نص المحاضرة التي ألقاها د. بهجت سليمان بمناسبة العيد الفضي للحركة التصحيحية في (13 تشرين الأول عام 1995): "حافظ الأسد قائداً وإنساناَ"
[بمناسبة العيد الفضي للحركة التصحيحية في (13 تشرين الأول عام 1995) ألقى الدكتور بهجت سليمان، المحاضرة التالية في مكتبة الأسد]
[وكان في مقدمة الحضور في المحاضرة حينئذٍ (الرائد المظلي الدكتور بشّار الأسد)]
بمناسبة العيد الفضي للحركة المجيدة
وزارة الثقافة – مكتبة الأسد
محاضرة بعنوان (حافظ الأسد قائداً وإنساناَ)
د. بهجت سليمان – 13\ 11\ 1995
يسعدني ويشرفني أن أتحدث في مناسبة فريدة هي العيد الفضي للحركة التصحيحية المجيدة وكما تعرفون أنّ الحركة التصحيحية حدثت في مثل هذا اليوم منذ خمسة وعشرين عاماً، أي في الثالث عشر من عام 1970 وأعلن عنها بعد ذلك بثلاثة أيام ، أي في السادس عشر من الشهر نفسه،
ويسعدني أن أحاضر في هذا الصرح الثقافي الفذ مكتبة الأسد، ويشرفني ويسعدني أن تكونوا جميعاً موجودين معنا في هذا المكان، وفي الطليعة منكم الرائد المظلي الدكتور بشار الأسد.
عنوان محاضرتنا لهذا اليوم: الرئيس حافظ الأسد قائداً وإنساناً ، وأرجو منذ البداية أن تتحملوني ساعة من الزمن وبضع دقائق..
لقد استوحيت عنوان هذه المحاضرة من واقعةٍ بسيطةٍ في ظاهرها، ولكنها عميقة في مغزاها، واقعةٍ استولدت حواراً غنياً بيني وبين أحد الأصدقاء، فقبل عدة أسابيع استوقفتنا الصديق وأنا، صورة فوتوغرافية معروفة كانت معلقةً على زجاج إحدى الحافلات، تمثل الرئيس حافظ الأسد وهو يقبل يد والدته المغفور لها السيدة الفاضلة ناعسة، قال الصديق أنظر إلى هذه الصورة وحاول أن تستنبط مغزاها في قراءة مختلفة عما اعتاد الناس قراءته في صورة حافظ الأسد رئيس الجمهورية، والمسؤول عن شؤون الوطن وحامل الأمانة الثقيلة في إنهاض الأمة ورسم مستقبلها.
إنّ ملامح صورة حافظ الأسد القائد تنحسر هنا لتحلّ محلها ملامح الإنسان العادي، إنه هنا ابن لا يختلف عن ملايين الأبناء البارين بأمهاتهم، والذين اعتادوا على تقبيل أيديهن ضمن أداءٍ طقسي من الحب والاحترام والخشوع، ويغمر وجدانهم إحساسٌ فطريٌ غامض ، لأنّ رضى الأمهات هو مفتاح نجاحهم ومصدر حكمتهم ومبعث إلهامهم في اتخاذ المواقف الصحيحة والخطوات السديدة.
مساء اليوم نفسه رويت ما حدث وما قاله هذا الصديق لصديق آخر، فعقّب قائلاً : أما أنا فقد قرأت صورةً أخرى للسيد الرئيس، مغايرة إن لم تكن معاكسة في مغزاها، صورةً طغت فيها ملامح القائد الكبير على صورة الإنسان المكون من لحمٍ ودم، صورة الأب الذي أدمى قلبه هول الفجيعة في ابنه البكر، فيوم استشهاد الفارس البطل باسل الأسد ، لاحظنا كيف حاول حافظ الأسد من موقعه كقائد، أن يضبط اندفاعة الحزن الهادر كالشلال والمتدفق من قلوب جميع جماهيره التي احتشدت على جانبي الطريق إلى مطار المزة، وفي المطار نفسه لتشاركه حزنه ولتقاسمه لوعته ولتعبّر عن وقوفها إلى جانبه، في محنته العصيبة .
لقد أطل الأسد من مقصورة طائرته ولوح للجماهير بيده متسامياً فوق جراحه محاولاً تهدئتهم والحد من اندفاعتهم، وهناك في القرداحة حيث كان جثمان الشهيد البطل يوارى بالثرى، كانت دمعة الأب قد احتبست في عينيه، لتقدّم إنموذجاً بليغاً ومثلاً رائعاً عن كيفية التمرّس بالشدائد، وامتصاص الصدمات ومواجهة النوائب .
وبالرغم من الاختلاف الكبير في المغزى، بين مشهد كلٍّ من الصورتين، ومشهد الأخرى، حسب رؤية كلٍّ من الصديقين، فإنّ ملامح الصورتين تتحد في مغزى واحد ومنظومةٍ واحدة، لتشكّل نسيجاً فريداً في العلاقة بين القائد والإنسان، ولتنبىء عن سرّ العبقرية لدى صاحبها.
وعندما نتحدث عن عظمة حافظ الأسد، وعبقريته، قائداً وإنساناً، فإننا ننقل بعض جوانب الصورة الحقيقية عنه، لكن مهما كانت الصورة رائعة وجميلة ومبدعة، فإنها تظل عاجزةً عن أن ترتقي إلى مستوى الأصل.
وعندما نتحدث عنه لا نأتي بشيء جديد، وهو ليس بحاجة لنا أو إلى حديثنا أو حديث غيرنا، بل لقول كلمة الحق والحقيقة، التي تشكّل رصيداً وذخيرة لأبناء وأجيال الأمة والوطن، حاضراً ومستقبلاً، يحصّنون من خلال ذلك الرصيد وتلك والذخيرة أنفسهم وذواتهم، في مواجهة التحديات المستقبلية التي سيتعاملون معها، ويجابهونها في مسيرة حياتهم العامة واليومية.
وعندما يذكر العظماء بأسمائهم أحياناً، دون ألقابهم ومناصبهم، فذلك لا ينال من عظمتهم بشيء، ويكفي الأسم فخراً أنه منسوبٌ لصاحبه، ويكفي صاحبه فخراً، أنه جعل الأسم خالداُ بين صفحات التاريخ، ويبقى الموصوف هو الأصل، والصفات هي التابع.
قبل خمسة وعشرين عاماً، عندما قامت الحركة التصحيحية، كان الناس داخل سورية وخارجها، متلهفين لمعرفة المزيد عن حافظ الأسد، ولم يكن يهمهم موقفه الفكري، ونهجه السياسي، بقدر ما كان يهمهم جوهره الإنساني والأخلاقي، وذلك لسبب بسيطٍ متعلق بإحساسهم الفطري، أنّ هذا الموقف وأنّ هذا النهج، لايعدوان كونهما تجليات لهذا الجوهر، وهذا صحيحٌ إلى حدٍ كبير.
فمصائر الأمم والشعوب، كثيراً ما ترتبط بمناقبية قادتها، ومواقفهم الأخلاقية، وبما يتفرع عن ذلك، بدرجة إحساسهم بجسامة المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وبطرق تعاملهم مع الحياة، بكل تقلبات ظروفها وأحوالها.
كذلك فإنّ جملة الظروف التي أفردتها الممارسات الخاطئة للقيادات السابقة في سورية، إضافة إلى جملة الظروف والأوضاع العربية ، قد عزّزت من تلهّف الناس، داخل سورية وفي مختلف أرجاء الوطن العربي، إلى معرفة كنت وجوهر حافظ الأسد.
فقد كانت هزيمة عام 1967 تلقي بظلالها السوداء في صدور الناس ، لتشيع حالة من اليأس إزاء تحقيق هدف إزالة آثار العدوان، وزاد من مرارة هذه الحالة، نشوب الاقتتال الضاري في الأردن بين الجيش الأردني والفصائل المقاومة الفلسطينية، وغياب القائد العربي الكبير جمال عبد الناصر في أيلول 1970، كانت مواجهة هذه الأوضاع والظروف الاستثنائية، تتطلب وجود قائد كبير، قادرٍ على أداء مهماتٍ كثيرة صعبة، منا الأعداد لحرب لا مفرّ منها مع المحتل الإسرائيلي، وإقامة البنى والمؤسسات الهيكلية، لخلق آليةٍ منظمةٍ في ممارسة الحياة السياسية في البلاد، ومتابعة تطورات الوضع العربي العام، وخاصةً في مصر والأردن، باعتبارهما دولتي مواجهة، وتعزيز العلاقات مع دول المساندة، ذات الإمكانيات المالية الاقتصادية الكبيرة، والسعي لدى الدول الأجنبية الداعمة لنضالنا، من أجل زيادة دعمها الاقتصادي والعسكري لنا.
كان أداء مثل هذه المهمات الكثيرة والمعقدة والموزعة عل مجالات عديدة، يتطلب بعداً إنسانياً عميقاً، بل خارقاً من الصبر والجلد والمثابرة والجديّة والتماهي مع قضايا الوطن والأمة، ذلك لأنّ عنصر الاستثناء في القائد، ليس قائماً بحد ذاته، وليس نسيج وحدها، إنه يستند إلى عنصر الاستثناء في الإنسان لدى القائد إياه، فعنصر الاستثناء في القائد يظل محصوراً في جوهره كموهبة فردية، بينما يمتد عنصر الاستثناء في الإنسان إلى قلوب الآخرين، ليمثّل ضميرهم ووجدانهم، ويعكس أمانيهم وآمالهم، فلكي يكون القائد قائداً، يجب أن يكون هناك مَن يقودهم، فالقيادة لا تجد فعلها، إلّا في الآخرين، ولكي يكتمل فعل القيادة لا بُدّ من استيفاء الشرط الأهم، وهو أن يرى هؤلاء وجوههم في مرآة هذا الفعل، فالقائد الاستثنائي لا يستطيع إقناع الناس أنه يستحق صفته هذه إن لم يمثّل ضميرهم ويدافع عن مصالحهم.
هذه الحقيقة التي استخلصها حافظ الأسد، بل وعاشها قبل قيام الحركة التصحيحية، والتي تسلّم سدّة القيادة استناداً إليها، بعد قيام الحركة، هي التي وفرّت له أهم شرطٍ، ليس فقط لاستمرار مسيرته واستقرار بلده وتوطيد سمعته كأحد أبرز قادة العالم، بل لامتلاكه أقوى الشرعيات التي تخوله حق قيادة أمته، وهي الشرعية الجماهيرية، بعد أن جعل من دمشق محط أنظار الأمة، ومعقد رجائهم، في الدفاع عن الحقوق والمصالح القومية، في وقتٍ خبت فيه جذوة الحماسة واختلط فيه الحق بالباطل، وأضحى التفريط وجهة نظر، وفرّط الكثير من الحكّام بكرامتهم، وتحوّل بعض الثوريين السابقين إلى سماسرة، وجعلوا من أوطانهم ساحةً مستباحةً للعدو، يسرح فيها ويمرح كما هو الحال الآن، وراح هؤلاء ضحية هذا التفريط.
