مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج5
دور عمر البارز في الحركة الإِسْلاميّة
اُعتبر إِسْلامُ عمرَ نصراً كبيراً للحركة الإِسْلاميّة، حيث عزز إِسْلامه موقف المسلمين الأوائل، وتذكر الرِّوايَات أنّه الوحيد الَّذِي هاجر علناً من مكّة، إذ أتى الكعبة وأشرافُ قُرَيْش بفنائها، فأعلمهم بنيّته على الهجرة؛[1] والَّذِي جرأه على تحدي قُرَيْشٍ وإعلان إِسْلامه، وهجرته العلنية موقعه في مكّة الجاهلية والسّطوة الَّتِي كان يتمتع بها؛ لكن محوريته في التاريخ الإِسْلاميّ لا تدور حول تحديه المتكرر لقُرَيْش، وحسب، بل في الدّور التّشريعيّ الَّذِي مارسه في غضون حياة مُحَمَّدٍ، وبعد وفاته، وكان دوره مكملاً لدور أَبِي بَكْر السِياسِيّ. والجانب المهم في دراستنا هو الدور التّشريعيّ الَّذِي مارسه حَتّى السَّقِيْفَة؛ مما جعل له حضوراً طاغياً في الاجتماع.
على إثْر موقعة بدر (رمضان 2 ﻫ/ آذار (مارس) 624)، ووقوع سبعون رجلاً قُرشيّاً في الأسر، استشار مُحَمَّدٌ أصحابه بشأن الأسرى، فاقترح أَبُو بَكْر أخذ الفِدْيَة، آخذاً بالاعتبار عوامل: القرابة، والاستفادة من مال الفداء، ولممارسة تأثيرٍ نفسيٍّ على الأسرى قد يدفعهم للانضمام للمسلمين لاحقاً، كان أَبُو بَكْر يرى في هذا المسلك وسيلة لجعل العدو المهزوم يزيد من قوة المسلمين؛ أما عُمَرُ فرأى قتل الأسرى، وقد اتبع مُحَمَّدٌ وجهة نظر أَبِي بَكْر، ويبدو أنّه تقبّل مسألة مراعاة القرابة لوجود عمّه العباس في عِداد الأسرى، ثُمّ إنّه شعر بعد ذلك بأنّه ارتكب خَطِيْئَةً جسيمةً، فجاء القرآن يؤكد صوابيّة موقف عُمَرَ:﴿ما كان لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأَرْضِ تُرِيدُون عَرَض الدُّنْيَا واللُّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ (الأنفال/ 67).[2]
ثم إنّ مسألة إشكالية حَتّى الآن ـ مسألة الحِجاب ـ تُعزى لنشاطِ عُمَرَ، الَّذِي طلب من نساء مُحَمَّدٍ أن يحتجبنَ، ونصح مُحَمَّداً بتحجيب نسائه؛ فرفضت زينب ذلك، وتساءلت كيف له أنْ يتدخل في حياتهن والوحي ينزل في بيوتهن، لكنَّ القرآنَ سَرْعانَ ما جاء يؤيده.[3] وموقفه الخاص تجاه المرأة سيدفعه لاحقاً للطلب من أبي عُبيدة بن الجراح منع نساء أهل الذمة من دخول الحمامات مع نساء المسلمين.[4]
في قضية تحريم الخمر توجد رواية تجعل عُمَرَ اللاعب الأبرز في تحديد الموقف منها، فالمعروف إنّ مسألة التّحريم كانت تدريجيّة، فكان عُمَرُ يطالب بإيضاح أكثر تحديداً كلما جاء تحريم جزئي بصددها، فجاء القرآن بتحريمها نهائياً.[5] وفيما بعد عندما يصبح عُمَرُ خليفةً سوف يعاقب على شرب الخمر ثمانين جلدة، وهذا الحد الَّذِي فرضه لم يُمارس في عهد مُحَمَّدٍ وأَبِي بَكْر، فقد حُرم الخمر في القرآن، لكن لم يُفرض فيه على شاربها عقاباً في الدنيا، وجعلت عقوبة المخالفين يوم القيامة.[6]
لما مات عبد اللَّه بن أُبيّ دُعي مُحَمَّدٌ للصّلاة عليه، فقام فصلّى؛ فاعترض عُمَرُ على ذلك وذكّره بعداء ابن أبي للحركة الإِسْلاميّة، وما هو إلّا يسيراً حَتّى جاءت الآية 84 من سورة التوبة تؤيد موقف عُمَرَ.[7]
كان مسموحاً في مرحلة الإِسْلام المبكرة ممارسة الجنس والأكل في شهر رمضان بعد الإفطار إلى صلاة العشاء وحسب، وإذا حدث ونام المؤمن قبيل العشاء، وحَتّى لو لم يأكل لا يجوز له تناول الطعام، والشراب، وممارسة الجنس إلى الليلة التّالية، وتذهب بعض الرِّوايَات إلى القول بأنه كان محرماً ممارسة الجنس خلال شهر رمضان كله؛ لكن المؤمنين لم يتمكنوا من التزام شرط عدم ممارسة الجنس، فكانوا يخرقون باستمرار هذا المنع، مما جعل هذا الشرط لصحة الصيام غير فاعلٍ عملياً، وبدوره خرق عُمَرُ هذا التّحريم، ثم ذهب فاعترف لِمُحَمَّدٍ، ولعلّ مُحَمَّداً تأكّد من استحالة تنفيذ هذا الشرط على رجاله المؤمنين، لا سيما أنّ عمرَ المنضبط ـ وربما الأكثر انضباطاً بين رجاله ـ لم يتمكن من الالتزام به، أو إنّ عُمَرَ تدخل للتخفيف من هذا المنسك، وبالفعل جاء القرآن يبيح ذلك.[8] فيما بعد، وعندما يتبوأ الخِلافَة سيقوم بعدة إصلاحات تشريعية، كان أبرزها تحريم زواج المُتْعة، وهذا الإصلاح يرتقي لمستوى الاجتهاد في موضع النّص القرآني، الَّذِي لا يجرؤ أحدٌ اليوم على استحضاره، وبعد خمسة عشر قرناً!!
كان أَبُو بَكْر يدرك أهمية الجانب التّشريعيّ للحركة الإِسْلاميّة، ولهذا لم يكن ممكناً بالنسبة إليه الاستغناء عن المشرّع، سيّما التطورات السريعة للأحداث، والحاجة لهذا المشرع قد ازدادت بعد غياب مُحَمَّدٍ المتصل بالسماء، فولى في (11 ﻫ) عُمَرَ بنَ الخطّابِ مهمة القضاء، لأنّه كان يقدّر قولَ مُحَمَّدٍ فيه: «لو كان بعدي نبيّ لكان عُمَر بن الخطّابِ»،[9] وقد بقي عُمَرُ في هذا المنصب أيام خلافته كلها.[10]
إنّ هذا المزيج من قوة الشّخصيّة، النابعة من السّطوة الَّتِي كان يتمتع بها في العهد الجاهليّ، والَّتِي بقيت إلى العهد الإِسْلاميّ، ثُمّ الدّور التّشريعيّ ـ بل المنحى النَبَوِيّ لعُمَرَ ـ أكمل عناصر الضغط على الحاضرين للموافقة على أَبِي بَكْر، إذ إنّ الشّخصيّة الَّتي يساندها عمر هي الأكثر حظاً، فكيف إذا كان هذا المرشح أَبُو بَكْر، والَّذِي يملك لوحده كل الأفضليات الضَّرُوْرِيّة لنجاحه.
أصداء البَيْعَة
البَيْعَة العامة
الآن وبعد أن قدمت مجموعة من الظروف نفسها لأَبِي بَكْر، تأتّى عليه التعامل مع الأوضاع الَّتِي تولدت عن السَّقِيْفَة، وكانت البداية هي التوجه للنّاس من أجل نيل اعترافهم بشرعيّة تعيينه؛ فتوجه للمسجد غداة السَّقِيْفَة للقائهم.
قد تبدو هذه الخطوة للوهلة الأولى شكليّة؛ لأنّ ممثليّ المجموعات القبليّة، الَّذِين كانوا حاضرين في السَّقِيْفَة وافقوا في ختام مداولاتهم على أن يتسلم قيادة الحركة الإسْلاميّة، ومع ذلك رأى أَبُو بَكْر أنّه من الأفضل له التوجه لجمهور المدينة، والالتقاء بهم. كانت هذه المسألة أمراً شديد الأهمية بالنسبة إليه؛ لأنّه كان يريد توظيف هذا اللِّقاء بما يخدم مهماته اللاّحقة كقائدٍ لمجتمع المدينة ـ مهاجريه وأنصاره ـ، فكان عليه إقناع الجمهور بأنّهم شاركوا في قرار توليته، وأنّهم فاعلون أساسيّون في صنع هذه اللّحظة بعد وفاة مُحَمَّدٍ. وقد تصدى عُمَرُ للقيام بهذه المهمة عندما توجّه للجمهور الحاضر وخطب بهم وحثّهم على مبايعة أَبِي بَكْر، صاحب رسول اللَّه، وثاني اثنين في الغار في إشارة واضحة إلى الآية أربعين من سورة التوبة، ولم يتردد الحضور في الاستجابة لطلب عُمَرَ، فأعلنوا البَيْعَة العامة. ثم قام أَبُو بَكْر، فخطب فيهم، وطلب معونتهم إذا أحسن، وتقويمهم إذا أساء، ولكن كان أكثر ما يثير الانتباه في خطابه، قوله: «لا يدَعُ قوم الجهاد في سبيل اللَّه إلا ضربهم اللَّه بالذُّلُ».[11]
لقد جاءت البَيْعَة العامة في إطار استعداداته لمواجهة شخصيّات نافذة في المجتمع الإسْلاميّ آنذاك لم تعطِ موافقتها بعد على السَّقِيْفَة، وكان أَبُو بَكْر يقدّر صعوبة نيل موافقتها، فتحرك سريعاً عبر البَيْعَة العامة لتحييد أكبر عدد ممكن من النّاس في الصّراع المحتمل على السُّلْطَة. وسنلاحظ لاحقاً أنه تمكن من تحييد جمهور المدينة كليّاً.
لكنْ قبل أن ننتقل إلى الأحداث الَّتِي أعقبت الاجتماع علينا أن نعرّج على الشّخصيّات الَّتِي رفضت مبايعته؛ لنرى كيف تعامل معها.
سَعْدُ بنُ عُبَادةَ
كان من الطبيعي أن يكون سَعْدُ بن عُبَادة رافضاً عنيداً لأَبِي بَكْر، فهو الشخص الوحيد الَّذِي طُرح اسمه في الاجتماع كمرشحٍ، وقبل أنْ يُطرح اسم أَبِي بَكْر، أي كان يمكن أن يكون الخليفة، ولهذا أعلن منذ لحظة انْفِضاضَ الاجتماعِ عن رفضه مبايعة أَبِي بَكْر، وسيحافظ على موقفه المناوئ ما دام حياً.
كان المهاجرون ينزعون لإجبار سَعْدِ بن عُبَادة على البَيْعَة، وقد جسّد عمرُ هذه النّزْعة، لكن الخليفة آثر ترك سعدٍ بسلامٍ عملاً بنصيحة بَشير بن سَعْد [12] لئلا يثير محاولة إجباره على البَيْعَة نار حرب بين المهاجرين والأنصار، إذ عبّر بَشير عن خشيته من أنّ الصّدام معه سيؤدي إلى قتله، وستدافع عنه أسرته، وجزء من عشيرته مما سيزج الخزرج كلها في الصّراع مع المهاجرين، وربما يجر الأوس تالياً،[13] في حال رأت أنّه من الأفضل أنْ تساند الخزرج على أنْ تساند المهاجرين في معركة مصيرية قد تفضي لجلاء المهزوم عن يثرب أو إبادته.
بعد أيام من البَيْعَة العامة طُلب مرة أخرى من سَعْدٍ المبايعة، فأصرّ على رفضه، وحافظ أَبُو بَكْر على مبدأ عدم التعرّض إليه بسوء أثناء فترة حكمة. وقد أثمرت سياسة أَبِي بَكْر بصدده، إذ بقي بعيداً عن دائرة التأثير في مجريات الأحداث، ولم يسبب أيّ إرْبَاكٍ للسلْطة الإسْلاميّة في يثربَ. وبعد وفاة أَبِي بَكْر ترك ابن عُبَادَة المدينة إلى الشّام أوّل حكم عمرَ بعد أن جرت مشادة كلاميّة بينه وبين الخليفة الجديد، حيث مات هناك بحَوْرانَ في ظروفٍ غامضة (ح 14 ﻫ)، وقد قيل تبريراً لمقتله الغامض إنّ الجنّ قد قتلته؛[14] وهذا الأمر عند النوبختي فيه نظر لأنّه ليس من المتعارف أنّ الجنّ ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم، ويورد النوبختي رواية أخرى تقول بأن الروم قتلته.[15] وثَمّة رواية في العقد الفريد تفيد بأنّ عمرَ بعث رجلاً إلى الشّام، ليأخذ البَيْعَة من سعدٍ، فرفض سعدٌ البَيْعَة، فقتله الرسولُ. ورواية أخرى في شرح نهج البلاغة تقول إنّ أميرَ الشّامَ بعث من رماه بسهمين؛ لخروجه عن طاعة الإمام.[16]
لقد كان يشرف على الشّام وقتها أبو عبيدة بن الجرّاح، ولم يكن معروفاً عنه توسله المؤامرات للتخلّص من أعداء الحركة الإسْلاميّة، كما لم يكن يتمتع بدهاء المتآمرين، والسؤال الَّذِي بقي دون جواب، من الَّذِي أصدر أمر اغتياله، وما هي الأسباب الَّتِي حدت به لإصدار هذا الأمر بعد أن استقرت الدّوْلَة الإسْلاميّة داخل الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وشرعت في التوسع (الفتوحات)، حيث لم يعد سعدٌ يشكل خطراً عليها؛ لاسيّما بغياب أيّ معطى عن تحرك معادٍ لعمرَ كان يقوم به سعد، وربّما لهذا السبب عزت بعض الروايات مقتله إلى الجنّ؛ ومهما يكن فإنّ الشكوك بقيت تحوم حول القيادة القرشيّة، ولهذا بالضبط فإنّ قيس بن سعد ـ ابن المقتول ـ انضم لاحقاً إلى عَلِيّ بن أبي طالبٍ، وصار من أبرز رجالات شيعته، وسيتخذ موقفاً عدائيّاً من الحسن بن عليّ بعد أنْ أبرم الأخير صلحاً مع معاوية على أثر اغتيال أبيه ـ عَلِيّ بن أبي طالبٍ ـ.
الأسر القرشيّة
شكّل اجتماع السَّقِيْفَة والنتيجة الَّتِي تمخض عنها صعوبةً أمام ابن خَلْدُون، حيث كانت نتيجة الاجتماع تتناقض مع رؤيته لدور العَصَبِيّة في مجتمعات الجزيِرَة العَرَبِيَّة، إذ كان يجب أنْ يتولّى زمام الأمور شخصيّة تنتمي إلى إحدى العَصَبِيّات القويّة في قريشٍ، وهي تنطبق على الهاشميّين والأمويّين، في حين كان أَبُو بَكْر ينتمي إلى بيت غير ذي قوة ـ تَيْمٍ ـ ولهذا قام ابنُ خَلْدُون بتفسير تعيينه كحالة لا تنطبق عليها قوانين نظريته، بل قضية خضعت للإرادة الإلهيّة.
لكنّ الواقعَ كان غيرَ ذلك، إذ كان أَبُو بَكْر يملك عواملَ قوةٍ، كنا قد شرحناها من قبل في القسم الرّابع، وهي: 1 ـ قُرشيّته، 2 ـ تفكك الأنصار، 3 ـ سيرته الشّخصيّة، 4 ـ دعم عُمَرَ بنِ الخطّابِ له؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانيّة كان أَبُو بَكْر يمثّل كلَّ قريشٍ، والصّراع لم يكن على حكم مَكّةَ (داخل ـ قرشيٍّ) بل كان على وراثة موقعاً يشمل قريشاً وغيرَ قريشٍ، أيْ إنّه صراعٌ تجسّدت فيه عَصَبِيّات البطون القرشيّة في مواجهة عَصَبِيّة اليثاربة، والَّتِي نظرَ إليها القرشيّون كعَصَبِيّة واحدةٍ؛ ففي الاجتماع كانت عَصَبِيّة قُريشٍ في مواجهة عَصَبِيّة الأنصار.
ما بدا خارقاً لابن خَلْدُون كان من جهة أولى، نتيجة توازنات قوىً داخل مجتمع المدينة كنا قد استعرضناه من قبل، ومن جهة ثانية، جنّب ـ أيْ تعيين أَبِي بَكْرٍ ـ القيادة الإِسْلاميّة في عهدها الأوّل أزمة صراعٍ داخليٍّ حادٍ بين الأجنحة القرشيّة القويّة، وبالذات بين جناحيْن فاعليْن في مكّةَ، الجناح الأمويّ، والجناح الهاشميّ.
كانت أجنحة المهاجرين النافذة تضم: الهاشميّين، والأمويّين، وبني زهرة، وبني المغيرة ومن كان مرتبطاً بهم، وحَتَّى لحظة البَيْعَة العامة لم يلتقِ بممثليهم، ولم يعطوه البَيْعَة عندما بايع النّاس البَيْعَة العامة؛ ونستطيع أنْ نقدّر أهميّة اعترافهم بنتيجة الاجتماعِ ما يُروى عن أنّ تأييد بني المغيرة، وبني عبد مناف كان موضع تساؤل أبي قحافة ـ والد أَبِي بَكْر ـ، والَّذِي اعتبر أنّ موافقتهما يجعل خلافة ابنه أمراً نافذاً.[17] وبالفعل تفاهم الخليفة سريعاً مع ثلاثة أجنحة رئيسة: الجناح الأمويّ، والَّذِي اجتمع إلى عثمانَ؛ وجناح بني زهرة الَّذِي اجتمع إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف، فوافق هذان الجناحان على إعطاء البَيْعَة،[18] أما بنو المغيرة فلا نعرف من كان يمثّلهم آنذاك، ولم تشر الرّوايات إلى اعتراضات من قِبَلهم ولا من قِبَل الأمويّين والزهريّين، مما يدلّ على أنّهم فضّلوا التفاهم مع الخليفة الجديد على معاداته؛ وكانت الدوافع التي حدت بهم لتأييد خلافة أبي بكْرٍ، هي:
1 ـ إنّ تعيين أبي بَكْرٍ يعطي قريشاً السُّلْطَة على مجمل الحركة الإِسْلاميّة، فحَتَّى مُحَمَّد لم يمنح قريشاً سلطةً بقدر ما منحها لهم أَبُو بَكْر، إذ كان مُحَمَّدٌ يستمد هيبته، وسلطته من نبوّته، مِن تمثيله السّماءَ، لا من تمثيله قريشاً، في حين أنّ أَبَا بَكْر تقلّد الخِلافَة نتيجة أربعة عوامل أحداهما قرشيته، أي إنّ أَبَا بَكْر يرسّخ بتعيينه القيمة القرشيّة سياسيّاً.
2 ـ لم تكن أيّة من هذه الأُسر القويّة تقبل بأنْ يتسلم موقع القيادة شخصٌ من الأسرة المنافسة، وبالذات الأسرة الأمويّة والهاشميّة، اللّتان كانتا على عداءٍ مستحكمٍ؛ كان مستحيلاً على الأمويّين تقبل هاشميٍّ في منصب الخِلافَة، كما لم يكن العكس مقبولاً بالنسبة للهاشميّين وبذلك حيّدت هذه الأسر بعضها بعضاً، مما حال دون أنْ يستلم أحدٌ منها زمام الأمور؛ وهذا ما حال دون تفجّر الصّراع بينها مما كان سيعود بعواقبَ وخيمةٍ على كلِّ الحركةِ الإِسْلاميّةِ، وعلى جميع القرشيّين، ويهدّد استقرار منطقة الحِجَاز، ولهذا كان يجب إبعادها جميعاً عن هذا الموقع.
3 ـ من المرجح أنّ مجموعات المهاجرين كانت تشعر بثقل هذه الأجنحة عليها، وبالذات بثقل الجناحيْن الرئيسييْن، فأرادت أن تنقل الهيمنة السِيَاسِيّة إلى جناحٍ ثالثٍ من أجل تحقيق توازنٍ سِيَاسِيٍّ أكبر بين البطون القرشيّة، وبهذا أجهض احتمال أنْ يتابع الهاشميّون والأمويّون صراعهم في إطارٍ إِسْلاميٍّ في فترة حُكْم أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ؛ أي حَتَّى هنا وبكل هذه التوازنات الَّتِي جاءت بأَبِي بَكْر، فإنّ تعيينه لم يخلُ من العامل العَصَبِيّ، وعلى مدى عهديْن (أَبِي بَكْر، وعُمَرَ) نعمت القيادة الإِسْلاميّة باستقرارٍ داخليٍّ هي بأمسّ الحاجة إليه من أجل بناء الدّوْلَة الفتية. وبهذا الاختيار استطاعت قيادة المهاجرين أنْ تتجنّب مخاطر الانزلاق لمهاوي صراعٍ مسلحٍ، وتمتعت المؤسَّسة الحاكمة باستقرارٍ على يد أَبِي بَكْر، وفيما بعد على يد عُمَرَ، فهيأها لمواجهة التّحديات المقبلة. وما إنْ يصل عثمانُ إلى مركزِ الخِلافَةِ حَتَّى ينشب الصراع الداخليِّ، وإنْ بدرجةٍ واطئةٍ، على أنّ الصّراع العَصَبِيّ سيبقى يحكم سير التَّارِيْخ الإِسْلاميّ، ويخفي الجوهر الحقيقيّ للّصراع الاجتماعيّ مع قليلٍ من الاستثناءات، مثلما جرى في عهدِ مُعَاوِيَةَ، عندما تمكّن من تجنيب الدّوْلَة الإِسْلاميّةَ التفتت الداخليّ على إثْر الصّراع الطويل والدامي مع عليِّ بن أبي طالبٍ، بفضل الظروف الموضوعيّة الَّتِي كانت تتمثّل بتوسّع الدّوْلَة، وهذا التوسّع حال دون تفتتها في أوانها الباكر.
ثمّة استثناءان جريا من قِبل شخصيتيْن أمويتيْن؛ الأوّل، وكان عندما رفضَ أبو سفيان ـ الزعيم الأمويّ النافذ ـ خلافة أَبِي بَكْر، وتوجه إلى عليٍّ، وهو يقول: «و اللَّه إنّي لأرى عجاجةً لا يطفِئها إلا دم! يا آل عبد مناف فيمَ أَبُو بَكْر من أموركم! واللَّه لئن شئت لأملأنَّها عليه خيلاً ورجالاً. أين المستضعَفان! أين الأذلان عليّ والعباس!»، وتساءل عن موقع أَبِي بَكْر في المجتمع المكّيّ، وأكّد أحقيّة بني مناف بالخِلافَة، ثُمّ اقترحَ على عليٍّ تنصيبه خليفةً، فرفض عليٌّ هذا العرض، فجعل أبو سفيان يتمثّل شعر المتلمّس:[19]
و لَنْ يُـقيمَ عَلَى خَسْفٍ يُـرادُ بِهِ إلّا الأذلاّنِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
هَذا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ بـرُمَّتِه و ذا يُشَجَّ فَلا يَبكي لَهُ أحَـدُ [20]
الاستثناء الثاني، كان في حالة خالد بن سعيد بن العاص، الَّذِي كان باليمنِ في حياة مُحَمَّدٍ، ولم يؤب منها إلا بعد شهرٍ على وفاة مُحَمَّدٍ، فلما عاين حال المدينة بعد رجوعه، قال معلقاً: «يا بني عبد مناف أغُلِبتم عليها!»، وفي رواية أخرى: «يا بني عبد مناف؛ لقد طِبْتم نفساً عن أمركم يليه غيركم!»، وبايع بعد مرور ثلاثة أشهر.[21]
إنّ استثنائيّة هاتيْن الحالَتين في الأسرة الأمويّة، تجعلنا نشكّك في صحة الخبريْن، والرّاجح أنّهما نُسجا في إطار الصّراع بين معاويةَ بنِ أبي سفيانَ وعليِّ بن أبي طالبٍ، أو بين الأسرة الأمويّة والهاشميّة لاحقاً، فقامت الدعاية الأمويّة بنشر هذه الرّاوية لسحب حقِّ الخلافة من عليٍّ، الَّذِي رفض اقتراح أبي سفيانَ للبيعة حسب الرّواية. ولعل الرّواية تريد مناقضة الدعاية الشّيعيّة القائلة بالتعيين بالنصّ، فإذا كان عليٌّ أقرّ بنتيجة الاجتماع، وتنازل على التعيين النصّي، ورضي قيادة شخصٍ لا ينتمي للأسرة الهاشميّة، ولا للأسرة الأكبر ـ المنافية ـ فأولى به ـ أو بشيعته ـ أنْ يوافق على شخصٍ أمويٍّ يشترك معه ـ علي ـ في الجدِ (عبد مناف). علاوة على أنّ الرّواية تضع مبدأ التعيين بالنصّ موضع تساؤل؛ أولاً، لأنّ أبا سفيان كان يحرّض عليّاً من منطلق العصبيّة المنافيّة، لا من منطلق وجود نصٍّ يقضي بتوليته الخلافة؛ ثانياً، إذا كان عليٌّ وهو المعني بالنصّ حسب المنظور الشّيعيّ قد تخلّى عن الخِلافَة، فإنّه جعل النصّ متقادماً في عهده هو، وبالتالي أصبح النصّ بحكم الميت بعد وفاته، ولا يعود لأحدٍ الحق بالمطالبة بالخِلافَة على أساس النصّ.
