كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ليندا ابراهيم: "أيلول دمشقيٌّ"

تماماً، كخريفِ بخيار واحد، هو كبرياءُ الصُّمُود في وجه العمر الآفل، تسمَّرَ ظبيُ مقلتيها، كلوحة بدت كآثار جرح قديم، مارَّةً أمام عينيها ذكرى ذلك الصَّباح الأيلوليِّ، حينما أخذت روحُها تُعْوِلُ طوالَ الطَّريق من دمشق، كان قلبُها يخرجُ فلذةً فلذةً مع كلِّ آهةٍ، بعد أن أطلقَتِ العنانَ لصوتِها بالنَّشيج ما شاء، ظانَّةً أنَّ ضجيجَ السَّفر و الطَّريقِ و محرِّكَ السَّيارة، ونظَّارةً سوداءَ على عينيها كفيلةٌ جميعُها بالتَّغطية على صوتِ بكائها المُرِّ فلا يشعر بها من بالحافلة.
لم تكن تعلمُ بعدُ، أنَّ النِّهاياتِ الأكثرَ فداحةً في الحزن، هي تلك التي تعقبُ البداياتِ الأكثر سعادةً، و لو أدركَتْ ذلكَ فعلاً، إذاً لاحتاطَتْ لهذا الألَمِ الأمَرِّ في عمرِها الغَضِّ، و الأشدِّ إيغالاً من أيِّ أمرٍ آخرَ عَرَفَتْهُ روحُها الطَّاهرةُ، المُتَطَهِّرَةُ بالآلام طوال حياتها..
طفقت تذرَعُ الشُّرفةَ جيئةً و ذهاباً، كَمَنْ تَبْحَثُ عنهُ، ذَلِكَ الشَّهِيُّ الغَامِضُ الوَالِهُ المُدنَفُ حَدَّ العِبَادة، و الوقتُ ليلٌ حالكٌ، غابَ قمرُهُ، وخبا نجمُهُ، و أفَلَ ضوءُهُ، مستعداً لانبثاق فجرٍ جديدٍ.. لا جديدَ فيه..!
لمْ تكن تعي كُنْهَ ذلِكَ الجُوعِ الغَامِضِ، المُوجِعِ حدَّ الفقرْ.. هي التي وزَّعت عمرها على تُخوم الرَّغبةِ الأزلية، عناقيدَ شوقٍ، و أقمارَ بنفسَجٍ و أنين..
"حبيبتي.. ينبغي أن تمري كما لو أنني لا أبصرُك، لا أُحسُّك، لا أسمعُك، و لا أشُمُّك.. مُرِّي بخطى شيطان، أو بخطى ريح بحريَّة رخيَّة، حتى يفوتَني أن أتجَسَّدَك..."
تتذكر كلامه هذا، مدركة الحقيقة أنَّ بعضَ النِّساء خلقن ما إذا لمَسْنَ الحجر أضَأْنَ مصابيح الكون...
تقول له على شرفة مطلة من "قاسيون"، حيثُ دمشقُ مضاءة بقلوب عشاقها، و نور أوليائها، و شغف نسائها الحسناوات، فيضحك ممازحاً: و بفساتينهن الملونة كعواطفهن، كليلِ دمشق هذا...
و تفكر: ربما من المنطقي أن تعدَّ العواطفُ ملوَّنةً: فلونُ الحبِّ أحمر، و الخيانة أصفر، كذلك الكرهُ و الحسدُ، و لونُ التَّصوُّف أخضرُ، و الإخلاص أبيضُ، و الأسودُ لونُ السِّيادة الأزليُّ.... فتضحكُ عابثة: أما أنا فأختار أثوابي كدمشق، من الأقمشة المعرَّقة بألوانٍ عدة.. فلطالما أحببت خلطَ أوراق الزَّمان، مثلها تماماً..
لا تعلم كم من الوقت بقيت على هذه الحال، حتى انتبهت إلى أولى خيوط الضَّوء تشقُّ ستار العتمة، مثلَ لُمَّةٍ سوداءَ وخطها الشيبُ على عجل...
انداح أمامها قاسيون، و بيوتُ دمشقَ و أحياؤها، كجرحٍ آخذٍ بالالتئام، وهي تفكِّر بفوحِ الحياة العاطرة فيها منذ الأزل وعبر جميع الحقب: ماذا لو داوينا جراحنا بفنية عالية؟ فجراحنا تستحق الكثير من الفن لتجميلها، و إعادة إدماجها مع خارطتنا الروحية، حالة سرية للغاية إعادة تأهيل خاصة جدا للذات..
عادت إلى غرفتها ذات الشرفة الزجاجية، المتأججة بعطرها الذي أهداها إيَّاه و رافقها لأعوام، استبدلته برائحة الياسَمين الذي تحبُّه و يذكِّرُها بمدينتها الأمِّ... و قررت في نفسها: الشُّجعانُ فقط من تخصُّهم الحياة بعداوتها، فرفرفي أيَّتُها الروح العظيمة، لتتمكني من بلوغ كل ماقادك إليه كبرياؤك، احملي كل برقياتك ورسائلك للعوالم الأخرى، لسوف يتحول الصبح خيوطاً من الضوء لا حصر لها لتشرقي..
بلِّغي دمشق بأنني لن أزورها بإهابي البشريِّ بعد الآن، بل سأفعلُ بهيئةِ غيمةٍ عالقةٍ عفوَ الرِّيح، و لسوف أوزِّعُ وجهي على بواباتها السَّبع و جهاتِها الأربع، و حالما أهتدي لمخبأِ مفاتيحها القديمة، سأمضي بهيئة نجمةٍ، و لسوف لن ترتبك خطاي، و لن أضل طريقي في السماء إليها..
كل يومٍ سيموت ربٌّ فادٍ على ترابها، لتنبت زهرة جديدة من شقائق النعمان، فتقلق طمأنينة الطبيعة عند عتباتها..
فحلقي، حلقي فوق أيلول، إلى الجنوب الجنوب من تمُّوزكِ... يا "دمشق"

الثورة

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني