مؤيد عبد القادر: أهذه دمشق
تحت وطأة ظلم ذوي القربى وفي مثل هذه الأيام قبل 4 سنوات..
بدأت أرسم بمداد حزين من دم قلبي لوحة الرحيل عن دمشق!
آآآآآخ.. كنت على غير هدىً في كلَّ ظهيرةٍ حالمةٍ بعدَ أنْ طالت مسيرتي على درب جلجلةِ، أتسكّع في طرقات دمشق التي أحببتُ وعشقتُ.. كان ثمّةَ إحساسٌ عميقٌ بالألمِ يتلبّسني وأنا أتحسّسُ: أوجاعَ دمشقٍ.. وأحزانَ دمشقٍ.. وجراحَ دمشقٍ.... وثمّةَ ألفُ مشهدٍ ومشهد للدمارِ والدماء والأنينِ والوجوهِ الحزينةِ النازفةِ، فيتحوّل تسكّعي، أنا المشرّدُ اللائذُ بعينيْ دمشق وضميرها ورحمتها، إلى سيرٍ فوقَ شريانِ قلبي الأبهر، وقد أنطلقت من أعماق حنجرتي المدمّاة، حشرجاتُ أحزاني متسائلةً:
أهذه دمشقُ التي كنّا ونحنُ يافعينَ، نحجُّ إلى مدنِ عنفوانها، ونستظلُّ برايات كبرياءٍ فرسانها: يوسف العظمة.. إبراهيم هنانو.. صالح العلي.. سلطان باشا الأطرش.. سعد الله الجابري.. ومروراً بميشيل عفلق.. وزكي الأرسوزي.. وصلاح البيطار.. ود. وهيب الغانم.. وأكرم الحوراني.. وجمال أتاسي.. ومصطفى حمدون.. وشبلي العيسمي.. وحميد مرعي.. ونور الدين الأتاسي.. ويوسف زعين.. وفهد الشاعر.. وصلاح جديد.. ومحمد عمران.. وإبراهيم ماخوس.. وحديثة مراد.. ومحمد رباح الطويل.. وحمد عبيد.. ومحمد عيد عشاوي.. وفوزي رضا.. ومروان حبش.. وإسماعيل عكلة.. وأسعد الغوثاني.. ومنذر موصللي..؟
أهذه دمشقُ التي كنّا نتمرّى كالسكارى أمام مرآةِ خيلاء ثوارِها على وهجِ لوحات قصائدِ: نجيب الريّس، وبدوي الجبل، وسليمان العيسى، ونزار قباني، وخليل خوري، ومحمد الماغوط، وصدقي إسماعيل، وفاتح المدرس، وعز الدين شمّوط، وإبراهيم عباس ياسين، وعبد القادر الحصني؟
أهذه دمشق التي لامست برقة خيلاء إبداعها الأزلي، رؤى عبد السلام العجيلي، وعبد الله عبد الدائم، ومطاع صفدي، وحنا مينة، وياسين رفاعية، وحميدة نعنع، وعادل أبو شنب، وكوليت خوري، و د. حسين جمعة..؟
أهذه دمشقُ التي لمْ تهادنَ العثمانيّين وجبروتَ سفاحِهم (جمال باشا)..؟
أهذه دمشقُ التي انتفضت بكبرياءِ الدمِ والجراحِ على الفرنسيّين ولم يضعفها جبروتُ (غورو)..؟
أهذه دمشقُ التي لم يتحوّل دمُ أبنائها ماءً على امتداد معاركِ المصيرِ القوميِّ الواحد..؟
أهذه دمشق التي فَتَنَتْنا ببسالاتِ فارس الخوري، وهاشم الأتاسي، وميخائيل ليان، وعدنان المالكي، وجول جمال ومحمد أمين الحافظ؟
أهذه دمشقُ، عرسُ وحدتنا الكبرى التي وقفَ على شرفةِ قصرِ ضيافتها الخالدِ، العظيمُ جمال عبد الناصر ومعه بطل الاستقلال السوري شكري القوتلي، ليعلنا ولادةَ الجمهورية العربية المتحدة في شباط عام 1958..؟
أهذه دمشق صدفتنا التشرينيّة وليل قصر النبلاء ومشاكساتنا الملأى استثنائية ودلالا وهي تلازم هوس تسكّعنا تحت ظلال حلمنا الأبيضِ الوارفِ في (اتوستراد المزة) و(الحمرا) و(الصالحية) و(29 أيار) و(الحلبوني) و(ساروجة) و (الحميدية) وحاراتها القديمة..؟
أهذه دمشقُ وصدى احتفالاتنا في (البيت العراقي) وفي قاعة علاّمة العروبةِ والعراق (حسين علي محفوظ) بمبنى جريدة الصوت في مزّة دمشقٍ الهادئةِ الجميلةِ..؟
هل تناست دمشقُ، همساتَ العشّاق في (الروضة) و(هافانا) و (النوفرة)، وجلسات السمر في ليالي رمضان في مقهى الكمال الصيفي والفور سيزن..؟
هل ضاعت في زحمة جراحها، دموعُ امرأة الصدفة التشرينيّة التي أقلقها جنونُ رجلٍ بنكهةِ قهوتها..؟
أهذه دمشقُ التي تحوّلت صباحاتُها مكامنَ حزنٍ ، كما تحوّلت مساءاتُها مكامنَ نواحٍ وخوفٍ وترقبٍّ ممضٍّ..؟
والآن، دعوني اسأل بصوتٍ عالٍ: كيف يحقُّ لكائنٍ مَنْ يكون أنْ يدمِّرَ رقّةَ دمشقٍ.. وجمالَ دمشقٍ.. وحلاوةَ وجهِ دمشقٍ.. وسنا أنوارِ عيونِ انثى الفصول الأربعة التي تشبه دمشق..؟
آآآآآخ وداعا دمشق.. فذووا القربى لم يصدقوا ما قاله ياسمينك عن عشقي الخرافي لسنا عينيك النائمتين على ضفاف بردى!
شرح الصور....
- في أحد شتاءات دمشق مع الوزير وعضو قيادة البعث القطرية المناضل مروان حبش.
- في مكتبي بجريدة الصوت.. اغفاءة محارب بعد ساعات من العمل.
- قبل أيام من الرحيل.. في مقهى الكمال الصيفي بصالحية دمشق.
- الحسناوات والوحش.. في احتفالية جريدتنا (الصوت) بعيدها الأول عام 2008 بمبناها بمزة دمشق.
- في يوم الرحيل.. حزن يتدفق.