ليندا ابراهيم: أمِّ الحجار السُّود..
الكتابة جرح... جرحٌ مفتوحٌ على الألم.. الألمِ الذي يُوَلِّدُ الحياة..
جرحٌ ينزفُ نشيجاً، لينسجَ نسيجاً من الجمال تغدو معه الأرواح التوَّاقة للفكر والحياة والإبداع بعافيةٍ أكثر...
الكتابةُ فنُّ تجسيدِ هذا الجرحِ بلحظته، كما تشعرُ به النَّفس، و تكابدُهُ و تعانيه، وتدركُهُ الرُّوحُ، و تألفُهُ، و تشتاقُهُ طقساً من طقوسها... فلا كتابةَ بلا نفسٍ... ولا رقيَّ بلا روح...
الكتابة حياةٌ إذاً.. حياةٌ من صميمِ هذا الجرحِ المفتوحِ على كلِّ ما حوله: الإنسانُ بمعاناته.. الفكرُ بتطوراته.. الرُّوح بمأساتها، القلبُ بإشراقه، الجمالُ بتجلِّياته.. الوطن بمجمله، هذا الكائن الأب الأمُّ الرَّؤومُ الرَّؤوفُ العَطُوفُ الحَنَّانُ غيرُ المَنَّان...
في الطريقِ إليها ذاتَ صبحٍ، أدركتُ ذلك وهي واسطةُ العِقد، ودرَّة القلب...
تحالفت يومَها السَّماءُ لتنثرَ خيراً وفيراً يجعلُ الكتابة أشهى ما تكون، وأجملَ ما تشبهُ هذا الجرحَ الذي أنت بحاجةٍ إليه لتنزفَ كلَّ هذا الجمال...
مطرٌ... نشيجُ السَّماء... وكلُّ شيءٍ حولي ينشجُ... بينما أخذتِ النَّفسُ تنشُجُ، وقد تفتَّقَ جرحُها، وتفتَّحَ وردةً أرجوانيَّةً سمراءَ، ما أن أبصرْتُ حجارتها"السُّود"...
ورحت أسألُ جرحي... ترى ما شأنُ حجارتها سوداء؟ هل هي مسوَدَّةٌ من خطايانا، فاتَّشحَ قلبُها بهذا الدَّاكن الأسمر الشَّهيِّ؟ أم أنَّها فلذةُ كبدِ الآلهة، و سمرةُ وجهِ "دومنا"، التي أعطتها هذه السَّفعةَ من الصَّلادة في اللون؟ أمْ لربَّما مجدُ "زنوبيا"، التي أرضخَتْ أبَّهة الرَّومان، وحطَّمتْ أنَفَتَهم، فكانت حجارتها شاهدةَ اللَّون والتَّاريخ، على نخيلٍ باسق، وأوابدَ سامقة، التفعت بالسَّافيات فكانت تمثالَ مجدٍ على مرِّ العُصُور..
لا جبل فيها... ولا مرتفع... وهذا في ظنِّي ماطبعَ أهلها بالسَّلاسة و جمال القلب، وسهولة المعشر...
و ما أن تبدأ التفكير و التأمُّل بكل هذا الجمال، حتى تباغتَكَ مظاهرُ الدَّمار والرُّكام والخراب... تفوحُ منها رائحةُ وحشٍ ما، مَرَّ من هنا فتركَ أثارَ خرابه ووحشيَّته واندحر..
وفي كل منعطف تردِّدُ روحي مع "نسيب عريضة":
"يا حمصُ... يا أمَّ الحجار السُّودِ... و اهتف رجعتُ بعاثر مردود.."
و أي عاثر... و أي مردودٍ يا حمص...؟
لك الله... ولأبنائك الذين ذاقوا ما ذاقوا،و تجرَّعوا ما تجرَّعوا، وأنت الباقية الآبدة الخالدة يا أمَّ سوريا..
كنتُ أصيخُ السَّمع ليلاً، علَّني أمسكُ أطرافَ غنائه، ذلكَ الأبديُّ الخالد... لكنَّ النَّواعير تلقَّفتْ جرحَهُ و شجنه، و حَوَّلتها عنيناً أبدياً يُخرِسُ كلَّ لحن، و يُسكتُ كلَّ عويل، و يتفوَّقُ على كل حنين...
كانَ "الميماسُ"، ابنُ "العاصي" المدلَّل، يجري باثّاً الحياة في شريانها العاشق، هي العديَّة الأبدية..
و "ابنُ رغبان" على أمتار من قصره، لكنَّ صرخة الظلم الأبدية غطَّت على صوت النَّدم الأزليِّ، فما كان منه إلا أن يلتزمَ الحيادَ في مشاعره، هو العاشقُ العاشقُ حتى وريد الدَّم.. و الحُبِّ و المجون... حتى أقصى الشِّغاف والخَمر.. وهو ينشد عبر شهقات التراب:
"انظرْ إلى شمسِ القُصُور وبَدرِها ** وإلى خُزاماها وبَهجَة زهرها
لم تبلُ عينُك أبيضاً في أسودٍ ** جمعَ الجمالَ كوجهها في شعرها"
كانت "وردُ"، ماثلة في كل منعطف، بينما صرخاتُ عاشقها الأزليِّ، تملأ أرجاء روحي العاثرة بحبكِ يا "حمص"..
كلُّ مكانٍ يشي بألف حكاية عن أمجادٍ وأقوامٍ وحيواتٍ مرَّت من هنا وتركت أثرَها على صدرك النَّدي الرَّحب، و قلبك المكلوم :
"أساكنُ حفرةٍ.. وقرارِ لحدٍ ** مُفَارِقُ خلِّةٍ من بعد عهدِ
أجبني إنْ قدرتَ على سؤالي ** بحقِّ الوِدِّ كيف ظللتَ بعدي
وأينَ حلَلْتَ بعد حلولِ قلبي ** وأحشائي وأضلاعي وكِبدي؟"
لم أدرِ كيف خلدْتُ للنَّوم، و في روحي حُداؤه الدَّائمُ المتجدِّدُ، لقوافل النُّجوم المنسربة من بين يدي الليل، ذلك الليلُ الذي كان نجمةً نجمةً يحكي أسرارَ العشق الأولى لهذه الأرض الطيِّبة..
كانت صورُهم تملأ الأماكن، و جراحاتهم تملأ النفوس، أحياء بأسرها مهجورة مدمرة، والحياة بدأت تدب ببطء في عروقها، أخذني الوسن.. وطيف لوجه سنيٍّ بهيٍّ يراود روحي عن روحها..
نهضتُ من جسدي، علِّي ألاحق طيفاً فأقبض على ثنايا ثغره، وهو يطبع قبلة على عينيَّ الغافيتين، و أجواء الطرب و الغناء تتردَّدُ عبر الأزمنة...
و غادرت مع أولى خيوط الصَّباح، ذلك الحلمَ الأجملَ الأبهى، مع خيوط المطر الهاطل، وأنا أردِّدُ مع "ديك الجن":
"وليلةٍ بات طلُّ الغيث ينسُجُها ** حتى إذا كمُلَتْ أضحى يدبِّجُها
يبكي عليها بكاءَ الصَّبِّ فارقَهُ ** إلفٌ ، ويُضحِكُها طوراً ويُبهِجُها"
الثورة