العمل معقوداً بناصيته... والإنفاق واجباً عليه وحده. إنّ الله سبحانه وتعالى رفع عن المرأة التّكليف بالسّعي لاكتساب الرّزق، وجعل هذا التّكليف خاصّاً بالرّجل وحده .. وأمره بكفالة المرأة في كلّ أطوار حياتها... فإذا كانت الأنثى ابنةً كانت كفالتها على أبيها، ولا تسقط هذه الكفالة إلّا بالزّواج أو الموت، ولا تنتهي عند سنّ محدّدة، وإذا كانت الأنثى زوجةً، فإن كفالتها على الزّوج طالما هي في عصمته، بموجب عقد الزّواج... وإذا كانت أختاً فكفالتها على الأخ الّذي يقوم مقام الوالد عند فقده، ثمّ من ترثه ويرثها.
ثمّ إنّ الإسلامَ أسقطَ عن المرأة أن تكفلَ غيرها حتّى مع غناها. فلا يجب عليها الإنفاق على ولدها في وجود الزّوج، ولا على أصولها إلّا من باب البرّ, والإحسان, والصّلة، ولا تكلَّف لأن تعمل لتنفق على نفسها أو ولدها... ورفعُ التّكليف بالعمل لاكتساب الرّزق عن المرأة, إنّما هو لصيانتها عن الامتهان، فإنّ كثيراً من الأعمال الّتي يُطلب بها الرّزق امتهان وشدّة، وكذلك صيانة لها من الفتنة، ولأن هذا من التخصّص الّذي جعله الله من سنن الخلق...
ولو كُلّفتِ المرأةُ إلى جوارِ وظائفها الفطريّة بالحمل والولادة والإرضاع، لاكتساب الرّزق لكان هذا تكليف ما لا يُطاق، ولكان هذا ظلماً للمرأة، أو أن يكون العمل على حساب وظائفها الفطريّة من الحمل والولادة والإرضاع والتربية، وخالف الإسلام في هذا سُنّة الجاهليّة الّتي كانت تحرمُ المرأة من الميراث بالكليّة, لأنّها لا تنفق على غيرها، ولا تحاربُ عدوّاً... ونزلَ قولُ الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النّساء:7]. ولا شكّ أنّ من يدعي ظلمَ الإسلام للمرأة لأنّه أعطاها نصف الرّجل في الميراث, جاهلٌ بتوزيع الحقوق والواجبات في الشّريعة المطهّرة العادلة {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.. من العدل أن يأخذ الابن "الرّجل" ضعف الابنة "المرأة" للأسباب التّالية:
1 - فالرّجل عليه أعباء ماليّة ليست على المرأة مطلقًا, فالرّجل يدفع المهر، يقول تعالى: {وَآتُوا النّساء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النّساء:4]. [نحلة: أي فريضة مسمّاة يمنحها الرّجل المرأة عن طيب نفس, كما يمنح المنحة ويعطي النّحلة طيّبة بها نفسه]، والمهر حقّ خالص للزّوجة وحدها لا يشاركها فيه أحد, فتتصرّف فيه كما تتصرّف في أموالها الأخرى, كما تشاء متى كانت بالغة عاقلة رشيدة.
2 - والرّجل مكلّف بالنّفقة على زوجته وأولاده, لأنّ الإسلامَ لم يوجب على المرأة أن تنفق على الرّجل, ولا على البيت, حتّى ولو كانت غنيّة إلّا أن تتطوّعَ بمالها عن طيبِ نفس, يقولُ الله تعالى: {لِيُنْفِق .. ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا مَا آتَاهَا...} [الطلاق/7]، وقوله تعالى: {... وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...} [البقرة: 233].
وقال رسول الله (ص) في حجّة الوداع: "اتقوا الله في النّساء فإنهنَّ عوان (ج عانية أي أسيرة) عندكم أخذتموهنَّ بكلمة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف".
3 - والرّجلُ مكلّفٌ أيضًا بجانب النّفقة على الأهل بالأقرباء وغيرهم ممن تجبُ عليه نفقته، حيثُ يقومُ بالأعباء العائليّة والالتزامات الاجتماعيّة الّتي يقوم بها المورث باعتباره جزءًا منه, أو امتدادًا له, أو عاصبًا من عصبته (العاصب هو: كل وارث ليس له نصيب مقدر). فهل رأيتم كيف رفع الإسلام المرأة كتاج على رؤوس الرّجال، بل على رأس المجتمع بأكمله.

ملاحظة: المقال مقتبس من كتابنا (شقائق الرجال)..

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني