كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تَطَاحُنُ نهاياتِ الحرب على سورية.. حديث الثلاثاء "19"

{تَطَاحُنُ نهاياتِ الحرب على سورية..} 
[السّياسَات العَالميّة في الظّلال]

● د. بهجت سليمان

1 عندما ستضع الحرب على (سورية) أوزارها لن يكون بإمكاننا التّفكير بمخاطر النّهايات، إن وجدت، لأنّ الزّمن لا يعود إلى النّقطة التي كان علينا فيها التّدخّل في مجرى الحدث.
و من الواضح، غالباً، أنّ انفتاح الحرب على (سورية) قد اتّخذ له مساراتٍ مُركّبة و معقّدة بعد أن تحوّلت هذه الحرب إلى مناسبة سياسيّة عالميّة لخوض التّجارب السّياسيّة و تجريب الأفكار المخزونة في ”الصّناديق السّوداء” لجميع القادرين و المتمكّنين الدّوليين و كذلك لمحترفي السّياسة و هواتِها سواءٌ بسواء.

2 ما يشغَلُنا، نحن، كسوريين، هو، بالدّرجة الأولى، الاتّجاهات النّهائيّة، في هذه المرحلة، و النّهايات المختلفة المتوقّعة أو الاحتماليّة؛ و ذلك لأنّ الغايات المتضاربة للمنخرطين في هذا ”الصّراع”، هي غاياتٌ غير علنيّة، و بالأخصّ لأنّها ”فُرَصٌ” تُغري الكثيرين من االدّول أصحاب المشاريع و الطّموحات ”الجيو- سياسيّة” أو ”الجيو- بوليتيكيّة” على الاختلاف الجوهريّ بين هذين المصطلحين، و المتعلّق، أصلاً، بالسّياسات الدّاخليّة و الخارجيّة لتلك الدّول التي وَجَدَت في الحرب على (سورية) ظروفاً مؤاتية لحلّ مشكلاتها الدّاخليّة أو الخارجيّة التي تواجهها مع شعوبها نفسها..
أو تلك التي تواجهها في سياسات الامتداد العالميّ و احتكار استراتيجيّات القرن الواحد و العشرين، في ما بين بعضها مع البعض الآخر، ضماناً للتّفوّق السّياسيّ و العسكريّ على مستوى المواجهات الدّوليّة الباردة التي عادت لِتُطِلَّ علينا منذ المشهد الأوّل لانحسار أهداف ”العولمة” التي قادتها (أميركا)، في تحوّل عالميّ تواضعيّ دخلت فيه مجموعة من الدّول العالميّة الوازنة، من أجل الحرب الباردة على ”الحوكمة” التي تحدّ من استشراءات ”العولمة”، في ”وزاعة” جديدة لمناطق النّفوذ العالميّ، يتداخل فيها التّحدّي و التّفاهمات الضّمنيّة أو الصّريحة، بواسطة ما يُمثّل من شبه تقاسم لمقادير المستقبل العالميّ من حيث التّفوّق الضّامن لتبادل الاعترافات الدّوليّة في ما بين الدّول الأعظم في هذا العالم..
الأمر الذي يستجيب، سياسيّاً، لما يُسمّى في ”الأدبيّات السّياسيّة” غير الاحترافيّة دخول العالم في مرحلة ”ما بعد بعد الحداثة”.
و يُضاف إلى ما يشغَلنا، كسوريين معنيين قبل و بعد كلّ شيء بالأحداث العاصفة التي تتطوّر في (سورية) على نحو جديد و غير مجرّب و غير مسبوق على مستوى العالم و التّاريخ، هو تجربتنا السّوريّة العسيرة، و معالم مستقبل ”الدّولة الوطنيّة”، السّياسيّ، في إطار التّرقّب القهريّ للنّهايات، و الذي أصبح يداهم أفعال و سلوكات جميع السّوريين، الّلهمّ باستثناء أولئك الذين لا يربطهم بالوطن سوى كونه محطّة عبور انتقاليّة و مأقوتة بظروف استثماراتهم السّياسيّة و الماليّة و الاقتصاديّة، لا أكثرَ و لا أقلّ.

