كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل يتاح للشرق أن يستعيد مجده؟ (من تراث الشهيد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر)

ثم ما هو مقياس المجد يا ترى؟ هل هو العلوم و المعارف و الأخلاق و الحضارة وحدها, و قد رأينا أهل سويسرة و البلاد الاسكندنافية مثلا ينالون الشطر الأوفر منها, و هم مع ذلك في هذا المجد دون الأمة الايطالية التي لم تبلغ من أسباب الارتقاء شأوهم؟ و يتجلى هذا التباين في تقدير المجلّين بما للطليان من المقام الدولي المحمود بالنسبة إليهم, فلا يحلم أحد من السويسريين أو السكندينافيين أن يكون في تلك الهيئة الدولية التي تدعى (عصبة الأمم) سيدا نافذ الكلمة مثل زميله الايطالي, و السبب في ذلك أن المدنية الأوروبية, لسوء الحظ اعتقدت بما تشهر الأمم من مشرفيات لحز الرقاب أكثر مما تقبض على مشارط لبط الأوجاع, و بما تحمل من بنادق لخرق القلوب أكثر مما ترفع من مصاحف لشرح الصدور, و بما تنصب من ألغام لاغراق المدرعات أكثر مما تشيد من منائر لهداية السفن, و بما تنشر من غاز خانق أكثر مما تلهم من وحي منعش. إن الناس في المشارق و المغارب يحسنون الإصغاء إلى أزيز المقذوفات أكثر من همس الضمائر فإذا كان مقياس المجد عند الدول حتى في القرن العشرين لا يزال الحديد و النار, فالسبيل الوحيد إلى المجد هي و يا للأسف إتقان فن الذبح على عيار واسع. و من سوء حظ الشرقيين - أو من حسن حظهم- أن معظمهم لا يزالون يذبحون على الطريقة القديمة بالسيوف و ينحرون بالخناجر و هذه طريقة شاقة قليلة الجدوى لا تأتلف مع الارتقاء الفني الحاضر. لذلك أصبح مجدهم مثل آلاتهم عتيقا – و ما لم يتعلموا على الطريقة الحديثة فيدركوا بمفرقعة واحدة قصرا و بلغم واحد سفينة, و يقتلوا بقنبلة واحدة ألفا. ما لم يتعلموا أن يستخدموا أحدث الآلات المتقنة التي تعطي أطيب محصول بأقل مجهود, أنكرت عليهم أوروبا, ليس حق المجد فقط بل حق الحياة.

و لكن الشرقيين أخذوا أخيرا يتعلمون بشراهة, لأن سني الشدة التي عاشوا فيها ردحا من الزمن نبهت قابليتهم, حتى أن أشد المتعصبين للغرب ممن يقولون بالسلالة الآرية وحدها و ان من بعدها كذب النسابون, و ممن ينصبون الحواجز الجنسية عالية لئلا تتدنس السلالة الآرية بالاتصال بالسلالات الأخرى و لو كانت آرية شرقية – إن أشد المتعصبين لمثل هذه السخافات البالية مرغمون على الاعتراف بأن المجد لم يعد وقفا على أبناء جلدتهم. و ان الشرقيين حتى الموغليين منهم يستطيعون – إذا شمروا عن ساعد الجد – ان يساهمو في هذا المجد و حسبنا ان نضرب على ذلك مثلا مما عمله اليابانيون في بداية القرن الحاضر وهم من صميم المغول, و ما عمله الترك عقب الحرب العالمية و هم من السلالة الطورانية . لنبين ان السلالات الشرقية حتى التي لا تمثل أرقى النماذج, أو التي لا تمت إلى الثقافات المشهورة بعرق عريق – في مقدورها أن تنازع الغربيين مجدهم و أن تفل حديدهم بالحديد الذي طبعته على غرارهم.

مما يدلك على الهمجية التي كان عليها البابليون, إلى عصر متأخر, أن الذين كانوا يلبسون الزرد منهم على قيد الحياة , و لم ينقرض بعد جميع أفرادهم من الدهماء الذين كان عليهم إذا مر الشريف من أمامهم أن يسجدوا له وإلا مزقهم حراسه من طبقة (الساموراي) شر ممزق. و قد بقيت اليابان إلى سنة 1866 – وهي سنة تغلب الميكادو على حكم الاقطاع و أمرائه – تتخبط في خزعبلات القرون الوسطى و تتنازعها أيدي الشقاق الداخلي و الثارات للدماء المسفوكة و يتحكم بها نفر من أهاليها لا يتجاوزون الخمسة في المئة, مؤلفون من الأشراف و بطانتهم (الساموراي) و هم المحاربون الذين يقومون بحراستهم.

لكن اليابان أصبحت بعد الحرب العالمية إحدى الدول الخمس العظمى القابضة ناصية الدنيا بأجمعها. و هي التي حسب لها أكبر حساب في مؤتمر واشنطن البحري من بعد أمريكا وانكلترا فقط. و أصبح ممثلوها يترأسون في بعض الأحيان عصبة الأمم في جنيف أو يديرون لها ظهرهم مدبرين اذا رأوا منها قلة اكتراث بمطالبهم التوسعية, و الغارات التي ينوون شنها على جوارهم. فما الذي حدث يا ترى؟ و أي حديث عن الجان كما تسأل (جارفن) أو أية خرافة من الخرافات تفوق هذه الأعجوبة التي تمت في زماننا؟

ان الذي حدث فحمل المتعصبين للمدنية الغربية على تعديل نظريتهم في الشرق, أن اليابان حاربت الصين في سنة 1894 فقهرتها و هي لا تكاد تبلغ السدس من سكانها. اذا كان هذا البرهان ناقصا لأن الحرب وقعت بين شعبين شرقيين مغوليين لا يكسب الظافر منهما فيها اكليل المجد, فهل يستطيع هؤلاء المتعصبون ان يحرموا اليابان منه من بعد اعلانها الحرب على روسيا في سنة 1904 وما قدمت فيها من براهين قاطعة على انها لا تفوق الصينيين الشرقيين فقط في حز الرقاب و بقر البطون و هدم المدن بل تفوق الأوروبيين أنفسهم, كما هو ظاهر من المعارك الثلاثة الأتية: (الأولى) - (لياو-يانغ) و الأربعون ألفا من القتلى و الجرحى الروس الذين ذهبوا فيها, (الثانية) معركة (موكدن) و الألوف المائة الروس الذين سقطوا في الميدان بعد انهزام قائدهم (كوروباتكين) شر هزيمة, (الثالثة) معركة (تسوشيما) البحرية و اضمحلال الأسطول الروسي بتابا فما سلم منه من الغرق جره الأميرال (طوغو) بسلاسل الأسر.

و كان هذا الانتصار الياباني أعظم انتصار بحري وقع منذ معركة نلسن في (الطرف الأغر) و ليس في مقور امة شرقية ان تدلي بحجة أقوى من هذه الحجة أو الحجج على حقها في المجد. حتى أن كاتبا اوروبيا اشتراكي النزعة يكره الحرب و ماتجره من ويلات مثل (اتش. جي . ولز) اعترف لها بهذا المجد مرغما بقولهما خلاصته: ما رأينا في التاريخ أن أمة قطعت شوطا بعيدا مثل الشوط الذي قطعته اليابان.

مقتطفات من مقال يحمل الاسم ذاته, نُشر في "الهلال" 1932

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني