كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"

خليل قادر

كان شريفو قد أنهى خدمته العسكرية للتو، وما تزال ذكريات دمشق تلاحقه أينما ذهب. جاءني إلى الحسكة في زيارة، وقبل أن يصل إليّ كان يقلّد أصوات العصافير من بعيد فرحاً، وما إن جلس حتى قال: خالو خليل، ألا تجد لي عملاً في دمشق؟ لم أتردد، قطعت له بالكرنك وأخذته معي إلى مكتب عبد. كنت أعرف عبد جيداً، وأعرف أيضاً أبو عنتر الذي كانت له هواية خاصة في العمل مع أصحاب الشخصيات الغريبة والوجوه الخارجة عن المألوف. قبل أيام كان يحدثني عن مسرحيته الجديدة التي كنت أصمم لها الأفيش واللافتة الكبيرة التي ستُعرض على مسرح السينما في شارع 27 أيار. في اليوم التالي ذهبت إليه وقلت له إن لدينا صديقاً "نهفة" وبإمكانه أن يستفيد من مواهبه، فوافق فوراً.
وحين وصلنا إلى المشغل سألت عبد عن شريفو، فضحك ضحكته المعهودة وقال: عرّفته منذ قليل على إحدى شقيقاتنا العاملات في الملاهي، وأعطيتها بعض المال وذهبت معه إلى فندق الشام ليشربا القهوة حتى يحل المساء، وبعدها ربك يدبرها.
خرجت مع أبو عنتر إلى فندق الشام فوجدنا شريفو جالساً وقد أخذ لقطة صامتة بالكامل، ويبدو أن عبد لقنه هذا الدور قبل أن يرسله. كانت السيدة تتحدث وهو يكتفي بالنظر إليها وهز رأسه بين الحين والآخر، والحقيقة أن شريفو لم يكن يملك من العربية ما يكفي لخوض حديث طويل، وكانت لغته العربية لا تقل ضعفاً عن لغتي. رحبت بنا السيدة بحرارة، ولا سيما عندما رأت أبو عنتر وجهاً لوجه، أما شريفو فلم يكن يصدق نفسه، فقد وجد نفسه فجأة في مواجهة الفنان الذي كان يعرفه من المسرح والتلفزيون.
اعتذرنا للسيدة وأقنعناها بأن لدينا أمراً مهماً مع شريفو، ثم أخذناه معنا إلى المشغل. وأثناء نزولنا إلى القبو صادفنا صباح فخري، فسألني مباشرة: متى موعد صينية اللحمة اليوم؟ قلت له: في الثانية أو الثانية والنصف. كان في تلك اللحظة يجادل عبد حول إحدى اللافتات ويريد أن تُنفذ على خامة قديمة توفيراً للمصاريف، بينما كان عبد يحاول إقناعه بأن الكتابة ستظهر من الخلف إذا لم تؤسس الخامة جيداً، لكن صباح فخري كان معروفاً بحرصه الشديد على المال. خرجت إلى القصاب القريب واشتريت كيلوين من لحم الخروف مع ما يكفي من الخضار، ثم أخذتها إلى الفرن في سوق ساروجة، وهذه المرة أضفت نصف كيلو من الفليفلة الحارة أملاً مني أن تحد من شهيته، فقد كان يأكل الفليفلة الحارة بشراهة غريبة.
وعندما عدت كان رشيد صوفي قد استيقظ للتو من سهرة طويلة مع عبدالرحمن آل رشي وبعض الأصدقاء، فأخبرته أنني أكثرت من الفليفلة اليوم، فضحك وقال: ضيعت وقتك، روح قلبه الفليفلة الحارة، وسنبقى نحن بلا طعام كالمعتاد. ضحكنا جميعاً، وفي تلك الأثناء سلمني أبو عنتر نسخة من دور شريفو في المسرحية. كان له ظهوران قصيران، الأول مطرب شعبي والثاني رسام، وكانت المسرحية تتناول أنماطاً مختلفة من الفنون السورية. قال لي: دربه على الدورين.
كان أمامنا نحو شهر قبل الافتتاح، فقضيت أمسيات طويلة مع شريفو أحفظه حركاته وكلماته وأعيد البروفات معه مرة بعد أخرى، ثم انتقلنا إلى التدريب على المسرح نفسه. وجاءت ليلة الافتتاح، وكانت الصالة ممتلئة عن آخرها والناس يقفون في الممرات. حان دور شريفو الأول، دور الرسام، فدخل إلى المسرح مرتدياً مريولاً أبيض وعلى رأسه قبعة وفي فمه غليون، وحمل فرشاتين وبدأ بالرسم بحماس جنوني.
لم يلتزم بشيء مما تدربنا عليه، وأخذ يلوح بالفرشاة في كل اتجاه حتى وصلت بقع الطلاء إلى الصفوف الأولى والثانية من الجمهور. انتهى المشهد على خير، واقتصرت الأضرار على تلطيخ بعض القمصان وفساتين الحسناوات الجالسات في المقدمة.
ثم جاء دوره الثاني، وكان من المفترض أن يغني أغنية "صيدلي يا صيدلي" لعازار حبيب، وكانت الفرقة الموسيقية جاهزة والوقت محسوباً بالدقيقة، لكن شريفو قرر أن يؤلف عرضه الخاص فوق المسرح. بدأ الغناء كما تدرب، ثم فجأة أخذ يمدح حافظ الأسد، كلمة عربية وأخرى تركية وثالثة من اختراعاته الشخصية، وبعدها صار يقلد أصوات العصافير ويصفر ويطلق جُملاً موسيقية من فمه ثم يعود إلى الغناء، وبعد قليل تحول إلى شاعر يلقي أبياتاً مرتجلة عن حبيبته صبيحة وهما راكبان على حصان أبيض يطيران فوق جبل قاسيون.
كانت الفرقة الموسيقية تنظر إليه في ذهول كامل، وانتهى الوقت المخصص للفقرة بينما كان هو لا يزال مسترسلاً في الغناء والكلام وكأنه في حفلة لا نهاية لها. حاولنا من خلف الستارة أن نشير إليه كي يتوقف، لكنه كان منسجماً مع نفسه إلى درجة لم ينتبه فيها لأحد. استمر في الغناء والارتجال حتى اضطر أحد مساعدي الإنتاج إلى الصعود وسحبه من المسرح بالقوة وسط ضحك الجمهور وتصفيقه. مرت الأيام، وبعد مدة كان أبو عنتر يحضر لمسرحية جديدة، فسألني إن كان لدي وقت لأحضر شريفو من جديد. ضحكت وقلت له: شريفو ترك الفن... وصار يعمل في السياسة.
- مساء الخير ياصديقي "شريفو"
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب
قول آخر في شخصية "آنا كارنينا" في الرواية التي تحمل اسمها للعظيم ليون تولستوي
“مدافع آية الله”
"زهرة تحت القدم" من ترجمة د. نوفل نيّوف
من ذاكرتي المثقوبة!
ما كتبه الشيخ رشيد رضا في وفاة عبد الرحمن الكواكبي
في أحضان رجل ظل للروائية رانيا الحمامي.. خفايا الدولة العميقة بين السلطة والحب والمصير الإنساني
أَبَا هِنْـدٍ فَلا تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا .. وَأَنْظِرْنَـا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَـا
وإن سألوك عن كلب أهل الكهف!
د. عبد السلام العجيلي قدوة الحياة والأدب
حين هجرنا البلاغة
الصاحب بن عبّاد: الشاعر العلوي، الفيلسوف، العالم، والمتعدد المعارف
"المضحك المبكي" في ذكرى اغلاقها