علي سليمان يونس يكتب عن معركتي "التوافيق" و"جبل الشيخ"
تحية لجنود الله على الارض, ابطال الجيش العربي السوري, والخلود للشهداء...
معركة التوافيق 1960:
برزت في زحام الأحداث المتلاحقة، وعبر تيار التطورات المتسارع، واقعة قد يكون لزاماً التوقف عندها، وحملت اسم «معركة التوافيق» وجرت أحداثها في ليل 31 كانون الثاني1960 (فجر 1 شباط 1960) ولابد عند التعرض لهذه الواقعة من العودة قليلاً لبعض الأحداث المقترنة بهذا الموقع الجيو استراتيجي فقرية «التوافيق» التي تنسب إليها المعركة تقع فيما كان يعرف في تلك الفترة باسم «القطاع الجنوبي» من الجبهة وقد أشير إلى أن الجبهة السورية - الإسرائيلية كانت مقسمة لثلاث قطاعات (الشمالي ومقر قيادته مسعدة، والأوسط ومقر قيادته العليقة، والجنوبي ومقر قيادته العال)، وكانت تدافع عن كل قطاع قوة لواء مدعم بالمدفعية والدبابات ووحدات احتياطية وكتائب حرس وطني، علاوة على الاحتياط العام في منطقة قيادة الجبهة «القنيطرة» وكانت «التوافيق» تحتل موقعها على مرتفع يشرف على بحيرة طبرية وعلى المستعمرات الإسرائيلية الواقعة جنوبي البحيرة كلها، وجرت المعركة في قرية التوافيق السفلى المقابلة للنصف الجنوبي من بحيرة طبرية، وعلى بعد 1300 متر فقط من مستوطنة (بيت كاتسير) أي (تل القصر) والتي كان اليهود قد أقاموها في المنطقة المجردة من السلاح منذ العام 1950، وقد اعتبرت معركة التوافيق استمراراً للاشتباكات المتقطعة خلال النصف الثاني من عقد الخمسينات، فقط كانت الحدود السورية في تلك الآونة أكثر الحدود العربية - الإسرائيلية توتراً، نظراً لأن الإسرائيليين كانوا في تلك الحقبة يحاولون الاستيلاء على المناطق المجردة التي حددتها اتفاقية الهدنة في العام 1949 والواقعة بين الأراضي السورية والأراضي الفلسطينية المحتلة، فتشتبك معهم المخافر السورية الأمامية، ويتسع بعد ذلك نطاق الاشتباكات حتى تشمل قطاعاً كاملاً من الجبهة أو تشمل الجبهة بكاملها.
وكانت القوات الإسرائيلية تكتفي في بعض الاشتباكات بالرد الناري، وتقوم بعد الاشتباكات الأخرى بعمليات انتقامية تنفذها قوات تتوغل ضمن الأراضي السورية لنصب الكمائن أو شن الإغارات، وكانت الاستراتيجية السائدة في الجبهة السورية استراتيجية دفاعية بحتة، في حين كانت القوات الإسرائيلية تنفذ دفاعاً نشيطاً، وكان هناك اشتباك قد وقع في أيلول 1957 بين أهالي قرية التوافيق وجماعة إسرائيلية مسلحة تقوم بمسح الأراضي في المنطقة المجردة لحفر قناة للري عبر التوافيق السفلى، ونجم عن ذلك قتل وجرح عدد من الإسرائيليين، وقد أدى ذلك الاشتباك إلى تخلي الإسرائيليين عن خططهم في حفر القناة عبر البلدة، ولكنهم سرعان ما عادوا للعمل بجد أكبر في حفر قناة بديلة إلى الغرب من القرية، مخترقة الأراضي العربية التابعة للقرية، وتدخلت قوات هيئة الأمم المتحدة، فأرسلت فرقة مساحة وضعت تقريراً تم تقديمه للجانب السوري ـ وجاء فيه: «إن القناة لن تلحق ضرراً بالأراضي العربية»، وكان الإسرائيليون شرعوا في اعتبار القناة بمثابة خط جديد للحدود، فأخذوا في التضييق على الفلاحين العرب الذين اعتادوا على عبور القناة لحراثة وزراعة أرضهم وكان من الطبيعي أن يحمل أولئك الفلاحون بنادقهم للدفاع عن أنفسهم تجاه عمليات الإرهاب المتواصلة من قبل العدو الصهيوني.
لعل من أبرز الاشتباكات التي وقعت بعد ذلك ـ والتي شملت كل القطاعات دونما استثناء، تلك المعركة التي حملت اسم (معركة الأول من نيسان/إبريل/ 1958) حيث وقع اشتباك بالنيران بين القوات السورية والقوات الإسرائيلية شمل القطاع الأوسط بأكمله، وشاركت فيه من الطرفين المدفعية ومدفعية الدبابات والهاونات والرشاشات، وكانت الأسلحة الإسرائيلية تركز نيرانها على المواقع والقرى السورية، فيما كانت الأسلحة السورية تركز رمايتها على المستوطنات وتجمعات القوات الإسرائيلية، وتبع ذلك اشتباك مماثل في منطقة مزرعة الخوري (القطاع الأوسط أيضاً) يوم 6/11/1958، غير أن الاشتباك الأبعد أثراً والأشد عنفاً هو الاشتباك الذي حمل اسم (معركة الدرباسية ـ أو الدرباشية ـ يوم 3/12/1958)، حيث بدأ الاشتباك بعدوان يهودي على قرية الدرباشية، فأصدر قائد الجبهة (العقيد جادو عز الدين) أوامره الواضحة والصريحة بالرد على النار بمدافع الهاون، فعمل اليهود عندها على استخدام مدفعية الميدان في المعركة، فردت المدفعية السورية بنيران مضادة، وتجاوز القصف السوري حدود ميدان الاشتباك، فتم قصف المنطقة الخلفية لمسرح الاشتباك، وكانت النتيجة المباشرة إحراق المستعمرتين كفر سلط وزبيد، وتدمير مستودع للذخيرة لليهود في تل أبي الريش، وكذلك تدمير بطارية مدفعية بعيدة المدى في مربضها خلف مستوطنة نجمة الصبح، بالإضافة إلى تدمير وإصابة تسع دبابات إسرائيلية، وجدير بالذكر أن خسائر الجيش السوري في كل هذه الاشتباكات كانت ثانوية وأقل بكثير من خسائر الإسرائيليين، ويعود السبب في ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولهما ـ طبيعة الأرض التي كانت تسمح للأسلحة السورية المتمركزة على سفح هضبة الجولان الغربية بالسيطرة على القوات الإسرائيلية التي تحشد وتنتشر في أرض منبسطة، وثانيهما ـ كثافة المستوطنات والكثافة السكانية ـ العسكرية والمدنية ـ في مدى نيران الأسلحة السورية.
بدأت حالة التوتر تزداد نتيجة للاستفزازات الإسرائيلية مع اقتراب العام 1959 من نهايته فقد عاد الإسرائيليون لمحاولة حفر قناة ثانية، ولكن القوات السورية حالت بينهم وبين حفر القناة، وفي يوم 24/12/1959 ـ أطلق سكان قرية التوافيق نيرانهم على قوات حرس الحدود الإسرائيلي، واستمر الاشتباك مدة أربع ساعات بالأسلحة الفردية مما أدى إلى قتل شرطي يهودي وجرح قروي عربي، وبدأت الاشتباكات تأخذ طابع التصعيد، واستنفرت قوات الجبهة، وأخليت قرية التوافيق من سكانها المدنيين استعداداً لمعركة بدأت بواكيرها في الظهور بشكل واضح، وفي ليل 31 كانون الثاني 1960 تأكدت وحدات الكمائن السورية التي كانت ترصد التحركات الإسرائيلية بحركة تقدم باتجاه قرية التوافيق، ففتحت قوات الكمائن نيرانها على القوة اليهودية التي قدرت بقوة سرية تتقدمها قوة استطلاع من (30 - 40) جندياً وسرعان ما اتسع نطاق الاشتباك العنيف ليشمل خط المواجهة في القطاع الجنوبي من الجبهة بكامله، ونجحت القوات السورية في إرغام القوات الإسرائيلية المغيرة على قرية التوافيق إلى التراجع حتى قاعدة انطلاقها داخل الأراضي المحتلة وأدى تراجع قوة الإغارة الإسرائيلية المغيرة على قرية التوافيق إلى التراجع حتى قاعدة انطلاقها داخل الأراضي المحتلة وأدى تراجع قوة الإغارة الإسرائيلية إلى قيام المدفعية الإسرائيلية بفتح نيرانها بكثافة عالية، فتم لها تدمير قرية التوافيق وبعض التحصينات الميدانية السورية، وإسكات مربض مدفعية سوري مع قصف قرى سكوفيا، وفيق، وكفر حارب، ومزرعة عز الدين، فردت المدفعية السورية بقصف المستعمرات الإسرائيلية المقابلة وعندما حاولت أربع طائرات ميستير إسرائيلية اختراق المجال الجوي الغربي (صباح يوم 1/2/1960) تصدت لها أربع طائرات سورية ميغ 17 (زوجين) الزوج الأول بقيادة النقيب نقولا خوري ومعه الملازم عدنان حيدر, والزوج الثاني بقيادة الملازم أول موفق داغستاني ومعه الطيار (المصري) محمد المسيري واستطاع كل من قائدي الزوجين إسقاط طائرة معادية من طراز ميستير، وعادوا جميعاً إلى القاعدة سالمين، وكان لهذه المعركة الجوية أثر كبير على رفع معنويات الطيارين وتجسيد الوحدة السورية المصرية.
وكان هدف القوات الإسرائيلية من خلال عملياتها توسيع رقعة حدودها بالاستيلاء على الأراضي الزراعية في التوافيق، واحتلال تل التوافيق المتحكمة بمستعمرة (بيت كتسير - تل القصر) أو تحييدها على الأقل، وذلك بمنع الحياة فيها، إذ أقدم الجنود الإسرائيليون على تدمير معظم منازل البلدة السفلى فقط، حيث أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى القسم العلوي من البلدة، نتيجة ردع الدفاع لهم. ومهما يكن من أمر فإن هذه المعركة حرمت القيادة الإسرائيلية من تحقيق أهدافها، فسرعان ما عادت الحياة إلى قرية التوافيق، على الرغم من كل المحاولات الإرهابية الإسرائيلية، وهكذا ومع وصول معركة التوافيق إلى نهايتها، وتوقف إطلاق النار على الجبهة السورية، كانت الأوامر قد صدرت بتحرك بعض الوحدات العسكرية القريبة من دمشق لدعم الجبهة السورية، وفي الوقت ذاته تلقت القيادة في مصر الأوامر بتحريك الفرقة الثانية (المشاة) والفرقة الرابعة (المدرعة) إلى سيناء، وتحركت الفرقة الثانية مشاة باتجاه الإسماعيلية على محور واحد ـ وكان في تنظيمها الفوج المدرع الثاني ـ فتم عبور قناة السويس على المعديات، وبعد أن انتهت عملية التجمع شرقي الإسماعيلية ـ تابعت الفرقة مسيرها باتجاه العوجة ـ وتوقفت في منطقة الحشد القريبة من جبل أم مرجم، أما فرقة المشاة الثالثة فكانت منتشرة شرق سدر الحيطان وتقوم بمناورتها في عمق سيناء، فلم تكن بحاجة لأكثر من إعادة التنظيم لدخول المعركة، وكانت مشكلة (الفرقة الرابعة المدرعة) هي المشكلة الحقيقية إذ تحركت بصورة عاجلة إلى مشارف العريش، وأمكن بعد 95 يوماً إنهاء هذه المناورات وعادت القوات إلى قواعدها في معسكرات فايد وغرب القاهرة.
وقد تكبدت إسرائيل في هجومها خسائر كبيرة جداً، فقد تم تدمير أكثر من مستعمرة لها حتى أخذت تستغيث بالمراقبين الدوليين لوقف قصف مستعمراتها, وقد تمكنت القوات الإسرائيلية المهاجمة من احتلال قرية التوافيق، إلا أنها لم تستطع البقاء فيها, واضطرت للانسحاب منها تاركة ورائها على أرض المعركة (250) قتيلاً لم تستطع إخلاؤهم مع انسحابها من القرية واضطرت إسرائيل إلى طلب إيقاف النار، ومن ثم استلام قتلاها عن طريق المراقبين الدوليين.
وختاما: تميزت معركة التوافيق بأنها كانت أكبر المعارك في فترة الوحدة، وذلك ضمن سلسلة المعارك التي جرت في تلك الفترة، والتي أشارت إليها المراجع الإسرائيلية* بأنها وصلت إلى أكثر من مئة هجوم من القوات السورية ضد القوات الإسرائيلية، وبغض النظر عن صحة عدد هذه الاشتباكات، فقد كانت إسرائيل إما المحرض عليها أو المسبب لها نتيجة السياسة التي كانت تتبعها في القضم المتتابع للمنطقة المجردة من السلاح، ومتابعة تنفيذ مشروعها بتحويل مياه نهر الأردن.
****
لأبطال الجيش العربي السوري وحدهم تؤدى التحية...
معركة جبل الشيخ...
{ان القتال في الجولان كان أشبه بمناطحة التيوس, أو الالتحام العضوي المستمر للقوات المتحاربة , ولقد برهن على عناد القيادة السورية وتصميمها, وأعطى مثلا رائعا وبطوليا عن الجندي السوري}. "الجنرال بوفر".
أيها الاحبة.. كانت ساعات صباح السادس من تشرين الأول 6/10/1973 تمر ببطىء شديد كأنها أيام, فالمهام القتالية أسندت إلى جميع قادة القوى والتشكيلات الذين قاموا بدورهم بإبلاغها إلى المستويات الأدنى, واصبح الجيش العربي السوري خلية نحل تعمل بكل جد, ولكن بصمت مطبق مع الحرص الكامل على تنفيذ تدابير خطة التمويه العملياتي.
اتسمت معركة جبل الشيخ بأهمية عسكرية بالغة. وهي تعتبر من الأحداث الهامة في حرب تشرين الأول 1973، وتحتل مكاناً خاصاً في تاريخ هذه الحرب. فهي أول معركة استطاعت أن تحطم الغرور والادعاء الإسرائيلي، وفيها تمكنت قواتنا الخاصة من احتلال قلعة منيعة من قلاع العدو، الذي صورته الدعاية الصهيونية أنه قوة لا تقهر. ففي هذه المعركة تم تدمير الوحدات المعادية في مرصد جبل الشيخ، كما تم أسر عدد من الإسرائيليين بأقل وسائط ممكنة في تاريخ الحروب.
كان مرصد جبل الشيخ المعادي يرتفع عن سطح البحر 2224 مترا وكان بطبيعته موقعا منيعا. وهو يسيطر على كل المناطق الممتدة من سفوح جبل الشيخ الشرقية إلى غوطة دمشق وسهول حوران. وان السير عبر المسالك المؤدية إلى المرصد امر في غاية الصعوبة. وقد جعل العدو من هذا الموقع قلعة حصينة وجهزه بأحدث الأجهزة الإلكترونية للاتصال والمراقبة والتشويش (كان يوجد في المرصد 65 جهازا إلكترونيا للمراقبة والقيادة والتوجيه والتشويش, تبلغ قيمتها حوالي 250 مليون دولاراً في ذلك الحين, حسب إفادات الأسرى الإسرائيليين).
في ليلة 6 تشرين الأول، وقبل بدء الهجوم، تمكنت مجموعة من الوحدات الخاصة من الوصول إلى محور شبعا ـ جبل الشيخ، حيث نصبت كميناً لقطع الطريق على القوات القادمة لنجدة المرصد أثناء مهاجمته من قبل قواتنا. وفي ظهر يوم 6 تشرين الأول، ابتدأت المعركة من أجل تحرير المرصد المعادي، بعد بدء التمهيد الناري. حيث تقدمت الموجة الأولى من الوحدات الخاصة باتجاه المرصد المعادي, إذ كان من المقرر أن يتم اقتحامه على شكل موجات متلاحقة، وتتكون كل موجة من مجموعة من المقاتلين يتقدمهم ضابط. أما مجموعة الحماية فقد تمركزت مسبقاً في المنطقة الغربية منه، ومهمتها تدمير أية قوات معادية تتقدم باتجاه المرصد. وعند وصول الموجة الأولى إلى المرصد، اندفعت نحو المدخل الخارجي، وتمكنت من تدمير الرشاش 12,7 مم، الذي فتح نيراناً غزيرة عليها.
وقد أُصيب قائد الموجة الأولى الملازم أول ((جاسم الصالح)) برشقة في صدره فسقط جريحاً أمام مسند الرشاش المعادي وهو يصرخ: أثأروا لي.. ثم سقط جريح ثانٍ، وثالث. حينئذ تولى النقيب ((محمد الخير)) الذي كان يشرف على التقدم قيادة المجموعة الأولى، وامر الملازم ((نايف العاقل)) قائد المجموعة الثانية بالاقتحام خلف المجموعة الأولى. وفي هذه الأثناء اندفع المجند ((علي احمد العلي)) أحد مقاتلي المجموعة الأولى باتجاه سارية العلم الإسرائيلي المرفوع فوق المرصد. وكان يمني نفسه ان يكون أول من يمزق هذا العلم البغيض, إلاّ أنّ رشقة نارية (عربة مدرعة معادية عليها رشاش 12,7 مم). حالت دون وصوله إلى العلم، فسقط شهيداً مضرجاً بدمائه تحت السارية.
قاوم الإسرائيليون بكل صلابة وعناد.. واتخذ القتال طابع العنف الشديد, ولاسيما عندما تم إنزال جوي رأسي بوساطة إحدى طائراتنا العمودية فوق المرصد، واندفعت عناصر الإنزال بجرأة نادرة تقاتل جنباً إلى جنب مع عناصر الموجة الأولى. وبإشارة من النقيب ((محمد الخير)) على التقدم قفز المجند ((عبد الاله المهندس)) على العربة المدرعة من فوق السور الداخلي، وتمكن من قتل الإسرائيليين اللذين كانا يفتحان النار على المقاتلين. بعدها اندفع النقيب ((محمد الخير)) باتجاه سارية العلم، وعندما حاول أحد الإسرائيليين قتله، بادره بقنبلة يدوية أردته قتيلاً، وصعد النقيب الدرج المؤدي إلى سارية العلم. وعلى الرغم من النيران الإسرائيلية، أمسك بالعلم، وأخذ يلوح به بيديه وهو يردد صيحة النصر: الله أكبر.. الله أكبر.. عاش الفريق الأسد. ولم يكد المقاتلون يسمعون صيحة النصر، تُجلجل في الموقع حتى اندفعوا كالصواريخ وهم يرددون: الله أكبر.. الله أكبر، التي انطلقت من حناجرهم هادرة كالرعد القاصف واقتحموا الموقع الحصين، كل منهم باتجاه الهدف المحدد له..
شاهد المجند ((يوسف زوزو)) ضابطاً إسرائيلياً يحاول رمي النقيب ((محمد)) أثناء اندفاعه إلى سارية العلم، فأسرع كالبرق الخاطف، وهدد الضابط الإسرائيلي بقنبلة يدوية طالباً منه رمي السلاح والاستسلام، فأسقط في يده، ورفع يديه مستسلماً. وأثناء القتال العنيف، الذي دار فوق المرصد، تم إنزال مجموعة أخرى من الوحدات الخاصة بالحوامات إلى الغرب من المرصد المعادي، وعلى بعد ثلاثة كيلو مترات، حيث نصبت المجموعة كميناً على محور مجدل شمس ـ جبل الشيخ.
وبعد نجاح عملية اقتحام المرصد، التي لم تستغرق سوى نصف ساعة، تحركت مجموعة التطهير، وقامت بتطهير سراديب المرصد. وقد تمكنت من أسر عدد من الإسرائيليين، الذين كانوا مختبئين في الغرف الداخلية ضمن السراديب. وفي صباح 7 تشرين الأول قام العدو بقصف جوي ومدفعي متواصل وشديد على المرصد المحتل ـ إلاّ أنه لم يسفر عن أية نتيجة وتابعت المجموعات القتالية أعمالها في تنظيم الدفاع عن المرصد، وإخلاء الشهداء والجرحى، كما تابعت تطهير الممرات والسراديب الداخلية، حيث ظلت بعض الغرف مغلقة بأبوابها الحديدية التي لا ينفذ منها الرصاص، وكلفت مجموعتان بمتابعة التطهير، وقد استعانت هاتان المجموعتان بالأسرى، لاسيما الشرقيين منهم، من أجل الاهتداء إلى مداخل المرصد ومخارجه، وجرت عملية التطهير بصورة ناجحة على الرغم من بعض العناصر المعادية التي أبدت مقاومة كبيرة، واحتمت خلف الأبواب الحديدية السميكة في الغرف الداخلية. إلا أن القنابل الدخانية والقنابل اليدوية الهجومية، التي أُلقيت عليهم من فتحات التهوية في سطح المرصد، اضطرتهم للخروج والاستسلام، وهدأ النقيب ((محمد)) من روعهم وأخبرهم أنهم سيعاملون كأسرى. وفي صباح 8 تشرين الأول حين كان مقاتلو الوحدات الخاصة في أماكنهم حول التباب المحيطة بالمرصد. وفجأة دوى انفجار قنبلة من طائرة معادية فزلزل الأرض. وتبع الانفجار الأول انفجار ثانِ وثالث. وتوالت الانفجارات من طيران العدو ومدفعيته.
سمع الملازم أول ((احمد الجوجو)), قائد مجموعة الكمين على محور مجدل شمس ـ جبل الشيخ، هدير محركات وصليلاً (سلاسل دبابات ومجنزرات..) وكان الجو يتميز بالضباب الكثيف الذي ينقشع لفترة قصيرة ثم يعود. ومن موقعه الدفاعي شاهد الدبابات المعادية تتقدم على محوري مجدل شمس ـ جبل الشيخ، وشبعا ـ جبل الشيخ باتجاه المرصد. أخبر قائد الكمين النقيب ((محمد)) بالأمر.. وكانت عناصر القواذف المضادة للدبابات موزعة ما بين المرصد والكمين على مجموعات، تتألف كل مجموعة من ثلاثة مقاتلين مزودين بالرشاشات الخفيفة والمتوسطة والقنابل المضادة للدبابات. وزرعت الألغام على المحورين زرعاً ظاهرياً لإرغام الدبابات على الوقوف، وترجل عناصر العدو لإزالتها فيكون الجميع هدفاً واضحاً للنيران. تابعت الدبابات المعادية تقدمها، وكمن المقاتلون في مواقعهم، منتظرين وصول أولى الدبابات. وما هي إلاَّ نصف ساعة، حتى وصلت دبابات العدو وتوقفت أمام الألغام الملقاة بطريقة واضحة على الطريق، وترجل منها الجنود الإسرائيليون لإزالة الألغام. وهنا انهال المقاتلون على جنود العدو ودباباته، وأخذوا يقذفونها بالقنابل المضادة للدبابات فاشتعلت النيران فيها. ولقد قدر عدد الدبابات المتقدمة على محور مجدل شمس ـ جبل الشيخ بـ 35 دبابة ومجنزرة. وعلى محور شبعا ـ جبل الشيخ بحوالي 45 دبابة ومجنزرة. وفي هذه الأثناء بدأت المعركة، وأخذ النقيب ((محمد)) قائد المجموعات يتلقى تقارير القتال من مجموعات الهضاب الغربية عن تسلل عناصر معادية. وكان الأمر الصادر عنه: دمر العدو، وامنعه من التقدم. ونشبت في منطقة الهضاب الغربية اشتباكات مباشرة بين المقاتلين والإسرائيليين، استخدمت فيها الرشاشات والقنابل اليدوية والحراب. وأثناء القتال العنيف، تمكنت مجموعة معادية من التسلل من سفوح المرصد الجنوبية الشرقية المقابلة لقرية حضر. إلّا أن الملازم ((يحيى نيوف)) قام مع خمسة من عناصر مجموعته بالالتفاف حول السفوح الشرقية الجنوبية للمرصد، بينما قام الملازم ((محسن إبراهيم)) بتثبيت العدو بالنيران وتمكن الملازم ((يحيى)) من تركيز رشاش متوسط على إحدى الهضاب، وفتح النيران فجأة على العدو ودمره. وقد أصيب الملازم ((يحيى)) بطلقة من النوع المحرم دوليا (دمدم) فوضع يده على جرحه الذي ينزف بغزارة واخذ يحث جنوده على الصمود ومتابعة القتال. فما كان من عناصره إلا ان انقضوا كالأسود على الأعداء المنسحبين واجهزوا عليهم جميعا.
وعندما تابعت بقايا من دبابات العدو تقدمها على المحورين المذكورين، تكفلت بالقضاء عليها المدافع المضادة للدبابات المتمركزة في الهضاب، واندفع المقاتلون يصبون سعيرهم عليها، وشتت غزارة النيران تشكيل العدو القتالي. ومن البطولات الرائعة قيام الجندي الاحتياط ((عماد زغبور)) بمأثرة بطولية.. فأثناء صد هجوم العدو المضاد، أمسك بقنبلة يدوية، وزحف باتجاه دبابة القائد المعادي، وانتظر حتى اقتربت الدبابة، وبقفرة واحدة، تسلق جسم الدبابة من أعلى، وفتح الغطاء وألقى بنفسه وبقنبلته اليدوية فيها. وفجأة أصبحت الدبابة الرهيبة كتلة من الخردة والحديد المحترق. وعندما تبدد الدخان، شاهد المقاتلون الدبابة مشتعلة واندفعوا بحماسة وإقدام ليثأروا للبطل الشهيد. لقد استشهد ((بطل الجمهورية عماد زغبور)) ولكن نور مأثرته اصبح منارا يهتدي به رفاقه المقاتلون.
كان صمود المظليين وحماستهم مفاجأة تامة للعدو، الذي سرعان ما لجأ إلى الفرار من أرض المعركة، بعد أن خلف عشرات القتلى وراءه. إلّا أن المقاتلين من مغاوير الوحدات الخاصة كانوا للعدو المنسحب بالمرصاد.. وقد تمكنت سرية مغاوير، كانت تهاجم في منطقة مجدل شمس على مجنبة الفرقة السابعة من تدمير العناصر المعادية المنسحبة. وأنزلت بهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. لقد أصبحت هزيمة مجموعة الدبابات المعادية التي اندحرت في منطقة جبل الشيخ مأثرة من مآثر البطولات الخارقة لا يرقى إليها الشك. ولقد منح ((النقيب محمد الخير, والملازم أول جاسم الصالح, والملازم نايف العاقل, والمجند عبد الاله المهندس وبعض المقاتلين الآخرين)) وسام «بطل الجمهورية» تقديراً لما أبدوه من جرأة وشجاعة في هذه المعركة.
لكم وحدكم يا أبطال الجيش الميامين تُؤدى التحية.... وتُهدى أكاليل الغار..
المراجع:
- تاريخ الجيش العربي السوري.
-مرآة حياتي للعماد أول مصطفى طلاس.
-ارشيف وزارة الدفاع..
- الموسوعة العسكرية.