هاني الخيّر: قصة اللقاء الصحفي الأول مع الرئيس بشار الأسد
حين يتصل المدير العام بمحرر، ما، طالباً منه أن يأتي إلى مكتبه بصورة فورية، فهذا يعني بالعرف الصحفي، أن المحرر سيكون بانتظاره إما عقوبة صارمة، أو تنتظره مكافأة.
تبدأ المكافأة بترشيحه لتمثيل الجريدة في إحدى الدول العربية، أو إحدى العواصم الأوروبية، و هذا يعني أن محفظة الجيب ستزدحم بالأوراق المالية الخضراء، التي دفع البعض، ممن أعرفهم، ثمناً غالياً لقاء حصولهم عليها، كتشويه سمعتهم إذا كانت لهم سمعة طيبة بالأساس.
و بما أنني لست من هؤلاء الذين خسروا نفوسهم و حصدوا المال الملوث بعارهم الأبدي، و في هذا المقام، و ليس سراً، فأنا أحصل على المال الذي أحتاجه من مهنة الصحافة و الكتابة، و الاستشارات الثقافية، و ما يجود به قلمي من مؤلفات موزعة في المكتبات السورية... و المكتبات العربية..
المهم وصلني صوت رئيس مجلس إدارة دار البعث الدكتور فاضل الأنصاري عضو القيادة القومية، عبر الهاتف الداخلي، طالباً بلهجته العراقية المحببة إلى القلب، أن أقابله في مكتبه دون ابطاء، و أن أصطحب معي زميلي أنور سالم سلوم، المعروف بالأوساط الصحفية بلقب "أمير الحب".
و لم يكن في صوت الدكتور الأنصاري ما يثير القلق و الريبة، فحمدت الله كخطوة أولى.... توجهنا للمكتب و نحن نحلم بمهمة سفر خارجية.
استقبلنا الدكتور الأنصاري كعادته بود و ترحاب، و بعد السؤال عن الأحوال المعيشية، و كنا في ذروة الشباب، طلب منّا بتهذيب شديد، أن نكف عن عادة السهر اليومي لكيلا تتدهور أمورنا الصحية فندفع الثمن غالياً فيما بعد، و نخسر أيضاً مستقبلنا الصحفي.
و يبدو أن أنور سالم سلوم، لم يأخذ بهذه النصيحة الثمينة، فكان رحيله الصعب عنا و هو في ريعان شبابه و في ذروة نشاطه المهني.
أخبرنا الدكتور الأنصاري بضرورة تواجدنا غداً أي بتاريخ ٧-١١-١٩٨٠ في معسكر عدرا حيث سيتم تخربج دورة مظلية لصالح اتحاد شبيبة الثورة، يعقبها إجراء مناورة قتالية نهارية بالذخيرة الحية.
كانت ثقة الدكتور الأنصاري بنا تجعله يعتقد، أن كل مهمة صحفية نشارك بها سيكون حصادها مادة صحفية دسمة، و بالفعل، و لا فخر فقد كان حدسه في محله.
و في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، أقلتنا سيارة الجريدة مع المصور الموهوب أحمد قادرن، إلى مكان الاحتفال.
كانت الاستعدادات جارية على قدم و ساق، و كان الجميع في انتظار وصول القائد الخالد إلى مكان الاحتفال، و رحت أرصد البوابة الرئيسية التي سيدخل منها القائد الأسد بسيارته الرئاسية، إلا أن سيادته وصل إلى قلب المعسكر على متن طائرة "هيلو كبتر" عسكرية كان يقودها بنفسه.
و بعد أن انتهت عملية الهبوط المظلي، استفسرت من أحد طلاب الدورة عن أبرز المشاركين في القفز المظلي؛ فقال لي:
ابن الرئيس حافظ الأسد؛ الطالب بشار، و دلّني على المكان الذي يقف فيه.
اقتربنا منه بعد أن سبقنا المصور إليه، و أجرينا معه حوار سريع هو اللقاء الصحفي الأول في حياة الرئيس بشار الأسد، و مما جاء في نص الحوار:
١-استفسرت من سيادته عن مشاعره و خوالج نفسه بعد القفز المظلي فقال:
المرء في القفزة الأولى يشعر بشئ ما، من الرهبة الممزوجة بالقلق، لكون يقدم على أمر لم يجريه في حياته و لا يعرفه من قبل، لكنه سرعان ما يتلاءم مع الوضع الجديد، و تعود الثقة إلى النفس، و يصبح الأمر كأن القافز يمارس لعبته الرياضية أو هوايته المفضلة، و هذا ماشعرت به و أنا أقفز في صباح اليوم و للمرة الخامسة.
٢- هل لك تجربة سابقة في اشتراكك بالمعسكرات؟
نعم حضرت معسكرات مدرسية من خلال منظمة الطلائع و شبيبة الثورة.
٣- ماذا استفدت من هذه الدورة؟
عودتنا على الانضباط و التقشف و الحياة في الطبيعة، و زرعت في نفوسنا حب التعاون و التضحية و نكران الذات، و أتاحت لنا اللقاء و التعارف على رفاق من المحافظات السورية كافة، و أكسبتنا لياقة بدنية عالية.
٤- ماذا تدربتم في هذه الدورة العسكرية؟
على الأسلحة الخفيفة و الثقيلة كافة، و على القتال القريب، و القفز بالمظلة.
٥- ما هي انطباعاتك عن الحياة العسكرية؟
إنها شاقة و لكنها في الوقت ذاته جميلة و ممتعة.
٦- ماذا تنوي أن تدرس في الجامعة؟
أرغب بدراسة الطب البشري.
٧-ماهي الصحف التي تقرأها؟
البعث و صحيفة المسيرة.
٨- هل أنت من هواة المطالعة؟
أقرأ روايات لمؤلفين عرب و أجانب، و كذلك مسرحيات شكسبير المترجمة إلى العربية.
٩- رشحك رفاقك في الدورة لإلقاء كلمة بمناسبة انتهاء مشروعكم العسكري، ما هي مشاعرك و أنت تقف أمام السيد الرئيس، و عدسات التلفزيون، و رؤساء البعثات العربية و الأجنبية؟
نعم أحسست باختلاجات متباينة... و لكنني في النتيجة أشعر بسعادة غامرة.
-------
المراجع :
- جريدة البعث - العدد ٥٤٢٨ - تاريخ ٩- ١١-١٩٨٠
- سنوات الغضب و وجع الحروف الجزء الأول
---------
الصورة المرفقة من اللقاء الذي أجراه هاني الخيّر مع السيد الرئيس
----------