عليُّ بن أبي طالبٍ
بعد موافقة نخبِ المهاجرين على نتيجة السَّقِيْفَة، صار الجناح الهاشميّ في المدينة معزولاً؛ فطلب أَبُو بَكْر من عَلِيّ بن أبي طالبٍ عقد اجتماع،[22] والذي جرى بحضور شخصيّات المدينة البارزة، وفي هذا اللّقاء طلب عُمَر بن الخطّابِ من عليّ مبايعة أَبِي بَكْر؛ لكن عليّاً رفض المبايعة، وقال لهم بأنّهم احتجوا على أحقيّة أَبِي بَكْر بانتماء مُحَمَّدٍ لقريشٍ، وأنّهم أقرباؤه ولهذا من حقهم أنْ يتسلّموا القيادة من بعده وفق نفس الاعتبار لأنّ الهاشميّين هم أقرباء مُحَمَّدٍ الرّاحِل، وعلى أَبِي بَكْر وصحبه الاعتراف بذلك كما اعترفت الأنصار لهم.
و إذ أصرّ عُمَرُ على أخذ البَيْعَة منه، فإنّ أبا عبيدة تدخل من أجل أنْ يشرح لعليٍّ بأنّ النّاس قد رضوا وبايعوا، وعليه أن يحتذي مثال الناس؛ لكنّ علياً رفض البَيْعَة، فأضاف أبو عبيدة لِما سبق من كلامه بأنّ أَبَا بَكْر ذو تجربة أوسع وخبرة أعمق بشئون الحياة، ومعرفة أكبر بالناس.[23]
أَبُو بَكْر الَّذِي كان يتابع بدقة النقاشات، أدرك بأنّ عليّاً لن يعطي البَيْعَة الآن، فتدخل في النقاش بلغة دبلوماسيّة معهودة عنده، فأكّد له بأنّه لو كان يعرف أنّ موقفه ـ أيْ موقف عليِّ ـ سيكون على هذا النحو لما وافق على تسلّم زمام الأمور، لكنّ مجريات الأحداث قد أخذت طريقها، ولم يعد بالإمكان تغيير اتجاهها. ثُمّ أكد له أنّ الأمرَ متروكٌ له، وإذا أراد أنْ يتدارس موقفه، فشأنه بذلك.[24]
تسارع الأحداث
و في تطور سريع للأحداث بعد ذلك، توجه عُمَر بن الخطّابِ إلى منزلِ عليٍّ، وكان فيه طلحة والزُّبَيْر ورجالٌ من المهاجرين؛ فهدّد بإحراق المنزل إذ أصروا على عدم إعطاء البَيْعَة؛[25]وقد رافق عمرَ شخصيّات أنصاريّة بارزة، مثل: أُسيد بن حُضيَر، وسلمة من سلامة بن وقش (من بني عبد الأشهل)، وثَابِت بن قَيْس بن شماس (خزرجي)، إضافةً إلى خَالِد بن الوَليد،[26] ويقول اليعقوبي إنّ أَبَا بَكْر كان معهم أيضاً.[27]
على أيّ حالٍ لم يجرِ قتالٌ، وكل ما تورده الرّوايات أنّ الزُّبَيْرَ خرج شاهراً سيفه، ويبدو أنّه كان راغباً بإظهار تحديه، لا غير؛[28] وانتهى هذا التهديد العُمريّ دون أيّة عواقبٍ، ودون أنْ نعرف كيفيّة انتهائه، ومن منع التهديد من التّحوّل إلى فعلِ عنفٍ. وثمّة معلومات تشير إلى أنّ سبب هذه المداهمة، وتهديدِ عُمَرَ بإحراق المنزل يعودان إلى وجود مجموعة في الدار كانت ترتب عملية مبايعة علي،[29] ولهذا فنحن نعتقد أنّ عمرَ لم يجئ حاملاً الشّرَّ، ولم يكن ينوي جدياً إحراق الدار، بل جاء مهدداً، متوعداً لا غير بطلب من الخليفة الجديد، من أجل ألا يفكروا بتنصيب خليفة موازٍ، وبهذا أراد أَبُو بَكْر ألّا يورط نفسه في صراعٍ داخليٍّ مبكرٍ، لكنْ بنفس الوقت لم يستطع إلّا أنّ يحذّر الرافضين من مغبة القيام بتحرك معادٍ، لاسيّما ما كان يشكّله عليٌّ من تهديد كامن لاستقرار الحكم، وإذا صحت هذه الفرضيّة فالراجح أنّ أَبَا بَكْر تدخّل لإنهاء تهديد عُمَرَ، وبهذا يظهر للهاشميّين، أنْ أمنهم منوط به، وليس بمعاداته.
لم ينتهِ الأمر بعد، فقد تحرك عَلِيّ بن أبي طالبٍ في محاولة أخيرة لانتزاع السُّلْطَة من يدي أَبِي بَكْر، ويبدو أنّ هذا التحرك جاء بتحريضٍ من فاطمةَ ـ زوجه، وبنت مُحَمَّدٍ ـ؛ فخرج يحمل فاطمةَ على دابة ليلاً في مجالس الأنصار، وتسألهم هي النَّصرة (العون)، فقالوا لها لو أنّ عليّاً طلب هذا الأمر قبل أنْ تتم البَيْعَة لكانوا أعطوه، لكنّ الأمر تمّ؛[30] فلم يثمر هذا التحرك شيئاً، سيّما أنّ الأنصار لم يجدوا أيّةَ فائدةٍ من تغيير الشخص المتربع على السُّلْطَة، فبالنسبة إليهم ينتمي عليّ وأَبُو بَكْر لقريشٍ، ولا معنى إذاً من مناصرة أحد على أحدٍ.
من جهة أخرى تضامن مع عليٍّ في موقفه كل من: عتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسيّ، وأبو ذَرّ الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبيّ بن كعب، الَّذِين لم يعلنوا البَيْعَة لأَبِي بَكْر، علاوة طبعاً على العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزُّبَيْر بن العوام.[31]
بقي عليّ ما بين الشهرين والنصف إلى الستة أشهر رافضاً الاعتراف بأَبِي بَكْر خليفة؛ ولم يبايع حَتَّى توفيت زوجه فاطمة، الَّتِي كان وجودها إلى جواره أحد عوامل هيبته بوصفها بنتاً لمُحَمَّدٍ، فلمّا توّفيت ضعف اعتباره في المدينة، وشرع الناس يبتعدون عنه، عندها رأى أنّ من مصلحته الإقرار بالبَيْعَة،[32] وحينما التقى أَبَا بَكْر ليعطيه البَيْعَة، قال له مبرراً سبب تأخره: «ما غضبنا إلّا لأنّ أُخِّرْنا عن المشورة».[33]
رجع بعيد (لمعة)
ذات يوم مدح الوجيه القيرواني المستنصر باللَّه (588 ـ 640 ﻫ) بقصيدة جاء فيها:
لو كنتَ في يوم السَّقِيْفَة حاضراً كنتَ المُقَدَّمَ والإمامَ الأَوْرعا
فقال قائل بحضرته: «أخطأت، قد كان حاضراً العبّاس جدّ أمير المؤمنين، ولم يكن المُقَّدم إلّا أَبُو بَكْر»؛ فأقرّ ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة، وأمر بنفي الوجيه، فخرج إلى مصرَ.[34]
المَوْقِفُ العامّ والمُهِمّات الأولى
كان جو المدينة مكفهراً، ومنذراً بهبوب ريح عاصِف بعدما صبغ اجتماع السَّقِيْفَة لوحة يثرب السياسِيّة بألوان قاتمة، قابضة للنّفْس؛ فلم تكن سُلْطّة الخليفة الجديد قد ترسخت بعد، وستحتاج هذه السُّلْطَة لفترة طويلة قبل أنْ تحقّق استقرارها، وقد انعكس هذا التوتر فيما جرى مع عبد الرّحمن بن عوف الزّهري ـ أحد العشَرة المشهود لهم بالجنّة ـبُعيد الاجتماع، وعشيّة البيعة العامة، حيث أثار ابن عوف جدلاً مع الأنصار، حاجج فيه على أنهّم مهما كانوا يتمتعون به من مناقب، وخصائص، إلّا أنّهم لا يملكون شخصيّة بمستوى أَبِي بَكْر، كان النقاش في تَجمّعٍ يضم المهاجرين والأنصار؛[35] مما ألبّ الأنصار عليه، ودفع زيد بن الأرقم (خزرجي) للردّ عليه، فذكّره بوجوه الأنصار البارزة، مثل سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وغيرهم، ثم نصحه بالانصراف وعدم استثارة مشاعر الأنصار، وإلّا عاد ذلك عليه وعلى صاحبه ـ أي أَبِي بَكْر ـ بعواقب وخيمة.[36] ومن المؤكد أنّ هذه المشادة نشأت على خلفية تذمر استشعره ابن عوف، أو سمعه من الجناح الخزرجي، وهم الأكثر تذمراً، مما أثار حفيظته وورطه في جدلٍ أراد أنْ يثبت فيه أفضلية أَبِي بَكْر بالمقارنة مع نخب الأنصار، ولما علم أَبُو بَكْر بما جرى أبدى اعتراضه على إثارة هذه النَّعَرات، وخصوصاً أنّ الأنصار قد بايعوا، ولم يعد الجدل بصدد أفضلية هذه الشخصيّة أو تلك مجدياً، بل ضاراً.
الخِلافُ بصدد مكان دفن جُثْمَانِ مُحَمَّدٍ
على الرّغم من أنّ أَبَا بَكْر تمكّن من كسب الأسر القرشية المتنفذة، وحيّد سعدَ بنَ عُبادةَ، وعليّ بن أبي طالبٍ، إلّا أنّه مازال عليه معالجة تداعيات السَّقِيْفَة، وتجاوز عقبات في وجه ترسيخ سلطته، وحوائل دون توطيد الاستقرار السياسِيّ في المدينة، وكان الخلاف بشأن مكان دفن جثمان مُحَمَّدٍ انعكاساً لاختلاف القوى القبليّة ـ السياسِيّة في المدينة ومحاولة كل طرف من جانبه تعزيز موقع قبيلته؛ فطالب المهاجرون بنقل الجُثْمَان إلى مَكَّة ودفنه هناك لأنّها مسقط رأسه، بينما طالب الأنصار بدفنه في المدينة لأنّها دار هجرته ومقرّ أنصاره، وأرادت جماعة ثالثة نقله إلى بيت المقدس (القدس) من أجل دفنه هناك حيث يوجد قبر إبراهيم، وكثير من الأنبياء؛ ولا تحدد المصادر أسماء الشّخصيّات الَّتِي تقدمت بهذا الاقتراح، ولا لِمَنْ ينتمون، والكيفيّة الفنيّة لنقل جُثْمَان مُحَمَّدٍ، ومن المفترض أنّها قوى لا تنتمي للأنصار ولا للمهاجرين، وأرادت باقتراحها سحب هذا الامتياز منهما.
أدرك أَبُو بَكْر ببعد رؤيته ما ينطوي عليه هذا الخلاف من مخاطر، وأنّه يعكس شقاقاً غير منظور في مجتمع المدينة، حيث يستهدف كلُّ جانبٍ نيل عامل قوة معنويّة؛ فقرر حسم المسألة لأنّه كان الوحيد القادر على تذكّر النّصوص في المواقف العَصِيْبة، فقال لهم إنّ ثمّة حديثاً نَبَوِيّاً ينصّ على أنّ الأنبياء يجب أنْ يُدفنوا في مكان موتهم «ما قبض اللَّه نبيّاً إلّا في الموضع الَّذِي يحب أنْ يُدفن فيه».[37] إذاً، لا أحدٌ يملك حقَّ المطالبة بجُثْمَان مُحَمَّدٍ، إنّ اللَّه وحده مَنْ يختار المكان، وإرادة اللَّه شاءت أن تكون يثرب مرقدَ مُحَمَّدٍ الأخير، وليس لبشرٍ أنْ يدّعي أنّ هذا الامتياز ممنوح له بسبب من أفضليّة خاصة عنده، أو أنّ الآخرين حُرموا منه بسبب من نَقِيْصة فيهم.
الموقف السياسِيّ العام
تمكن أَبُو بَكْر من التعامل مع مسألة مكان الدفن بعزيمة قوية، ومرونة دبلوماسيّة، وقدرة على تذكّر نصوصٍ لم يكن يتذكرها أحدٌ من الصّحابة؛ فاستطاع بذلك معالجة موقف كان يمكن أنْ يتحول إلى قضية تقسّم المجتمع. كانت مسألة الدفن بسيطة جداً، ولم تحتج منه إلّا إلى نصٍّ نَبَوِيّ واحدٍ، والآن عليه التصدي للمهمة الأولى والأساسيّة، وهي أشد تعقيداً، وأصعب معالجةً؛ كانت المسألة مكّونة من مجموعة قضايا، وهي كيف له أن يرتب الوَضْع الداخليّ في المدينة، ويكبح أيَّ صراعٍ محتملٍ بين المهاجرين والأنصار من جهة، ويجعل سلطته أمراً مقبولاً للجميع.
كانت المعطيات السِياسِيِّة أمامه كالتالي:
هناك أزمة حادة مع الهاشميّين، الَّذِين حاولوا تنصيب عليّ بن أبي طالبٍ خليفةً حسب إحدى الرّوايات، ويبدو أنّ مسعاهم كان جارياً على قدم وساق للقيام باجتماع تشاوري جديد، من أجل نقل منصب الخلافة إلى عليٍّ، وكانت الشخصيّات الَّتِي تتحرك بهذا المسار: المقداد بن الأسود، سلمان الفارسيّ، أبو ذَرّ الغفاري، عبادة بن الصامت، وحذيفة، وأبو الهيثم بن الَّتِيهان،[38] وإذا كان هذه التحرك صحيحاً، فلا يمكن أن يصدر عن هذه الشّخصيّات؛ لسبب بسيط هو افتقادها لكلِّ نفوذٍ يحميها من ردة فعل الخليفة، إلا إذا كانت هذه المجموعة مُلحقة بجماعة هاشميّة، أو على الأقلّ كانت واجهة للأسرة الهاشميّة؛ واليعقوبي يلمح إلى هذا عندما يقول بأنّ أَبَا بَكْر حاول أنْ يقوض تحركاً كان يهدف لتَوْلِيَة عليّ وذلك عبر استمالة العباس، فعرض عليه نصيباً، لكنّ العباس رفض، قائلاً: «إنْ كان هذا الأمر لنا فلا نرضى ببعضه دون بعض»،[39] أمّا ما هو النصيب فلا توضحه المصادر.
من جهة ثانية كان ثمّة توجس من أنْ يتحرك الأنصار، ويطالبوا بإلغاء نتيجة السَّقِيْفَة؛ وكل تلك المعطيات أقلقت المهاجرين، ولاسيّما شخصيّات قرشيّة بارزة كانت تكنُّ عداءً شخصيّاً للأنصار، مثل: سهيل بن عمر، والَّذِي كان وقع في الأسر يوم بدر؛ والحارث بن هشام، والَّذِي ينتمي للفرع المخزوميّ، وقد جُرح يوم بدر؛ وعكرمة بن أبي جهل، الَّذِي قُتل أبوه يوم بدر. كما ازدادت حدة التّلاسن بن القرشيّين والأنصار، وكان عَمْرو بن العاص طرفاً فيها، وكذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط، الَّذِي أُسر أبوه يوم بدر، وقتل في الأسر على يد الأنصار.[40]
كلُّ ذلك جعل سماءَ المدينة تتلبّد بغيوم الشرِّ، المنذرة بأنّ فيضان حرب داخليّة سيُغرق مَعْقِلَ حركةِ الإِسْلامِ. كان كلُّ شيءٍ في يثربَ ينبئ بأنّ ساعةَ الانفجارِ قريبةٌ، وكانت المهمات الَّتِي جابهت أَبَا بَكْر عسيرة الحل، إذ كان يتوجب عليه إيجاد حلٍ للمعضلة التّالِية: «كيف له أنْ يوّحد هذه المجموعات المتنافرة»، وبدا له أنّ نجاحه سيكون منوطاً كليّاً بالصراع مع الآخر، مع من هو خارج المدينة، لقد وُضع أَبُو بَكْر أمام معضلات سياسِيّة داخل مدينة يثربَ تماثل تلك الَّتِي كانت فيها عشيّة حملة تَبُوْكَ؛ وإنْ كانت أشد تعقيداً من كلِّ النواحي.
أمّا الوضعيّة السياسِيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة فكانت على النحو التالي:
ثلاثة أنبياء في الجَزِيْرة العَرَبِيّة كما تقول الروايات (مُسَيْلِمة، طُلَيْحَة، العَنْسيّ)، والأصح نبيّ واحد (مُسَيْلِمة)،[41] مقابل حركة دينيّة ـ الإِسْلام ـ مات نبيها، فانقطعت صلتها بالسماء. ومن جهة أخرى كانت القبائل العربيّة الَّتِي دانت لِمُحَمّدٍ قد رأت أنّ علاقتها كانت مع مُحمّدٍ القائد السياسِيّ، والزعيم القبليّ، وحسب، لا مع محمّدٍ النَّبِيّ، مؤسِّس الدين، وحركته الناهضة ككلٍّ؛ ولهذا كانت هذه القبائل تعتبر أنّ ولاءها كان للزعيم الَّذِي مات، فانتهى ولاؤها بغيابه.
أما ردّة فعل مَكَّة، والَّتِي لم يتجذر فيها الإِسْلام كدين، فقد تحرك أغلب أهلها نحو رفض الإِسْلام ديناً، والانقلاب على السُّلْطَة الإسْلاميّة، حتى إنّ عَتَّاب بن أُسيد ـ والي مَكَّة، وكان مُحَمَّدٌ قد عينه عليها ـ خشي على نفسه، فتوارى عن الأنظار.
لكنّ نخبة قريشٍ كانت قد أدركت ومنذ زمن أنّ مصالحها الاقتصاديّة تشابكت بشدة مع الحركة الإسْلاميّة، ووعت الآن أهميّة الإِسْلام بالنسبة لها، ولنفوذها، ورأت كيف أنّ الحركة الإسْلاميّة تخضع تدريجياً لها، كما تبين لها أنّ الحركة الإسْلاميّة ليست حركة مقاطعة جذريّة للحالة الاجتماسيّة قبل ـ إسْلامية، بل على العكس كانت هذه الحركة تطويراً أصيلاً لهذه الظروف؛ لأنّها استوعبتها وفق إيديولوجية توحيدية، أي إنّها لم تسعَ لقطع حركة المجتمع ولم تسبب انعطافاً عكسيّاً في مسار الجَزِيْرة العَرَبِيّة بل كانت دافعة أماميّة في مسارها التاريخيّ. وإذا اعتبرنا الحركةَ الإسْلاميّةَ حركةَ مقاطعةٍ للماضي؛ فإنّ هذا كان على المستوى النظراني البحت، فالقطيعة كانت سيكولوجيّة عندما أعلنت رفض الوثنيّة لصالح التوحيد الدينيّ، فالمسار التّطوّري في الجَزِيْرة العَرَبِيّة يكون من الوثنيّة نحو التوحيد، أما الانحطاط الاجتماعيّ فيتجلى في نمو النزعة الوثنيّة، وحتّى في إطار الإيديولوجيا التوحيديّة ـ الإِسْلام ـ كما سيحدث لاحقاً، وقد واجهت الحركة الوهابيّة انحطاط بيئتها عبر المواجهة مع الوثنيّة الَّتِي نمت بتربة الإِسْلامِ.
دون أخذ هذه الاعتبارات لا يمكن تفسير بقاء قريشٍ على الإِسْلام بُعيد وفاة مُحَمَّدٍ، وعلى الرّغم من أنّ إقرارها بالإِسْلام كان شكلياً وحسب كما تبين السّيّرة اللاّحقة لنخبها في مراحل التاريخ الإسْلاميّ الأولى، وإثباتاً لما يراه البعض من أنّ ساداتِ قريشٍ كانوا زنادقة يورد المعريّ في رسالته شعراً لقرشيّ، وتُروى لشدّاد بن الأسود اللَّيثي:
ألا مَن مُبلغ الرّحمنِ عنّي بأنّي تارِكٌ شَهرَ الصّيام؟
إذا ما الرأسُ زايَلَ مَنكِبَيْه، فقد شَبعَ الأنيسُ من الطّعامِ
أيوعدنُا ابنُ كَبْشةَ أن سنحيا؟ و كيفَ حياةُ أصداءٍ وهامِ؟
أتترُكُ أن تَرُدّ المَوْتَ عَنّي، و تُحيْيَني إذا بَلِيَتْ عظامي؟[42]
لقد فهمت نخبة قريش ضرورة الحفاظ على سيرورة مركزة الجزيرة العربيّة، والَّتِي شرعت بها الحركة الإسْلاميّة على مستوى الحِجَاز، فقدّرت هذه النخبة أنّ تقدم مَكَّةَ، وارتقاء قريشٍ مشروطان بالمحافظة على العلاقة بين يثرب ومَكَّة، واستمرارية دعم الحركة الإسْلاميّة، ثم إن نخبة قريش حدست أنّ أيَّ تخلٍ عن الإِسْلام يمكن أن يفقدها مواقعها الاقتصاديّة النافذة في اقتصاد الجَزِيْرة العَرَبِيّة التّجاريّ، بسبب الصّراعات الَّتِي ستسيطر على الجَزِيْرة العَرَبِيّة مجدداً، ولم يكن القرشيون قد برؤا بعد من تضرر حركة تجارتهم في سنوات الصّراع مع مُحَمَّدٍ.
إنّ إدراك نخبة قريشٍ لذلك من جهة، وطمعها في تعزيز مواقعها الاقتصاديّة والسيا ـ دينيّة قد حدا بها للتحول من أشد أعداء مُحَمَّدٍ ودعوته، إلى أنصار له عندما تبين لها أنَّ شرط تطورها، هو شرط مركزة الجَزِيْرة العَرَبِيّة. ولهذا تحركت هذه الأرستقراطيّة عبر أحد ممثليها ـ سُهيل بن عمرو ـ، الَّذِي قام خطيباً، فحذر القرشيّين من مغبة التّمرد، وهدد بضرب عنق كل من يثور؛[43] لكنّ تهديد ممثل النخبة القرشيّة كان مشفوعاً بشرطٍ على نفسه، بقوله: «أقرُّوا أميركم، وأنا ضامن إنْ لم يتمّ الأمر أنْ أردها عليكم»؛[44] فخمدت أوار الفتنة الَّتِي كادت أن تشتعل فيها انتفاضةً على الإِسْلام، وظهر عتَّاب بن أسيد مرة أخرى.
منذ الآن أصبحت العلاقة بين مَكَّة والحركة الإسْلاميّة علاقة بين طرفيْن يشترطان بعضهما بعضاً، فمَكَّة لم تعد تستطيع التّطورّ إلا في إطار المنظومة السياسِيّة للإِسْلام ودولته المرتقبة، كما أن دولة الإِسْلام كانت تحتاج لقريش لسببيْن: أولاهما، إنّ النفوذ الإسْلاميّ تأسَّس على وراثة مَكَّة، كمنبع للمقدّس؛ وثانيهما، كان ثَمّة حاجة ملّحة لوجود عصبيّة قائدة للدولة، وفي ظرف الحِجَاز، كان عصبيّة قريشٍ هي المرشحة الوحيدة للعب هذا الدور. وترشيحها لم يكن منحصراً في الكِفايةِ القرشيّة وحسب، بل يتعداه إلى عامل الجغرافيا، والقوة الاقتصاديّة، والنخبوية الدينيّة، في حين أنّ الأنصار كانوا فاقدي عناصر القوة الموازية لعناصر قريشٍ. فالأنصار اُشتهروا بأنهّم أهلُ حربٍ، بينا لم يشتهر القرشيون بذلك، بل بالحكمة والدهاء السياسِيّ الناتجان عن ظروف مَكَّة الجغراسية؛ ولهذا صار القرشيون الأداة الرئيسة للحركة الإسْلاميّة بعد أن كانوا طوال سنوات طليعة أعداء الإِسْلام، هذا لأنهم هم أصحاب المشروع؛ فجذور الإِسْلام نمت في تربة مَكَّة، من رحم هذه المدينة أبصر الإِسْلامُ النورَ، وكان طبيعياً أن ترعى مَكَّة الحركة الإسْلاميّة الفتيّة حتى تشب عن الطوق. وأهمية العصبيّة القرشيّة للدولة الإسْلاميّة تعكسها القصة المصنوعة التّالية: إذ يُحكى أنّ عُمرَ بن الخطّاب مرّ بحلْقة، وفيها: عثمان وعليّ وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد؛ فلما دنا منهم سكتوا، فقال:«فيمَ أنتم؟» فلم يجيبوه. فقال لهم أظن قلتم: «ما أخوفَنا على قريشٍ من العرب. وأخلقهم ألّا يقرُّوا بهذا الأمر!»، قالوا: «صدقت»، قال: «فلا تخافوا هذه المنزلة، أنا واللَّه منكم على العرب أخوفُ منّي من العرب عليكم؛ واللَّه لو تدخلون معاشرَ قريشٍ حُجْراً [45] لدخلت العرب في آثاركم؛ فاتقوا اللَّه فيهم».[46]
لا شك إنّ انتقال القيادة إلى قرشيٍّ ـ أَبِي بَكْر، لعب دوراً رئيساً في انصياع القرشيّين لتهديد ابن أُسيد، ومحافظتهم على ولائهم للإِسْلام، وهذا مما يزيد من أهميّة نتائج الاجتماع. إذ لو انتقلت الخلافة إلى الأنصار لما تمكنت نخبة قريشٍ من السّيطرة على تمردّ القرشيّين، هذا إذا كانت قد تحركت في هذه الحالة؛ وكانت النتيجة الحتميّة في هذه الحالة تقوّض الحركة الناهضة.
إلى جنوب مَكَّة حيث تقع الطائف، لم تعلن هذه الحاضرة التّمرّد، ولم يكلّف بقاءها على ولائها للإِسْلام إلا خطبةً من عثمانَ بنِ أبي العاص ـ ممثل مُحَمَّدٍ فيها،[47] أي إنّ الطائف لم تتجه أبداً لمواجهة يثرب الإسْلاميّة، وذلك وفق مجموعة اعتبارات، وهي بالتحليل الأخير تصاقب بواعث مَكَّة، حيث إنّ المجتمع الثّقفي كان يعيش بدوره مخاض تجاوز المرحلة القبليّة، وكان يشتكي من تفتت النّظام الاجتماعيّ في الجَزِيْرة العَرَبِيّة ويتوجس دائماً من القبائل البدوّية. وبذلك تكون مَكَّة، والطائف قد قدمت بالحفاظ على علاقتها بالحركة الإسْلاميّة فائدة كبيرة للحركة، وذلك عندما حذت حذوها القبائل المقيمة بين مَكَّة والمدينة الطائف، وقررت البقاء في إطار السلم الإسْلاميّ، فقد ثبتت مُزَيْنةُ، وغِفَار، وجُهَينة، وبَليّ، وأشجع، وأسلم، وخُزاعة.[48]
كان أَبُو بَكْر يدرك إدراكاً عالياً الصّورة العامة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ويحسب حساب انفجار الوَضْع الداخليّ في المدينة؛ ومن جهة أخرى كان يقدّر أنّ بقاءَ مَكَّةَ والطائفَ على علاقتهما بالإِسْلام سيرتبط بالفوائد الَّتِي ستجنيهما المدينتان من هذه العلاقة، وأيّة علاقة لا تفيد مَكَّة أو الطائف سينتج عنها انفصالهما عن المشروع الكبير، مما يضعضع الحركة الإسْلاميّة.
الأمر الأوّل (ربيع الأول 11 ﻫ/ حزيران (يونيو) 632 م)
فرضت هذه الوضعيّة على أَبِي بَكْر ابتكار الحلول وبسرعة، وكانت عنده تجربة سابقة تساعده على استنباط الحلول، ألا وهي تجربة حملة تَبُوْك، وهي ليست تجربة مُحَمّدٍ وحسب، بل كانت مُلخّصاً لتجارب الحركة الإسْلاميّة، فعلى مدار عشْر سنوات تقريباً صقلت المعارك الَّتِي خاضتها الحركة لإسْلاميّة نخبتها، وسقت شخصيّاتها، ومنحتها مواهب سياسِيّة فريدة، والَّتِي ستستثمر جيداً أيام أَبِي بَكْر؛ لقد كانت ظروف المدينة الداخليّة ترغمه على شنّ الحروب الخارجيّة كما أرغمت من قبل مُحَمَّداً.
تأتّى على أَبِي بَكْر استثمار الممكنات المتاحة لأقصى حد، وإذا قيّمنا الظروف القائمة وقتها، فإن الحظّ ـ بتعبير مكيافللي ـ كان يعلي من شأنه؛ لأنه وفّر له ولمدينته المضطربة الأعداء، الَّذِين سيسمحون له برص جبهته الداخليّة. وفي البدء كان على أَبِي بَكْر أن يهيئ الظروف في الخارج من أجل دفع القبائل المحيطة به على خوض الحَرْب معه؛ ليحاربهم تحت شعار نشر الإِسْلام، وإعلاء كلمته. كان أَبُو بَكْر النّموذجَ المثالي للأمير المكيافلليّ، الَّذِي إذا لم يكن الحظّ قد وّفر له الأعداء الكافلين بتوحيد مركزه، وتعزيز نفوذه؛ فإنّه كان قادراً بكل ما أُوتي من مكرٍ على خلق عداوات له.[49] إنّ كلَّ أميرٍ ناجحٍ قادرٌ على خلق أعداءٍ له، ولن يتأخر أَبُو بَكْر ـ الأمير الناجح ـ عن خلقهم بنجاح؛ ولهذا توجه إلى المسجد، وهناك تشاور مع الناس بصدد تكليف أسامة بمتابعة المهمة الَّتِي كلّفه إياها مُحَمَّدٌ عشيّة رحيله، فأقترح عُمَرُ بن الخطّاب عدم إنفاذ جيش أسامة،[50] وعلى ما يبدو من أجل المحافظة على القوة العسكريّة اللاّزمة لمواجهة احتمالات هجمات البدو على المدينة، الَّذِين قد يستغلون فرصة التوتر السياسِيّ في الداخل للقيام بعمليات نهب، أو لقلقه من قيام تحرك داخليّ ـ أنصاريّاً كان أو هاشميّاً، ولا توجد نصوص بصدد النّقاش الَّذِي دار، وما هي الشخصيّات الأخرى الَّتِي تدخلت في النقاش، لكنّ الصوت الوحيد المعارض كان صوت عمرَ.
كان الخيار الوحيد بالنسبة لأَبِي بَكْر هو المضي قدماً في تنفيذ حَمْلَة أسامةَ، وقد تحدّد هذا الإلزام بوصفه زعيماً جديداً، استلم السُّلْطَة، وفي مدينته أجنحة ترغب بأن يكون الخليفة من أفرادها، إن كانت من الأنصار أو من المهاجرين، ووجوده في أرض ليست وطنه، ولهذا أصدر أوامره لأسامةَ بالتوجه لتنفيذ مهمته الَّتِي كلّفه إياها مُحَمَّدٌ عشيّة رحيله، وعندها عاد عمرُ واقترح تأخير المهمة لمدة عام، إلّا أنّ أَبَا بَكْر بقي على رأيه ولقي تأييداً من النّاس.[51]
وجه أَبُو بَكْر الجيش حسب تعليمات مُحَمَّدٍ الَّتِي أصدرها عشية رحيله؛ فكانت مهمة أسامة تنحصر بالتوجه صوب قبائل قُضاعة، وهي قبيلة تسكن قريباً من تخوم فلسطين.
قُبيل الانطلاق، وعندما كان أسامة بالجرف، أرسل عمرَ إلى أَبِي بَكْر، مقترحاً عليه البقاء حمايةً للمدينة، وباعتقادنا فإنّ الفكرة جاءت من عمرَ الَّذِي نافح عن مسألة بقاء جيش أسامة، وقد طلب مقاتلي الأنصار من عمرَ أيضاً نقل رغبتهم إلى الخليفة بتكليف من هو أسنّ من أسامة لقيادة الجيش في حال إصراره على المضي قدماً؛ بيد أنّ أَبَا بَكْر رفض كلى الأمرين، وخرج بنفسه ليشيّع الجيش، وطلب من عمرَ البقاء معه.[52]
هنا علينا أن نتوقف عند طلب مقاتلي الأنصار قائداً أسنّ من أسامة، حيث يعطي طلبهم الانطباع بأنّهم كانوا يشكّلون أغلبيّة قوات الحَمْلَة، ونحن نعلم أنّ المقاتلين كانوا قد أخذوا أَهْبَتَهم تقريباً عشية وفاة مُحَمَّدٍ، وأنّ مُحَمَّداً حثّهم على الإسراع والمضي بالحَمْلَة، فهل كان مُحَمَّدٌ يرغب بتوجيه هذا الجيش من أجل إتاحة الفرصة للمهاجرين بتولي الخِلافَة بعد وفاته، حيث كان يستشعر أنّ منيته قد دنت منه، فأراد أنْ يوفّر أفضل فرصة للمهاجرين بالتخلص من مقاتلي الأنصار؛ وعندما تبوأ أَبُو بَكْر الخلافة، فكّر أنّه من المناسب أنْ يمضي هذه المهمة، ولكن من أجل هدفٍ آخر، وهو صرف الأنصار عن النّقاش بصدد مسألة الخلافة، وذلك بتقديم مادة بديلة لهم، وما يرجح ذلك أنّ المصادر تقول بأنّ أسامة نفذ أوامر أَبِي بَكْر، وهي نفس أوامر مُحَمَّدٍ، وإنّ مهمته استغرقت قرابة أربعين يوماً وبعض الروايات تقول سبعين يوماً،[53] ولا يوجد في المراجع التاريخيّة تحديدٌ لعدد قوات هذه الحَمْلَة، ولا قوة جيش العدو، ولا من هو العدو، ولا خسائره؛ كما ليس واضحاً ما هي الغنائم الَّتِي حصل عليها جيش أسامة. إضافةً إلى كلِّ ذلك، فإنّه لم يلحق أيُّ أذىً بأحدٍ من عناصرها؛[54] أي إنّ كلَّ المؤشرات تتجه للقول بأنّ الحملة كانت بالنسبة لِمُحَمَّدٍ تهدف للتخلص من مقاتلي الأنصار لأنّها لم تتوجه إلى أحدٍ بعينه، وبالنسبة لأَبِي بَكْر كانت مهمة استعراضيّة، ولتعزيز موقفه الداخليّ، وضبط النّقاشات العقيمة والضارة عن أحقيّة هذا الشخص أو ذاك. وستخدم هذه المهمة ـ وربما دون قصدٍ ـ استراتيجيّة أَبِي بَكْر فيما بعد.
[1]تاريخ الخلفاء، 141.
[2]تاريخ الطبري: 2/ 46؛ تاريخ الخلفاء، 147، 149.
[3]الأحزاب/ 53.
[4]تفسير الطبري والقرطبي، الأحزاب/ 53؛ تاريخ الخلفاء، 147 ـ 149تفسير الطبري، النور: 31.
[5]تفسير ابن كثير، البقرة/ 219؛ تاريخ الخلفاء، 149.
[6]تاريخ الخلفاء، 165؛ ابن سعد: 3/ 282؛ الشيخان، 202.
[7]تفسير الطبري، التوبة: 84؛ تاريخ الخلفاء/ 149.
[8]تفسير البقرة: 187 عند القرطبي، الطبري، ابن كثير، البيضاوي، البغوي.
[9]تاريخ الخلفاء، 143.
[10]تاريخ الطبري: 2/ 306؛ الكامل: 2/ 383.
[11]ابن هشام: 2/ 661؛ الكامل: 2/ 332؛ شرح نهج: 2/ 8.
[12]قيس بن سعد، الإمامة والسياسة.
[13]تاريخ الطبري: 2/ 244؛ الكامل: 2/ 331؛ ابن سعد: 3/ 616؛ الإمامة والسياسة: 1/ 11.
[14]ابن سعد: 3/ 616 ـ 617؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 294؛ الإمامة والسياسة: 1/ 11؛ شرح نهج: 2/ 4.
[15]فِرق الشِّيْعة، 3 ـ 4.
[16]شرح نهج: 2/ 520؛ فصول من تاريخ الإسلام السياسي، هادي العلوي، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا، قبرص، 1995، ص 198، 199.
[17]تاريخ الخلفاء، 92؛ أُسد الغابة: 3/ 227؛ ابن سعد: 3/ 184؛ شرح نهج: 1/ 52.
[18]الإمامة والسياسة: 1/ 11 ـ 12؛ شرح نهج: 2/ 5.
[19]المتلمّس الضبعي، جرير بن عبد العزى ـ أو عبد المسيح (ح 525 م ـ 569 م/ 50 ﻫ).
[20]تاريخ الطبري: 2/ 237؛ الكامل:2/ 326؛ تاريخ الخلفاء، 86 ـ 87.
[21]تاريخ الطبري: 2/ 331؛ ابن سعد: 4/ 97.
[22]في رواية أخرى أن علياً هو الَّذِي توجه إلى أَبِي بَكْر واتهمه بأنه غصب حق الهاشميين في مسألة الخلافة (مُروُج الذّهَبِ: 2/ 302).
[23]كتابُ الرَّدة، 78 ـ 79؛ الإمامة والسياسة: 1/ 12.
[24]كتابُ الرَّدة، 80؛ شرح نهج: 2/ 5.
[25]تاريخ الطبري: 2/ 233.
[26]شرح نهج: 1/ 132، 134.
[27]الصّدّيق، 63.
[28]هذا إذ صحت الرواية الَّتِي من المرجح إنها نُسجت لحفظ ماء وجه الهاشميين.
[29]شرح نهج: 1/ 134، 2/ 19.
[30]الإمامة والسياسة: 1/ 13؛ شرح نهج: 2/ 5.
[31]رضا، 35؛ الصّدّيق، 63.
[32]تاريخ الطبري: 2/ 236؛ الكامل: 2/ 325، 331؛ كتابُ الرَّدة، 80؛ مُروُج الذّهَبِ: 2/ 304؛ شرح نهج: 1/ 122.
[33]تاريخ الخلفاء، 90.
[34]تاريخ الخلفاء، 547.
[35]كتابُ الرَّدة، 75؛ شرح نهج: 2/ 8.
[36]كتابُ الرَّدة، 76 ـ 78.
[37]الكامل: 2/ 333؛ المِلَل والنّحل، أبو الفتح الشَّهرستاني، منشورات دار دانية، دمشق ـ بيروت، ط 1، 1990 م، ص 6؛ ومقالات الإسلاميين: ج 1/ هامش رقم: 36؛ تاريخ الخلفاء، 93 ـ 94، 109؛ القرطبي، آل عمران: 144؛ شرح النهج: 3/ 193. ويروى الحديث بألفاظ مختلفة في المراجع.
[38]شرح نهج: 1/ 132.
[39]الصّدّيق، 63.
[40]شرح نهج: 2/ 9، 15.
[41]سنعالج هذه الحركات، ونبين الأسباب الَّتِي حدت بنا لتبني هذا الرأي.
[42]رسالة الغفران، 288، وابن كَبْشَةَ لقب أطلقه القرشيّون على مُحَمَّد بعد إعلانه الدعوة.
[43]ابن هشام: 2/ 666؛ ديوان عُبيد اللَّه بن قيس الرقيّات، تحقيق: د. محمّد يوسف نجم، دار صادر، بيروت، د. ت.، هوامش: القصيدة رقم (39)؛ الكامل: 2/ 324؛ كتابُ الرَّدة، 58.
[44]البَيان والتَبْيين، 190.
[45]جُحْراً، الكامل.
[46]الطبري: 2/ 263؛ الكامل: 2/ 353؛ وتقدير الكلام:«لدخلت قبائل العربِ في آثاركم».
[47]تاريخ الإِسْلام: 1/ 283.
[48]الصّدّيق، 72.
[49]الأمير، نيقولا مكيافللي، ت: خيري حمَّاد، منشورات دار الآفاق، بيروت، ط 22، 1999 م، ص 170.
[50]كتابُ الرَّدة، 84.
[51]كتابُ الرَّدة، 85.
[52]الكامل: 2/ 334 ـ 335.
[53]تاريخ الطبري: 2/ 245 ـ 246؛ البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير،CD.
[54]ابن سعد: 2/ 191.