3 يتابع المراقبون السّياسيّون للأحداث أخباراً و تطوّرات واقعيّة أو احتماليّة، بحسب مصادرها، تجعل الواقع و المستقبل رهناً للميول الأعظميّة الأخيرة للقوى الدّوليّة المتصارعة في (سورية)، في اتّجاهات ليست فقط تثير الرّيبة و الشّكّ، و تفتح المستقبل على غموض سياسيّ؛ و إنّما هي أيضاً تجعل من المشهد السّياسيّ العالميّ المتفاعل و المتفاقم في (سورية)، أمراً عصيّاً على مختلف ”القراءات”.

4 فالواقع الاحتماليّ الأول، و الذي يخامره تفاؤلٌ غير مُعلّل بالنّسبة إلى البعض، إلّا بقدر موثوقيّات مصادره و مسؤوليّاتها عن المعلومات، يتّجه إلى تحديد نهايات يرغبها السّوريّون و لو أنّها، بذاتها، ليست نهايات حدّيّة للصّراع، و إنّما قد تشكّل مقدّمات لإنهاء الصّراع المسلّح و الدّخول في ”مرحلة سياسيّة” جديدة - ربّما - لم تبدأ، بعدُ، حتّى في تبلور الخطوات المفتاحيّة التّالية للحرب، بما في ذلك إقحام صراعات سياسيّة جديدة على شكل توطّد نهاية الحرب على مستوى السّياسة الدّاخليّة في (سورية)، و على بداية حياة سياسيّة سوريّة لا معالم لها، بعدُ، أو أنّ معالمها ليست داخلة، حتّى الآن، في إجماليّات و تفاصيل السّياسة الوطنيّة العامّة، إذا كنّا نتحدّث على الممارسة.
هنالك أخبارٌ متضاربة، و لو أنّها ”منسجمة” شكليّاً على الأقلّ، مفادها أنّ (تركيا) تسحب كلّ المقاتلين الأجانب من ”تركمان” و ”أويغور” و ”منغوليين” و ”أوزبك”.. و غيرهم، من (إدلب) إلى الحدود التّركية تمهيداً لإعادتهم إلى ”بلدانهم”، كما تفعل الأمر ذاته مع ”إعلامييها” من ”المنطقة”، و بخاصّة إعلاميي (إدلب)، فيما تقوم، أيضاً، بإغلاق كلّ مقرّاتها للبثّ المرئيّ و المسموع، مع استعادة الأجهزة و التقنيّات الخاصّة بذلك، في مشهد يوحي باليأس التّركيّ من مغامراته الهوجاء و طموحاته ”الفانتازيّة” في احتلال أراضٍ سوريّة بذريعة حماية حدود (تركيا) من ”التّمرّدات” الكرديّة الانفصاليّة في (سورية)، و ما يجرّه عليها ذلك من تمرّدات ”كرديّة - تركيّة”، و ما يجلبه ذلك - حسب زعمها - من تهديدٍ لأمنها القوميّ.
و في أنباءٍ أخرى، فإنّه جرى استبعاد (عبد الله المحيسني) ”الجهاديّ التّكفيريّ السّعوديّ” - إن لم يكنْ قد قُتِلَ وفق بعض التّسريبات - مع ”معاونه”، و خرج من (إدلب)، و ذلك بعد أن تَمّ تصنيفه كإرهابيّ من قبل (أميركا)..
فيما تقول الأخبار ”الإعلاميّة” إنّ ”المفوّضيّة الأوربّيّة” قد أعلنت أنّ ”أيّاماً سوداء تنتظر (إدلب)”.
و على صعيد آخر يرتبط بالحرب، أنّ (الأردن) قد طلب، عبر غرفة ”الموك”، إلى جميع الفصائل الإرهابيّة المسلّحة، الانسحاب من ”الجنوب السّوريّ”، إلى داخل (الأردن)، ليُصار إلى بسط تامّ للجيش العربيّ السّوريّ للسّيادة على المناطق المُخلاة.
و قد تسرّبت معلوماتٌ أهمّ من ذلك، أيضاً، تقول بأنّ ”الطّيران الأميركيّ” في ما يُسمّى ”قوّات التّحالف”، قد أخلى الأجواء السّوريّة في (دير الزّور)، للطّيران السّوريّ و الرّوسيّ للتّصرّف بحرّيّة في تلك الأجواء.
و في الإطار الأبعد، فإنّ (4000) طَنّاً من موادّ البناء الرّوسيّة هي في طريقها إلى (سورية)، أو أنّها وصلت، كمستلزمات أوّليّة و مباشرة لعمليّة إعادة العمران السّوريّة.
أمّا في الجانب السّياسيّ، و بحسب ”وكالات إعلام عالميّة”، فلقد أبلغت كلٌّ من (السّعوديّة) و (تركيا)، ”معارضَاتها” من ”السّوريين” أنّ أمر ”بقاء الرّئيس بشّار الأسد في السّلطة في سورية، هو أمر واقع”!

5 و أمّا الواقع الاحتماليّ الثّاني، فهو يكمن في أنّ ”العالم” لا يعدَمُ، و لا يُريد أن يعدَمَ، ”أسباب” إقحام التّوتيرات و التّوتّرات للعلاقات ما بين القوى المتصارعة على النّفوذ.
فَ(أميركا) و (“إسرائيل”) تصعّدان، و معهما ملحقاتهما الوظيفيّة في منطقتنا، فيما (روسيا) المعاصرة قد أدركت لعبة المواجهة العالميّة فلم تتأخّر عن ”التّصعيد” المتبادل حفاظاً على خطّ صعودها العالميّ المطّرد و تحقيقاً لتوازن الرّدع مع ”الولايات المتّحدة” بل و للتّفوّق (عسكرياً) على (أميركا)، و هذا أمر ممكن و لكنّه يكون في إطار حلفها العالميّ الجديد في ”المنطقة” في (سورية) و (إيران)..
و هكذا باتت ”المشكلة” المزمنة هي في إطالة واقع الحرب و آثارها، في إطار تضارب المعتقدات و الأفكار و المصالح، و التي تحافظ فيه تلك القوى على مناخات ”الحرب” التي تتجلّى في حرمان ”المنطقة” من الاستقرار، ضماناً لجعل أجواء الحرب مسيطرة على ”المستقبل” القريب و االبعيد، إنجازاً لأهداف دوليّة مستورة من زعزعة أمان ”المنطقة” و توتير السّلم العالميّ، و ما يُتيحه هذا الواقع من انقسامات و استقطابات، يبقى فيها الخاسر الدّائم هو أطراف هذه الحروب و النّزاعات، بعد أن دخلت ”اللعبة” السّياسيّة نادي ”الكبار” من الدّول العظمى التي تجاوزت القطبين إلى استقطابات قطبويّة متعدّدة، ليس آخرها ما أعلنه (ترامب) من إنشاء ”تحالف” أميركيّ - عربيّ يضمّ إليه أكثر الدّول العربيّة رجعيّة و استكانة و تبعيّة للغرب و (“إسرائيل”)..
و هو ما يعني استمرار التّحدّيات المهدّدة بالأخطار المختلفة لسورية و دول ”المقاومة”، ممّا سيجعل تاريخ هذه المنطقة مرتبطاً بتطاحن حروب و مشاريع الآخرين في عقر دارنا التي تتداعَى أكثر فأكثر، يوماً بعد يوم.

6 تعتبر (إدلب) السّوريّة و مشكلتها التي تتعقّد، اليومَ، إنذاراً نموذجيّاً بالأخطار الوافدة الجديدة، فيما تراوغ (تركيا)، من جهتها، لضمان ”أفضل” الحلول بالنّسبة إليها، بينما تتحدّى ”الولايات المتّحدة” أفق الحلّ العسكريّ الذي سيكون قريباً، قد أصبح هو الخيار الوحيد أمام (سورية) و (روسيا)، و ذلك أمام توقّعات في تصعيد الموقف الأميركيّ بذريعة و من دون ذريعة، مع أنّ الذّريعة ”النّظاميّة” الأميركيّة - الدّوليّة الغربيّة قد أصبحت جاهزة قبل خوض هذه الحرب، و ذلك في القرار الأميركيّ - الغربيّ بأنّ (سورية) استخدمت(!) - في الحرب المقبلة(!) - أسلحة كيميائيّة ضدّ ”المدنيين”.
لا يوجد في الكون كلّه مثل هذه ”الوقاحة” السّياسيّة عندما تتبنّاها دولة عظمى في العالم هي ”الولايات المتّحدة”..
و هذا مع أنّ ”العالم” سيأخذ هذه ”الوقاحة” بالاعتبار الاستراتيجيّ بتحوّلها إلى واقع عسكريّ عدائيّ و هجوميّ عندما يتعلّق الأمر باحتمالات تطوّرات هذا الصّراع.

7 إنّ التّهديدات الجدّيّة و المستمرّة، الأميركيّة و ”الإسرائيليّة” للمنطقة و السّلم الدّوليّ، تضعنا أمام احتمالات مفتوحة على بداية جديدة لأشكال الصّراع في المنطقة، و هو الأمر الذي كان في حسباننا في أكثر من حديث لنا، هنا، على هذا المنبر، الشّيء الوحيد الواضح فيه هو نيتهم باستمرار ”الحرب” إلى ما يتجاوز نهاياتها المفترضة، ليجعل منها حرباً مستمرّة في المكان و على المكان، طالما أنّ هذه الحرب تخدم مصالح ”الولايات المتّحدة” و (“إسرائيل”) في طحن و تفتيت و تخريب و استنزاف هذه المنطقة، فيما أيضاً تعزّز من مواقع الدّول العربيّة الرّجعيّة و الذّيليّة التّابعة و المستلبة القرار.

8 لا تسلّم ”القوى” المنهزمة في هذه الحرب، و ربّما لن تسلّم.. مستقبلاً، أيضاً، بهذه الهزيمة.
و أمام واقع ضرورة الخروج من التّصوّرات السّياسيّة السّاذجة حول منطق عقد الصّفقات السّرّيّة بين القوى الأقوى المتصارعة مباشرة، ذلك أنّ أيّة صفقة لن ترضي طموحات و مخاوف و قلق هذه القوى من مستقبل الصّراع على المنطقة..
فإنّ النزعة الصهيونية الأقوى لمستقبل الصّراع، إنّما هي الدّخول في تطاحنٍ عسكريّ يكون مسرحه الرّئيسيّ (سورية) و شموله المنطقة كلّها ليصل إلى (إيران)، ما لم تحدث ”المعجزة” في انقطاع ”شعرة معاوية” التي تربط في ما بين (تركيا) و (إيران)، أو أن تنجز (تركيا) اصطفافاً استراتيجيّاً مع (روسيا)، و هو الأمر المستبعد، نهائيّاً، في رأينا، على الأقلّ بمناسبة هذه ”الدّرجة” من الحرب، مع أنّ الغرب و (“إسرائيل”) لا يُعيرون تلك الأهمّيّة التي تفترضها، غالباً، السّياسة، من الحفاظ على أمن (تركيا)، كما قد يتصوّر الكثيرون، كما أنّهم لن يُعيروه تلك الأهمّيّة في المستقبل، أيضاً.

9 في هذا الواقع نحنُ علينا توقّعُ غير المتوقّع و ذلك انطلاقاً من واقع عالميّ متحرّك بلا حدود..
فإذا كان ما قد ميّز ”الحداثة” عن ”ما بعد الحداثة” هو واقع تفوّق ”السّياسيّ” على ”الفكريّ” و “الفلسفيّ”، فإنّ ما يُميّز ”ثقافتنا” العالميّة المعاصرة التي نميل إلى قبول تسميتها بواقع ”ما بعد بعد الحداثيّ”، إنّما هو استبعاد ”السّياسيّ” و ”الفلسفيّ”، معاً، و تفوّق ”الّلعب” السّياسيّ مهما كانت مخاطره غير متوقّعة أو غير داخلة في الحسابات.
طبعاً لا يُمكننا أن نحدّد ”العامل” الجوهريّ الأطغى في ”السّياسات” المعاصرة، من بين سائر جميع ”العوامل” الأخرى، إلّا أنّنا نعتقد (و لا نظنّ) أنّ ما يتحكّم في السّياسات المشهودة، اليوم، هو واقع ما يُسمّى ”الصّدفة”، و تركها تتحكّم بسيرورة الأحداث، من منطلق أنّ العمل السّياسيّ المعاصر هو، بالمطلق، عملٌ من أعمال ”الهُواةِ”.. الذين يُدارون عن بُعد.
و على أنّنا لا نؤمن بالصّدفة فإنّنا يمكننا الحكم على طبيعة السّياسة العالميّة المعاصرة، على أنّها ترك ”الغارب” العالميّ للمقادير، و ذلك في ”مغامرات” لا نعتقد بأنّها مدروسة، فعلاً، من قبل المنفّذين، و لو أنّها لا تخرج عن كونها ”مقامرة” ساديّة لأولئك الذين يضبطون إيقاع العالم، لولا أنّهم - ربّما - قد أخطأوا في هذا المجال، متجاهلين أنّ ثمّة من النّهايات ما قد يمكن أن يكون نهاية أخيرة للجميع، و لا رجعة عنه.
هنا لا مانع من ملاحظة مفادها أنّ ”أولئك” الفاعلين العالميين الحصريين، لا يمكن إلّا أن يكونوا قد توقّعوا مثل هذه النّهايات ”التّراجيديّة”، و مع ذلك فإنّهم يضعون في حسبانهم، احتمال الدّخول في عصر ”المأساة”.

10 في تقديرنا، فإنّه لا يبدو أنّ ”الّلعبة” السّياسيّة العالميّة المعاصرة ذاهبة إلى ”حلول” تُرضي الجميع.. و لا إلى مكانٍ آمنٍ في إطار تحدّي القناعات و المعتقدات و الإرادات، و لا إلى نهاياتٍ ”حدّيّة” للصّراع، في الوقت الذي يبدو معه أنّها لا تسير نحو نهاياتٍ طبيعيّة، بالنّسبة إلى عهودنا مع التّقاليد السّياسيّة العالميّة التي عرفناها حتّى اليوم، بل هي تتقدّم إلى ما يُسمّى في الفيزياء الفلكيّة ”أفق الحدَث” و الذي هو عبارة عن آخر منظر يمكن أن يظهر للعلم المعاصر في دراماتيكيّة نهايات الأجرام الفلكيّة في المجرّات المتقادمة إلى ”الثّقب الأسود” الكونيّ، الذي يلتهم ذاته عندما يغيب مشهده الأخير في مستوى ”أفق الحَدَث”!
فبعد منطقة ”أفق الحَدَث” هذه، ليس ثمّة معلومات عن المصير..

11 في هذا التّطاحن السّياسيّ العالميّ، تبدو لنا مقادير السّياسة خارجة عن التّحكّم بعيداً عن أطر ”الدّراما” العالميّة؛ و إذ ذاك فإنّ الجميع يدخل في مُكَاسَرَةٍ للرّقاب، في أفظع مشهد عنف عالميّ عرفته البشريّة حتّى اليوم.
و لا يعنينا، هنا، وصفات حكيمة حول التّحكّم في ضبط ”النّهايات”، ذلك أنّ مفهوم ”النّهاية” بذاته قد دخل في إطار ”قاموس” لغويّ مُستَحدَث و جديد؛ ناهيك عن أنّ العالم قد ابتعد، تاريخيّاً، كثيراً، عن حكمته التي عرفها الفكر التّاريخيّ في الفلسفة و السّياسة، على السّواء.

12 لا نتقدّم بوصفة تبشيريّة سوداويّة، هنا، و إنّما نعمل على رصد ظاهرة هذه الحرب التي قد تكون الأخيرة أو من ما قبل الحروب الأخيرة، في ظلّ نموّ طاقة العنف العالميّة المعاصرة منها و الوشيكة.
نحن، بالفعل، نقف، اليومَ، على تخومٍ مجهولة المصير، بعد أن تفاقمت ”القوّة” العالميّة و اختارت لها لغة ”العنف”، و صار لا بدّ من انفراغ نهائيّ لهذه ”الشّحنة” التي ينظر إليها أطرافها في العالم بإعجاب، يُخالطه مَكرٌ محدود الذّهن و ثقة مفرطة الغباء!
عندما ينتفخ ”العالم”، كما هو الحال عليه، اليوم، يُصبح لا بدّ له من أن يعودَ، قَسراً، بحكم الفيزياء، على الأقلّ.. إلى مستوى ”طبيعيّ” من الطّاقة السّلبيّة التي أصبحت، اليومَ، متسرطنة و هائلة، و هو ما يدعونا إلى ”الحذر” من توقّع الأفضل، عندما سيصبح هذا الحذر لا يُفيد.

*****

فعقب المهندس الشاعر ياسين الرزوق زيوس, بما يلي: أ ياسين الرزوق1

في حديثك تخرج الحروب إلى سلامها الباحث عن عنونة مراحل التأهيل القادم للدولة و المجتمع و العارف بمقتضيات البناء دون أن يغفل عمَّا يحاك من نتائج يريدونها بالسلم الخبيث حينما خانتهم الحروب القذرة.

و حديثك يقلب طاولة اللا معرفة و اللاوعي كي تكون انطلاقة الوعي و المعرفة متطابقة مع نية ضبط اللاوعي و اللا معرفة في فضاء الوعي و المعرفة بمطابقة عينية و عقلية و روحية.

و عليه:

1): لن نكون هيدجريين في البحث عن ما بعد الحداثة و ما بعد بعدها لأنَّ الحداثة التي تنتجها الحروب و يتبناها السلم لن تخرج من فوضاها قبل بثِّ روح الاعتناق الحقيقي للمغزى من كلِّ ما جرى في إطار الخروج من مداخل بدائية إلى مخارج حداثية!

2) : لن نتلاشى في الثقوب السوداء إلا لنظهر في عدميتنا سواء بالحرب أو بالسلم أنَّ الطاقة لا تفنى و لا تُخلق من العدم و لن نضيع في مستويات الطاقة الإيجابية أو السلبية إلا لنتقافز كالكترونات عالمية تريد من مستويات الطاقة جمل عدميتها و أرقام كينونتها التي كما تغيرها الحرب يجعلها السلم بوجوه لا تحصى على مرأى العيون التنظيمية بالفوضى قبل سواها و بالدم قبل السيف و هنا تكمن أبجديات الحروب التي أولاها السلم و الأمن و ليس آخرها انتشار الجريمة المنظمة!

3): إيران لا تقف على باب السفارات الحداثية في واشنطن و لا تتبنى نظرية أردوغان الحداثية الرجعية بدعمه للمحيسني الإرهابي السعودي و للإيغور و للتركمان و كذلك لا تقطع معه شعرة معاوية الدمشقية التي بقدر ما تتلمس مكافحة الإرهاب لا تعمل على نفي الاندماج السياسي القادم في تموضعات وطنية لا ضرر من خروجها عالمياً باتجاه المكاشفة مع الجميع بانعكاسٍ لمرآة المصالحة الوطنية الداخلية ليكون وجهها خارجياً القصاص العادل الذي لا بدَّ منه في نواميس الكون.
رغم أنَّ استثناءات السياسة في إدارة الحدث لن تبقي لوماً على القيادة السورية في بحثها عن انفراجات دولية تلبي مصلحة الوطن و الشعب باستراتيجية منهجية لا بردود أفعال قوامها الحقد المعاكس كما الحقد التأسلمي الإخونجي الوهابي مع أن نواميس الكون كما قلنا تؤكد أنَّه لكلّ فعل في هذا الكون ردّ فعل باتجاه السياسة المنبثقة لاهوتياً و اللاهوت الممضوغ سياسياً!

4): إدلب بقدر ما هي معضلة إنسانية سيادية بقدر ما هي كرة ثلج تدحرج معها اللاعبون الدوليون بتطاحنٍ قطبي و بعراكٍ إقليمي مصيري عراك حياةٍ أو موت لن يوقف صفقات القرن عن بث الفتنة الشيعية السنية إخوانياً و وهابياً بأذرع تمتد إلى أدق التفاصيل الشخصية لجعل إسرائيل سيدة التجمعات المدنية و المجتمعات الحداثية و الجمعيات الأهلية المجتمعية الحقوقية بوجه أبيض يحول الدول العربية إلى ثيرانٍ بيضاء تأكلها تباعاً بنية حقيقية ساهمت غرفة الموك في الأردن بتحويلها إلى أفعال فوضوية منظمة و منظمة فوضوية لا صدفية عدمية في فجوات الشيطنة الكبرى!

5): إعادة الإعمار التي تجري في ظلِّ تراكضٍ إلى التطاحن القطبيّ و الإقليميّ و ما بعده بعد أنْ ذقنا قبله في ظلِّ حيثيات طاغية تفقد المستويات الطاقية حروب الطاقة و هذا ما يؤدي في المحصلة إلى تبشير يريدون من أمله أن ينغمس بالسوداوية و من يأسه أن يكون ناصعاً حيث لا سلم في مستويات الطاقة بتنظيمها و فوضاها الحربيين!

6): بحديثك تنتظم الطاقة بفوضى المعرفة و تعود المعرفة بفوضاها إلى قمم التنظيم السياسي و الاقتصادي و الديني و الثقافي و الفكري و التربوي و الإعلاميّ و الاجتماعيّ بعد طول حروب من التطاحن و سلمٍ من المناحرات دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني