د. عبد السلام العجيلي قدوة الحياة والأدب
2026.06.07
اسماعيل مروة
العلاقة التي تربطني بالدكتور الطبيب والسياسي والبرلماني والوزير والروائي القاص والشاعر الدكتور عبد السلام العجيلي علاقة لاتخضع لمقاييس، ولا تخضع لمنطق، وليست علاقة هوى، وليست علاقة طبقية فأين مثلي من مثله؟
لكنني سمعت اسمه من أخي الراحل حسن، والذي كان مدرسا للغة العربية في ثانوية الرشيد بالرقة عام ١٩٧٥. كنت طفلا صغيرا حين سمعته يذكر اسمه ويصفه، ويتحدث عن بيته الذي دخله، وعن علاقته بالرقة وأهلها، وقد كان أخي مدرسا لواحد من أبنائه، وبعد أكثر من عقد من الزمن كنت على موعد قدري، ففي زيارة للأستاذ مدحة عكاش دخل يهدر بصوته ولكنته المميزة، وبعد جلسة قصيرة استأذن لأنه سيسافر إلى الرقة، وهو قادم من باريس، فقال للحاضرين ممازحا وكان الجو حارا للغاية: أريد أن أذهب إلى الرقة حتى لايتغير علي الجو بين باريس والرقة!
تبادل التحية مع الأدباء، سعد صائب وعبدالمعين الملوحي وعبد الكريم ناصيف ومدحة عكاش وعبد الغني العطري وغيرهم، ووجدتني أمشي إلى جانبه وأفتح أحاديث معه، وقبل أن يستقل سيارة أعطاني بطاقة ليس فيها أي بهرجة، اسمه ولقبه وهاتفه وصندوق بريده في الرقة..
في اليوم الثاني ذهبت إلى المكتبة واشتريت عددا من أعماله منها، (الخائن وساعة الملازم وباسمة بين الدموع ورصيف العذراء السوداء) من طبع دار الشروق في حلب، وقرأتها ووقفت عند قصة (الخائن) التي أثرت بي كثيرا لأنها تتحدث عن غدرالثورات بالثوار بعد مدة من النجاح وبكل الأساليب، بما فيها غير المقبول أخلاقيا، واستلهم فيها ماعاشه والثورات العالمية، بنفس إنساني عال، ووجدتني أكتب تحليلا طفوليا لها وأرسله إلى صندوق بريده، وبعد وقت وصلتني رسالة شكر منه إلى صندوق بريد صديق كنت أستعين به ختمها بعبارة، واسلم لأخيك عبد السلام العجيلي.
كم كان مدهشا بروحه وتواضعه، فصار انحيازي تاما للدكتور العجيلي، وصرت أتابع زياراته لدمشق، وألتقيه في بهو فندق أمية، وكتبت دراسات عن أدبه وشخصه نشرتها في الإعلام، وحين نشرت مجموعتي (وكان حلما) أرسلتها له بالبريد، وجاءني جوابه ومما قاله فيه: أنت تنتمي لجيلك فكرا ولجيلنا لغة.. وذلك على وصفة طبية ختمها بعبارته: واسلم لأخيك.. وسافرت وخسرت صحبته فيما خسرت.. وبعد عودتي من السفر توطدت علاقتي به كثيرا، وصرت أحظى باهتمامه واتصاله كلما زار دمشق وفي فندق أمية، وحين أصدرت كتابي (كما عرفتهم) قدمت نسخة له، ليفاجئني بكلمات عطرة عنه وعني لإحدى الصحف المصرية، وذهب بنفسه لدار النشر واقتنى عشر نسخ.
وأهداني مجموعة كبيرة من أعماله من أهم ما كان كتاب (جيش الإنقاذ) الذي يتحدث فيه عن تجربته وتطوعه وهو النائب في البرلمان، وكان هو وأكرم الحوراني معا. اتصل بي الدكتور عبدالسلام ليخبرني بأن الكتاب طبع في حلب، ومعه نسختان واحدة للأستاذة سعاد جروس وواحدة لي، وهو يحترم الأستاذة سعاد التي أحترمها وعلاقتي بها بسيطة.
ولعل أهم مواقف الدكتور العجيلي التي عرفتها من تجربتي هي:
* اتصل بي وطلب مني الحضور فورا وفي صوته شيء من الحزن، أسرعت إليه، رأيته كما لم أره من قبل، قال لي بالحرف:
أنا العجيلي لم أقبل جائزة أو أي شيء أو انتماء لغير نقابة الأطباء، أجد نفسي في ورطة، فوزير الثقافة صديق لي، وحدثني بود لأفاجأ بأنني يجب أن أستلم وسام الاستحقاق! هذا مخالف لقناعاتي، ويخالف نظرتي للسلطة، وأنا لست من أحبابها ولو كنت أقيم هنا، وموقفها مني أعرفه والحفل غدا ماذا أفعل ياولدي؟
هونت عليه الأمر وبأنه قامة تستحق، وليتجنب إلقاء كلمة والحديث للإعلام، ناولني مقالة بخط يده وقال: لويسمح بنشرها، فأخذتها منه ونشرتها في مجلة الشهر وملخصها، أن أحد الزهاد حين قبل هدية السلطان لامه أحد الدراويش بسؤاله: هل قلبك على السلطان قبل الأعطية كما قلبك بعدها؟ ويختمها العجيلي بقوله: كذلك حالي، وهذا أقسى موقف رأيت فيه الدكتور، وأسجله هنا للأمانة.
* حضر الدكتور مؤتمرا في الخارج وصنعت له مكائد لالتقاط صور مع وفد العدو، وحين اكتشف الموضوع احتج وغادر، وحين وصل إلى دمشق كانت الاتهامات والتقارير سبقته، وذكر لي بالتفصيل كيف تدخلت الدكتورة نجاح العطار لجلاء الأمر، ودون ذلك الأمر في واحد من كتبه.
* حين تسلم الخارجية بالوكالة مدة بسيطة كان أول قرار له تكليف نزار قباني بسفارة إسبانية لأنه يعلم الرغبة، ورغم اعتراض كثيرين لكنه بقي على رأيه وكلفه، في حين رفض تكليف واحد من أقرباء رئيس الوزراء لأنه لايستحق، وقد ذكر اسمه واسم قريبه في الكتاب دون مجاملة، ويذكر ذلك في كتابه (ذكريات أيام السياسة) وفي كتابه وجوه الراحلين يذكر أن نزارا دعاه لحضور أمسيته في حلب فلم يقبل وغادر حلب وقال: لو كانت الرقة تستحق أمسية سأحضر هناك، وينصف العجيلي نزارا، وبأنه لحق به في اليوم التالي ليقيم أمسية في الرقة، يوازن العجيلي بينها وبين أي نشاط للمحافظ والسلطات.
* طلبت من الدكتور أن يقرأ لي روايتي (مغاور الجاهلية) فقال لي: أحببتها وأخاف عليك منها ومن تبعاتها، وحين طبعتها قبل أن يتسنى لي الحصول على مقدمته أهديتها لروحه.
* حين علمت بمرضه ووجوده في مشفى أمية برعاية الجراح عصام العجيلي، زرته هناك وكان برفقة أحد أبنائه، خشيت ألا يعرفني بسبب المرض، فإذا بالعجيلي يفسح لي لأجلس على حافة السرير ويقول لي: أنت ابني في دمشق، كيف لا أعرفك؟ سألته عن سر علاقته بأمية من الفندق إلى المشفى، ضحك الدكتور وقال كلاهما سرير!
* بناء على طلبه شيعته الرقة ومحبوه بجنازة شعبية لم يشأ أن تكون رسمية، وأي مشاركة لشخصية فهي ذاتية.
* صداقته للقاص والإعلامي فؤاد الشايب، وقد ذكر في كتابه وجوه الراحلين ماتعرض له فؤاد الشايب من ظلم وعذاب بعد الانقلاب على الرئيس شكري القوتلي، وينصفه قاصا وإنسانا نبيلا.
* إنصافه للرئيس شكري القوتلي، حين يذكر تفاصيل اللقاء الذي جمعه وأكرم الحوراني قبل الالتحاق بجيش الإنقاذ، ويعتب على الحوراني حين غير بالرواية ويسأل: لا أعلم الدافع لذلك.
الدكتور عبد السلام العجيلي تجاوز كل وصف، وتجاوز كل مكانة، وقد كان موعدي به قدريا، جعلني أنظر للأمور بمنظار مقارب للغاية، لكن إمكانات العجيلي جعلته قادرا على الفعل، وواقعي لم يمنحني الاستقلالية ذاتها..
حين شعر الدكتور عبد السلام بالتعب أقفل عيادته بنفسه بعد ستين عاما من مداواة ناسه وأهله..
أزعم أن العجيلي من الشخصيات القليلة التي يتفق حول حبها الناس، عدا بعض الذين أعمتهم الأيديولوجية عن رؤية العجيلي الذي دفع ثمن آرائه، وكان المتطوع في الوقت الذي لايطلب ذلك من غني وبرلماني، بينما بقي المؤدلجون الثوريون بسلام!
العجيلي مثال لا يغيب، ولذلك لم أترك فرصة للحديث عنه لم أفعلها في (الشهر وجهينة والوطن) وقد تشرفت عنه بعشرات الدراسات في (الوطن السورية) وذلك قبل أن أخلد للراحة بعيدا عن المنابر، التي هجرتها أو هجرتني، الأمر سيان..
وحبي للعجيلي جعلني أقيم له ندوة كبرى في المكتبة الوطنية بدمشق شارك فيها نخبة من المثقفين بعنوان (الوطني النبيل) حاولت أن أشبع فيها جزءا من حبي له، وأظني لم أقدر، وكان دافعي لذلك الأنانية بأن أنسب إلى العجيلي ولو من طرف خفي.. وأنا الذي تعلمت منه الثبات على المبادئ، أما ماعدا ذلك فللحياة وتقلباتها.
هناك الكثير لأقوله عن أثره، لكن الحديث يتسع ويتشعب، ولا أريد أن أرهقكم..