ليندا ابراهيم: نشيدُ الفقراء
2018.08.27
أتينا مِنَ القَمحِ..
آنَ اشْتِيَاقِ الحقُولِ نَدَى الخِصبِ..
مِنْ ألَمِ البائسِينْ..
عُفَاةً.. حُفاةً.. عُرَاةً..
بِنَا تَوقُ ليلٍ إلى الشمسِ.. بحرٍ إلى المِلحِ..
شوقُ التُّرابِ إلى جَسَدِ المُتعَبِين..
نحنُ أهلُ الكَفاف، "المَسَاكينُ بالرُّوح"..
حُرَّاسُ مَمْلَكَةِ الجائِعِينْ..
أتَينَا إليكَ أيَا سيِّدَ الفقراء..
جمَعنَا قرابيننا... و بقايا خُطانَا
وَ جئنا لمعبدكَ الطُّهر.. نُزجِي نذُورَ هوانا
فَيَا سَيِّدَ الخَيرِ املأ سِلالَ جَوَانَا..
رحيقاً من الكوثَرِ العذبِ للظَّامِئين..
آمين...
"نشيد الفقراء"
****
العليَّةُ جارةُ القمَر...
لم تكن تَعِي جوعَ حنيني..
ولا نهَمَهُ للعِشق..
إنَّها فقط بيتُ الياسَمين..
و جارةُ القَمَر..
****
هيَ الترتيلةُ الأخيرة قبيلَ الغياب...
سألملمُ أحلامي.. و أدعو نجماتِت الصغيرات ليحضرنَ احتفالَ الرُّوح الأخير..
أما "بناتُ نعش"، فَسَيُشَيِّعْنَ أياميَ الماضية إلى مثواها الأخير..
سألملمُ أرديتك الفضيَّة عن جفوني...
و أودِّعَ أرواح العشَّاق الذين طالما تسامروا في ضوئي..
و لسَوفَ أُودِعُ وجهَكَ روحي.. و عينيكَ حنيني..
فقط بضعُ هنيهاتٍ من العُمر,
قبل أن أغيبَ في روحكَ أيُّها القمر..
****
حدائقُ الحبقِ ماطرةٌ بالحُبَ هذا الفجر..
وجنودُ شَوقها لا تعرفُ هدنةً مع هذا الوجع..
دربك الذي فرشَتْهُ بآلامها إليك...
خطُّ اليقين مابينَ عينيك و رُوحها..
بهاءُ هذا اليَقِينْ..
لحضرة الرَّسُولة..
بعطرِهَا الشَّهيِّ..
حتَّى القوارير..
****
اهدأ أيُّها القلبُ... و لا بأس أن تواري قليلاً غابة الدموع هذه وراءك...
و أنت أيُّها الإنسانُ... قرب إليك الوردة ريثما يمرُّ الهواء المريض...
و أنتَ أيُّها الشَّاعر... لا بأس أن تنحنيَ قليلاً ريثما تمرُّ العاصفة...
و أنت أيَّتها العينُ التي لها وحدها أن تقول "إني رأيت"...
اصبري وغُضِّي... ريثما يمرُّ القبحُ..
و أنتِ أيُّتها النَّفسُ العظيمة.. هدهدي الألم ،و امسحي الجرح حتى يهدأ روعه..
أمَّا أنتِ أيَّتُها الرُّوحُ..
فابقي كما عهدتك زهرة الرَّبِّ المتفتِّحة وسط العماء،
قامةً من نورٍ لا تنحني...
فقط، و دائماً... ريثما يأتي فجرٌ جديدٌ،
تماماً كهذا الفجر..
****
ترَى، مَنْ سَيَهُشُّ علَى مَسَاكِبِ الحبَقِ بيَدين مِن غَمَام...
مَنْ سَيُعَلِّمُ المَطَرَ تَعْوِيذَةَ السُّقْيَا.. مَنْ سَيَهَبُني الخصب..
مَنْ سيَذَكِّرُنِي بيمامِ الأموي، و تمتمة الدروايش في التَّكيَّة السُّليمانية،
و بسملة الياسمين في "باب توما"..
وَ رَجعِ التَّراتِيلِ في روح "ابن عربيّ" المُضيئَة بالحبِّ
إلَّاك.. إلَّاك إلَّاك ؟....
****
أطفَؤُوا الشَّمسَ و غابُوا، ثمَّ ظَنُّوا أننا نرضى الظَّلامْ..
أيُّها الشَّاعرُ كم يغدُو جميلاً وطنٌ نرفعُهُ للشَّمسِ حتَّى نُشعِلَ الأفقَ قَصائدْ..
لن نُسَاومْ...
سوفَ نحيا بالأغاني.. و نقاومْ..
سوفَ نحيا لسَلامِ الأرضِ فينا..
ليكونَ الوطنُ الأغلى مراحاً لليمَامْ....
****
صدَّقَ الريحَ، إذ دعتهُ إليها..
كشجيٍّ يهفو لوعدِ يديها..
و انثنى مثل راهبٍ مُقلتاهُ..
ترشُفُ الوجدَ من جوى مقلتيها..
مُطرِقَ الروحِ لا يَريمُ،
كأنَّ الغيمَ أغضى بطرفه يومَ قالت تلكُمُ الرُّوحُ:
يا غَمامُ إليَّا..
فإذا اللوعةُ استفاقَ لظاهَا،
صبَّ من بَرد صبره، فاستكانت،
و مضى نحو نجمة يجتليها..
****
هكذا سأرتِّبُ لغيابي القادم..
سأبدأ من هناك، حيث ضحكاتي الطفلة في أزقَّتك... ذاكرتي... لقطات تلك الذاكرة في حاراتك.. وجوه الطيبين "أم عادل"، بجلبابها الفلسطيني، و الوشم على ذقنها، و "أبو عادل" يتوضَّأُ في صحن الدَّار من إبريقِ الزَّمان..
هناك حيث طمرت ألعابي في خبايا ذاكرتك يا دمشق... و الباقي غابَ مع وجه أمي..
تلاشى مع صوتها إذ تغني ما تحفظ من أغاني السَّاحل الشعبية.. وهي تعجن رغيف الشقاء و الخير..
كذلك فإنَّ حقائب الذاكرة، لا بد تتسع لليالي الشام القارسة شتاء.. القارسة بعسكرها وحربها.. الدافئة بحقول الياسمين على صدرها..
سأهيئ لي غياباَ مريحاً صامتاً هادئاً..
قطار المسرات الهارب أشرع صفارات السفر..
والعمر محطة لا أكثر..
فقط تفاصيل وجهك.. وجهينا، ونحن نلتقط صورة وطن حزين هي كل زاد الغياب..