إنّ مقياس العبقرية لا يكون في القدرة على الوصول إلى رأس هرم القيادة، بل في انتزاع تأييد ودعم الشعب والأمة في بقاء القائد هناك، وإذا ما أجرينا استعراضاً سريعاً للوجوه التي تعاقبت على الحكم في سورية، بعد الجلاء، نجد أنّ أيّاً من هؤلاء الحكّام لم يكمل ولايته، بل إنّ حكم كلمن حسني الزعيم وسامي الحناوي وناظم القدسي وغيرهم لم يدم سوى أشهرٍ قليلة، كل هؤلاء فشلوا، لأنّ أيّاً منهم لم يستوفِ جميع الشروط الواجب توافرها لقيادة البلاد، وكان الهم الرئيسي والشغل الشاغل لمعظم هؤلاء، هو امتلاك السلطة والمحافظة عليها، فأطيح بهم من قبل آخرين، كان لهم نفس الهم، ونفس الهدف، أو الهم نفسه والهدف نفسه.
إنّ الاستمرار في استلام سدّة القيادة، له مقوماته وشروطه، وعلى رأسها الارتباط بقضيةٍ أو برسالةٍ ما، والمزاوجة بين قدرةٍ قياديةٍ مفترضٌ وجودها، وبين التعبير عن ضمير الناس، وتوافر الفهم الموضوعي لمهمات العمل القومي والوطني، وترتيب أولوياته في ضوء متطلبات المرحلة التاريخية، وإقامة التوازن والانسجام بين تحقيق الهدف الاستراتيجي، واتخاذ القرارات التكتيكية، ولعلّ أخطر ما افتقده الذين تعاقبوا على حكم سورية قبل الحركة التصحيحية، هو الإحساس بأنّ ممارسة الحكم هو رسالة ومسؤولية، وبأنها تكليف لا تشريف، وبأنها محصورة بمرحلة قد تطول وقد تقصر، وأنه يجب على الحاكم أن يقدم لشعبه ولأمته، أقصى ما يستطيع من نبض قلبه وعصارة جهده، سعياً لمواكبة تطورات العصر وتحقيق التقدم لبلده، من هنا تولّدت لدى هؤلاء الحكّام ولدى الناس أيضاً، اوهامٌ كثيرةٌ، حول استمرار أيّ رئيس دولة في منصبه، سواء بطريقة طبيعية ودستورية، أي عن طريق انتخابه عن طريق المجلس النيابي، أو عن طريق الانقلابات العسكرية، ومن هنا تولّد الانطباع الخاطئ واللغو المغلوط، بأن حكم سورية أمرٌ صبٌ ومعقد، إن لم يكن مستحيلاً، وأنّ حصول الهزات والخضات السياسية والانقلابات العسكرية، قدرٌ لا محيد عنه ولا مفرّ منه.
أمّا حافظ الأسد فكان لديه ما لم يتوافر لدى غيره من رؤى وقناعات، كانت الثقة تغمر نفسه بشأن استمرار قيادته، ففي الأسبوع الأول من ولايته الدستورية الأولى، في شهر آذار عام 1971، أدلى بحديث لإحدى الصحفيات اللبنانيات، التي وجهت إليه سؤالاً : عما إذا كان يشارك الآخرين قناعتهم بشأن صعوبة قيادة الشعب في سورية؟، وعمّا إذا كان خائفاً من ممارسة الحكم؟، فأجابها: (بالعكس، أنا أعتقد أنّ قيادة الشعب في سورية سهلةٌ وطبيعية إذا توافرت القيادة المتجاوبة مع الشعب، والمعبّرة عن آماله وطموحاته)..
ربما أصبح من السهل، بعد مرور ربع قرن على هذه المقابلة، أن نستنتج أهم سبب لنجاح حافظ الأسد في تحقيق ما فشل الآخرون في تحقيقه، وهو تثبيت النظام الاجتماعي والسياسي، وتوطيد دعائمه وتوفير مرتكزات ومقومات استمراره وديمومته.
إنّ ممارسة الحكم تتطلب الوعي بما يجب فعله في ضوء تجارب البشرية عبر التاريخ، صحيحٌ أنّ فنّ السياسية، هو فنّ جعل المستحيل ممكناً، وجعل الممكن متحققاً، لكن الممارسة الصحيحة للحكم، تبقى أمراً آخر، فهمي تستند إلى استشفاف العضة واستخلاص العبرة من التاريخ.. يقول الرئيس الأسد: (السياسي من دون معرفة التاريخ، قطعاً ليس سياسياً كما يجب أن يكون)
غير أنّ هذه المعرفة ليست الشرط الوحيد الكافي لممارسة فن القيادة، أو لأداء العمل السياسي على أكمل وجه، ويقول الرئيس الأسد أيضاً: (الكلام السياسي غير المستند إلى قوّة عملية، لا فائدة منه ولا وزن). ويؤطر ذلك في معرضٍ آخر في قوله: (نكون مخطئين إذا كنّا نتصور أن العمل السياسي وحده يحقق ما نريد، رغم أنّه عامل هام وأساسي من أجل تحرير الأرض).
وإذا كان الأداء الرفيع في العمل السياسي والقيادي، مرتبطاً إلى حدٍ بعيد، بملكات القائد وقدراته من جهة، ومستنداً إلى وعيه بمسار التاريخ من جهة أخرى، إلّا أنّه يظل قاصراً عن تحقيق الأهداف المطلوبة، إذا لم يمتلك القائد القدرة على الغوص في أعماق النفس البشرية، لمعرفة دوافعها ونوازعها وميولها ورغباتها، وهذا يعني وجوب امتلاك القائد عنصر الإحاطة بطبيعة التكوين النفسي للإنسان، بل الإحاطة بجوهر الحياة وقيمتها الأخلاقية، فالحياة كما يرها القائد الأسد، هي بالنسبة للإنسان الحقيقي قضية يحملها ويدافع عنها، ولهذا يقول: (إنّ الأشخاص ليسوا مهمين، إلا بقدر ارتباطهم بقضية).
فمن شأنّ هذا الارتباط أن ينقل الإنسان من دائرة الأهداف الفردية الضيقة، إلى آفاق الأهداف الجمعية الشاملة، إنّها نقلة في تجاه التعبير العملي عمّا هو مشترك بين الناس، أي التعبير عن الضمير والوجدان، وما يمكن اشتقاقه من معايير ومقاييس منهما، وكلما تعزز الارتباط بين الإنسان كفرد، والإنسان كرسالة وقضية، تعززت قيمته الأخلاقية، وذلك لسبب بسيط، هو أنّ الإنسان الفرد يموت ويندثر، بينما تتخذ قضيته طريقها إلى الخلود، لأنها تعبّر عن الارتباط الوجداني، بين الفرد ومجتمعه، وأجياله اللاحقة، ويقول حافظ الأسد في هذا المجال : ( إننا كأفراد نعيش حياة قصيرة جداً، وأنّ القاعدة هي التضحية بالموقت في سبيل الخالد، عندما تقتضي مصلحة الخالد مثل هذه التضحية).
هناك إذا في فكر حافظ الأسد جدلية واضحة بين المؤقت والخالد، مشابهة للجدلية القائمة في شخصه، بين القائد الاستثنائي والإنسان العادي، فالفرد مؤقت وجيله أبقى، والجيل نفسه مؤقت، ولكن الأجيال أبقى، لأنّ بصمات أفعالها تتعاقب بتعاقبها في سياق استمرار الحياة، هذه الحقيقة لم يعمد حافظ الأسد للتذكير بها، من موقعه كإنسانٍ خبر الحياة بعد أن خاض غِمَارها فحسب، بل من موقعه كقائدٍ حامل رسالةٍ وصحاب قضية، ولعلنا نتذكر ما قاله الرئيس الأسد في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة الأهرام القاهرية، ونشرتها في الحادي عشر من الشهر الماضي، عندما قال : ( مصر ليست ملك حسني مبارك، ولم تكن ملك عبد الناصر ولا السادات، والعراق ليست ملك صدام حسين، وسورية ليست ملكي، أنا أحكم لوقتٍ، وبعد ذلك أمضي).
هنا أراد الرئيس الأسد أنّ يذكّر زعماء العرب الآخرين، بأنهم محكمون بأجلٍ في هذه الحياة مثل سائر البشر، وأنّ وجودهم في مواقع المسؤولية العليا، يجب أن يفرض عليهم التضحية بالمؤقت في سبيل الخالد، في ضوء الاستخلاص الصحيح لمعنى الحياة، أي أن يقرب كلٌّ منهم القيمة التاريخية والحياتية لكل موقفٍ أو قرارٍ يتخذوه، ذلك لأنّ افتقاد هذه القيمة، في الموقف والقرار، سيجعل منهما إرثاً ثقيلاً، يستحيل على الأجيال اللاحقة التخلص منه بسهولة، فإنّ حكم الأجيال هو نفسه حكم التاريخ، وهو حكمٌ لا يرحم، بكونه هو جهة الاختصاص لإصدار حكمٍ على كل قائدٍ أو إنسانٍ عادي، بما قدّمه للحياة، حياة جيله، والأجيال اللاحقة.
وليس سرّاً أن نقول أنّ حافظ الأسد مسكوناً بهذا الهاجس، هاجس محكمة الأجيال، محكمة التاريخ، أليس هو القائل: (إذا لم نمتلك القدرة على تحقيق النصر، فلا أقل من أن نجنّب أجيالنا القادمة الهزيمة).. أليس هو القائل: (المرء يحيى بمن قبله ويحيى بمن بعده، ويحيى به مَن قبله، ويحيى به مَن بعده، وإذا كانت تلك السلسلة، وكان الموت من أجل الآخرين، فقد حمل الموت معنى الحياة).. أليس هو القائل: (كلُّ جيلٍ يضع حجراً، ونحن يجب أن نضع حجرنا في بناء بلدنا).
إنّ عملية البناء الحقيقي للوطن والأمة، للإنسان وجيله وللأجيال اللاحقة، هي سياق متصلٌ من العطاء، وهي ليست مجرد إضافات كميّة من بنى مادية صماء، يقدمها هذا الجيل أو ذاك، وينصرف، بل هي عملية اصطفاء التجارب الإنسانية المتراكمة على طريق التقدم، الذي يشكّل ضرورة تاريخية..
إنّها ليست مجرد أداءٍ ميكانيكي، بل هي فضيلة البذل، ليس من بذل الإنسان وجهده وعرقه وحسب، بل من روحه ودمه، هنا أيضاً تبرز روعة الجدلية في فكر حافظ الأسد، قائداً وإنساناً، عندما يزاوج بين الموت والحياة، لتأكيد أقدس فضائل العطاء الإنساني، فضيلة الاستشهاد في سبيل قضية أو رسالة ما، أي في سبيل تأكيد قدسية الحياة، بما ينطوي عليه من أخلاقياتٍ وقيمٍ ومُثلٍ عليا، فالاستشهاد كما يراه حافظ الأسد، ليس انتحاراً أو موتاً مجانياً رخيصاً، إنه العطاء القائم على أرفع درجات الإحساس، برسالة الحياة، لأنّه يشكّل نقلةً، لابل يشكّل في بعض الأحيان شرطاً لتحقق الحياة، ولعل الكثيرون منّا يتذكرون ما قاله الرئيس الأسد في الرسالة التي وجّهها للمقاتلين، اثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حينما أقسم بالله وبهم، بأنه لن يدع الفرصة تهرب منه، عندما يجد ممكناً أن يكون معهم في الميدان، مؤكداً لهم أنّ كل الأماني تصغر وتصغر أمام أمنية الشهادة، هنا تتجدد العلاقة بين جدلية القائد الاستثنائي، والإنسان العادي، عبر العلاقة بين القائد والجندي، بل هنا يتجسّد ضمير الإنسان في القائد، ليكسبه حقّاً لا مراء فيه، بل مشروعيةً لا ترقى لها أيّة مشروعية أخرى..
إنّها هوية القائد ودائرة انتمائه، المنسوجة من وجدان الناس، ومن أمانيهم ومطامحهم، جذوره مغروسة فيها، ومنها يستمد القائد النسغ ليحوّله إلى ثمرٍ يانعٍ في شجرةٍ مباركة معطاءةٍ وارفة الظلال، من هنا اكتسب القائد صفة استثنائي، وحقق لبلده القوّة والمنعة، لقد قال حافظ الأسد ذات مرّة : ( كل حكمٍ يبنى على قطيعةٍ بينه وبين الناس، لا يقدّر له أن يستمر، ولو حمته ألوف الدبابات)..
لقد استمرت قيادة حافظ الأسد كقيمةٍ وطنيةٍ وقوميةٍ وأخلاقية، بالتفاف ملايين الناس حوله، وتأييدهم غير المحدود، ودعمهم الذي لا ينضب، وهو الذي لم يكن ليتحقق لولا إحساسهم بالحاجة الحيوية المباشرة إليه شخصياً، وإلى نهجه وخطه ومدرسته، في زمن قلّت فيه القادة التاريخيون القادرون على رسم الطريق الصحيح لشعوبهم، وهذا الإحساس قد زاد من عبء المسؤولية التاريخية الملقاة على كاهل القائد الأسد، بل زاد من شدّة التدقيق، في مختلف شؤون الحكم وشجونه، خاصةً فيما يتعلق بأمور السياسة الخارجية، المرتبطة بعملية السلام، إلى حدّ أنّ الكثيرين في الخارج، وجهّوا له تهمة التعنّت والتصلّب في مواقفه التفاوضية، وهي تهمةٌ لم ينكرها الرئيس الأسد، رغم أنّ التهمة الحقيقية هي الصلابة، في مختلف مواقفه، وأنّ توجيهها إليه ينطوي على شرفٍ كبير له، ومع ذلك وجد الرئيس الأسد نفسه في موقف المدافع عن نفسه امام هؤلاء، إذ قال: (إنّهم يظنون أنّ الأمر في هذا القطر هو أمر حافظ الأسد، ليتهم يعرفون حقيقة شعبنا، إنّ حافظ الأسد ليس إلّا واحداً من هذا الشعب، ولولا ذلك لما استطعت أن أحمل أسم حافظ الأسد).. وإذا ما أمعنا النظر في هذا القول فإنه يسهل علينا الاستنتاج بأنّ هناك بعداً جماهيرياً، بل بعداً إنسانياً لكل قرارٍ أو موقفٍ يتخذه القائد الجدير بقيادة شعبه، وهذا البعد يتعلق بقضايا وقيم أخلاقية، مثل كرامة الإنسان وكرامة الوطن، وحرية الإنسان وحرية الوطن، وهذا ما يفرض على القائد تكريس هذه القيم في قراراته، حتى لو أدّى ذلك إلى تبديد ما يعتبره الآخرون قيماً أخرى مقدسة، ولكنها أقل أهمية، ففي الشهر الماضي أعلن الرئيس الأسد، رفضه القاطع إقامة محطات إنذارٍ على الأراضي السورية، حتى ولو أدى ذلك إلى نسف العملية السلمية، فالحفاظ على الأرض هو الحفاظ على السيادة الوطنية، التي يستمد منها المواطن أو الإنسان كرامته في معظم الأحيان، والتفريط بهذه السيادة من أيّ حاكمٍ، لا يقتصر على التفريط بكرامة الوطن والمواطن، بل بكرامته الفردية أيضاً، أنه يعني الحكم بالموت الحتمي والأخلاقي على هذا الحاكم، وهو أبشع أنواع الموت، ولعله إذا شئنا اختيار البعد الأخلاقي والإنساني بشأن موقف حافظ الأسد، الرافض لإقامة المحطات المشار إليها، فإننا لا نجد أفضل من قوله : ( الإنسان الفرد زائل، وأكرم له أن لا يكون حيّاً، إذا سيعيش ظروف الاستسلام بإرادة أعدائه )..
فالأبطال وحدهم، يقفون في وجه ما يبدو أنه تيارٌ جارفٌ لا يرد، حتى لو اضطروا لأحناء رأسهم للعاصفة، لكنهم لا يركعون، بل يشرعون صدورهم، عندما يجرف التيّار الزرع والضرع، فإذا استطاعوا حرف التيّار، أدوا قسطهم للعلا، وإلّا فهم على استعدادٍ لبذل الدم والروح عندما يستدعي الأمر، وهؤلاء شكّلوا عبر التاريخ مناراتٍ مضيئةً تهتدي بنورها الأجيال اللاحقة..
هذه هي بعض المرتسمات الأخلاقية والفكرية والفلسفية لحافظ الأسد، قائداً وإنساناً، وليس سرّاً أن نقول أن بعضاً من ذوي الخبرة والمعرفة، تعسفوا في فهم حافظ الأسد، من قبل الحذلقة الكلامية و الإسراف في التفسير أحياناً، ولم يعطوا هذه المرتسمات حقها، أنّهم ينظرون إلى حافظ الأسد وكأنه لغزٌ يستعصي عليهم فهمه، ومع ذلك لا يترددون في إطلاق أحكامهم وبالتالي تكهناتهم، التي تجانب الحقيقة وتفتقد إلى الدقّة في غالب الأحيان، هذا مع العلم أنّ الرئيس الأسد نفسه، عمد إلى تذليل هذه النظرة في مناسباتٍ عديدة، بل وفي مقابلاتٍ صحفية إذاعية عديدة، ففي حديثٍ أدلى به إلى هيئة الإذاعة البريطانية قبل عشرين عاماً، قال: (ليس في الأمر ما يدعو لأن أكون لغزاً، فأنا لست إلّا مواطناً عربياً، حملت المسؤولية الأولى في وطني، وأستمد القدرة على تحملها من ثقة الشعب، وأحاول دائماً أن أعيش حياتي بالقدر الذي لا يتعارض مع ضرورات العمل والمسؤولية) ..
إنّ قراءة ما بين سطور هذا الحديث، تدفع إلى الاعتقاد إلى أنّ القائد الأسد يعرف الحقيقة إلى توق الناس إلى معرفة درجة قربهم منهم، في نظامه الحياتي وأسلوبه المعيشي، وهم على حقٍّ في ذلك، وعندما ينظرون إليه كرمز منتزع من عبقريته القيادية، فإنهم يصبون إلى ترجمة المعنى المجرّد لهذا الرمز، إلى تجلياته ومظاهره السلوكية، بل يصبون إلى معرفة درجة التشابه، أو درجة الاختلاف، بين ما يتصورونه عن حياة القائد الرمز، وحياتهم، إنه تساؤل مشروع، أجاب عليه الرئيس الأسد في أحدى خطبه عام 1980، عندما قال : (إنّني أولاً وأخيراً فلّاح أبن فلّاح، إنّ جلسةً بين سنابل القمع وعلى بيادر الزرع، تساوي في نظري كل قصور الأرض، لم أكن في الماضي لأعيش في قصر، ولن أعيش فيه إلّا بالقدر الذي تفرضه عليّ ضرورات العمل والاطلاع بالمسؤولية)..
وهذا صحيحٌ مئةٌ بالمئة، فلو حاولنا بنظرة استقرائية استشفاف العناصر المشتركة بين الأداء السلوكي في الحياة الشخصية لأيّ قائد، وبين مواقفه وقراراته السياسية، لوجدنا أنّ هذه العناصر تجسّد الأخلاق السائدة في بيئته التي نشأ فيها وترعرع، وكأنها تعني ارتباطاً عضوياً، لاينفصم بين موقفه كقائد وجذوره كإنسان، فحافظ الأسد بعيدٌ كلَ البعد عن بهارج الحياة زاهدٌ في لذائذها الحسيّة المباشرة، يمج المظاهر الاستعراضية الفارغة، ولكنه شأن غالبية الفلاحين الذين يمثلون غالبية شعبنا، موتورٌ بطبع الفلّاح على تقديس تراب أرضه والدفاع المستميت عنه، فالأرض بالنسبة إليه هي العرض، ولو كان أولئك الذين يجرون المفاوضات في نطاق العملية السلمية، قادرون على تمثّل هذه الحقيقة، واستيعابها، لوفّروا على أنفسهم عناء كل هذه الجولات المكوكية، وأراحوا أنفسهم من ممارساتٍ مملّة، وعقيمة، حول المدى الذي يجب على الإسرائيليين بلوغه في سحب قواتهم من الجولان.
كذلك فإنّ الفلّاح إذ يمتلك الحس الشفاف والرؤية اللمّاحة الثاقبة لجوهر الأمور، بعيداً عن مظاهرها القشرية الفارغة، فإنّ حافظ الأسد يمتلك استتباعاً، فلسفةً عميقة الغول بعيدة القرار، لأمورٍ تبدو في ظاهرها ضئيلة القدر، تافهة القيمة في سلوك الإنسان وعاداته، فهو لا يحب التدخين مثلاً، ليس لأنه يسبب أمراضاً خطيرةً، ويسمم الأجواء بروائحه المزعجة، بل لأنّ المدمن على التدخين يفتقد إرادة الإقلاع عنه، ولهذا يقول: (الإنسان الذي تهزمه السيجارة، لا يستحق التقدير)، موضحاً المغزى من ذلك في حديثٍ آخر إذ يقول : (إنّ الذين لا يستطيعون التغلّب على غرائزهم وشهواتهم، لا يحترمون إنسانيتهم، بل لا يحترمون الإنسان)..
وهناك أمثلةٌ يصعب حصرها عن تفاصيلٍ، قد تبدو صغيرة في سلوك الإنسان وعاداته، لم يغفل الأسد من موقعه كقائدٍ وإنسانٍ معاً ، وجوب التطرق إليها، بل التركيز عليها في مختلف أحاديثه، الغنية بفوائدها، حول شؤون الحياة، بل أولاها قدراً كبيراً من اهتمامه كمعلمٍ ومربٍ، باعتبار أنّ ممارسات الإنسان تشكل بمجموعه هويته وشخصيته، وباعتبار أنّ أدآته اليومية تمتد في أهميتها وقيمتها، لتتجاوز مصلحته الذاتية، إلى مصلحة جيله ومصلحة وطنه، ومع ذلك فإنّ هناك آليهً خاصة في تميزه المبدع، تغني نظرة حافظ الأسد، إلى هذه التفصيلات، وتقوم على إجمال ما هو مشتركٌ بينها، والارتقاء فوق خصوصياتها الضيقة، لكن يبقى حب حافظ الأسد، لأبناء شعبه ووطنه، بلا حدود، ويبقى الحبّ لديه أقوى بلسمٍ، وأنجع ترياقٍ في الوجود، والقائد الذي يجعل من نفسه نبعاً من الحبّ لا ينضب، ويمنح حبّه الفيّاض لجميع مَن حوله، ويحيطهم بالود والدفئ والحنان، يحوّل استكانتهم إلى كبرياء، ونقاط ضعفهم إلى نقاط قوّة، وينمّي لديهم الحلم بمستقبلٍ مشرقٍ مهما كانت الآفاق مظلمة، ويخلق لديهم الأمل بالقدرة على تحقيق هذا الحلم، ويحفزهم على العمل لتحقيقه.
لقد نقل حافظ الأسد سورية، عام 1970من مرحلة الشرعية الثورية، إلى مرحلة الشرعية الدستورية، وعمّد هاتين الشرعيتين، بالشرعية الجماهيرية، التي تعمّقت وتوسّعت وتجذّرت يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة، منذ ربع قرنٍ حتى الآن، ومعظم الشرعيات الدستورية الراسخة في العالم الآن، انطلقت من أرضية الشرعية الثورية، فالنظام السياسي الأمريكي، والنظام الفرنسي، وحتى النظام البريطاني، هذه الأنظمة الراسخة الآن، بنت شرعيتها الدستورية انطلاقاً من ثورات هذه البلدان في القرون الماضية، وامتداداً لها، وتطويراً وترسيخاً لمبادئها، عبر عشرات لا بل مئات السنين، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
إنّ أساليب العمل لدى الدولة، تتباين حكماً عن أساليب العمل لدى الثورة، أمّا الأهداف فمن الطبيعي أن تكون لدى الثورة التي انتقلت إلى حالة الدولة، هي نفسها، وهذه النقلة لا تعني التخلّي عن أهداف الثورة، بل تعني أنّ الثورة عندما تصل إلى السلطة، وتستقر فيها، فإنّ الثورة الحقيقية، تحافظ على مبادئها وجوهرها، وتعمل على تحقيقها، من خلال صيغ مؤسسات رسمية، متعارفٌ عليها دولياً، وعالمياً، تختلف كلياً عن الصيغ التي كانت الثورة تعمل من خلالها، والدولة هنا هي تجسيد لأهداف الثورة، في صيغةٍ سياسية، والتاريخ وحده هو الحكم الفصل، حول مدى صحة هذا التجسيد، أو الخروج عنه.
إنّ المواقف المبدئية والثابتة، تحتاج إلى تكتيكٍ مرنٍ ومتحرّكٍ وديناميكي يساهم في تحقيق مستلزمات وضع هذه المواقف، موضع التنفيذ.. أمّا الجمود وعدم الحركة فيعنيان، تحنيط هذه المبادئ لتنتهي إلى متحف التاريخ، وفي كلِّ الثورات الحيّة، تبقى المبادئ، وتسقط الممارسات الخاطئة، تبقى الأسس وتسقط الصغائر، تبقى الأهداف وتسقط الخطايا والأخطاء التي ظهرت في مسيرة الثورة، والصغار وحدهم، هم الذين لا يرون إلا هذه التفاصيل والأخطاء، ويتعامون في رؤية الأهداف والأسس والمبادئ.
إنّ المواقف الخالدة للرئيس حافظ الأسد، والتي اخترقت الحجب في حينها، رغم كثافة الضباب والدخان والغبار، رأت المستقبل بعين النسر، بحيث تعاملت مع معطياته، لا مع معطيات الواقع الذي كان قائماً حينئذٍ، وقد بدى الكثير من هذه المواقف والقرارات، في ذلك الوقت، وكأنه مغامرة خطرة، سوف تقود صاحبها، لابل قد تقود الوطن، إلى الهاوية، ثم تأتي النتائج بعد ذلك، لتثبت أنّ نهج حافظ الأسد، وحده كان الصواب، فمن قراره في خوض حرب الشرف والكرامة ضد إسرائيل، والذي اتخذه بعد قيام الحركة التصحيحية بشهرٍ واحد، عندما بدأ بإعداد جيشه لخوض المعركة الفاصلة، واستمر كذلك، إلى أن جرى الاتفاق، بعد ذلك بأكثر من سنتين، مع القيادة المصرية، وتحديداً في الربع الأول من عام 1973، على خوض المعركة الفاصلة، والتي عُرفت فيما بعد بحرب تشرين التحريرية، إلى قراره في خوض حرب الاستنزاف، بعد حرب تشرين، واستمر أشهراً في خوضها، إلى أن أجبرت إسرائيل على الانسحاب من مدينة القنيطرة، وجرى فصل القوّات، إلى قراره بدخول لبنان عام 1976، لإنهاء الحرب الأهلية الدائرة فيه، رغم اعتراض ومعارضة معظم – إن لم نقل جميع دول العالم الفاعلة في ذلك الحين – ذلك أنّه عندما يحترق بيت جارك فإنّ النّار سوف تصل إلى بيتك لتحرقه، فكيف إذا كان ذلك الجار أخاً وشقيقاً عزيزاً وغالياً، إنّ الواجب يقتضي حينئذٍ أن تزجّ بكل قواك لإطفاء أوار تلك النار ، وأطفأها حافظ الأسد، بل حوّلها إلى بردٍ وسلامٍ، على مواطني لبنان الشقيق.
كذلك عندما تحركت قوى الظلام، متبرقعةٍ برداء الدين، في النصف الثاني من السبعينيات، تدعمها معظم دول العالم، التي تشكو الآن مما رمتنا بدائه وانسلت، تشكو من ظاهرة الأصولية، والتي مدّت في حينها قوى الظلام، بالسلاح والمال ومختلف أنواع الدعم، ورمت بكل ثقلها لإجهاض الموقف القومي لسورية، ومنعها من القدرة على مواجهة الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، من خلال الاتفاقات المنفردة، وعندما تضخّمت وتورّمت قوى الظلام هذه، وتحوّلت إلى خلاية سرطانية تهدد الجسم الوطني السوري، كان هو الحل الوحيد، كما هو الأمر مع السرطان، أن تستأصل هذه الخلاية السرطانية، حفاظاً على كرامة الجسم الاجتماعي، في سورية الصامدة، وهذا ما حدث.
وعندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، اتخذ الرئيس الأسد قراره بمواجهتها، ودفعنا ثمناً غالياً من رجالنا وسلاحنا وعتادنا، في تلك المواجهة، واعترفت إسرائيل من خلال ما جاءت به مراكز دراساتها الاستراتيجية، أنّ معظم الخسائر الإسرائيلية في تلك الحرب، كانت نتيجة للمواجهة العسكرية مع القوّات السورية، لا بل ذكرت هذه المراكز، أنّ نسبة 75% من الخسائر الإسرائيلية، تكبّدتها في مواجهة السوريين، وخلقت سورية بموقفها الصامد هذا، وبالتعاون مع المقاومة الوطنية اللبنانية، الأرضية الملائمة للمواجهة الشعبية والجهادية، إلى أن اضطرت القوّات الإسرائيلية، إلى التراجع عن معظم الأراضي اللبنانية، التي احتلت في ذلك الاجتياح، ليس ذلك فقط، بل قرّرت سورية إسقاط اتفاق 17 من أيار عام 1983، وهو اتفاق الإذعان الذي كان يكرّس لبنان مستعمرة إسرائيلية ملحقة بها، وسقط ذلك الاتفاق.
أمّا الحرب العراقية الإيرانية، فالجميع في مغارب الأرض ومشارقها، صاروا يعرفون، وإن بعد فوات الأوان، أنّ موقف حافظ الأسد، وحده كان الصحيح، وأنّه لو جرى الأخذ برأيه، أو اعتمد موقفه، لما حدثت تلك الحرب المجنونة، ولما سالت الدماء أنهاراً بين شعبين، تربطهما عشرات الروابط التاريخية والمصلحية والمستقبلية.
وإذا ما أردنا أن نتحدث عن حرب الخليج الثانية، يكفي أن نقول أمراً واحداً، أنه حتى وبعد ارتكاب الخطيئة الكبرى، باحتلال الجيش العراقي لدولة الكويت، لو جرى الأخذ بالنصيحة التي وجّهها الرئيس حافظ الأسد، للرئيس العراقي في رسالة مفتوحة، وقبل بسحب قوّاته من الكويت، لكانت القوّات العراقية المسلحة الآن، قد حافظت على كامل عدتها وعتادها ورجالها.
وهل يمكن أن نتحدث عن حافظ الأسد، بطل الحرب والسلام، دون أن نتطرق إلى عملية السلام، وهو الذي أكّد منذ فجر الحركة التصحيحية، وفي صبيحة السادس من تشرين الأول، عام 1973، أنّ سورية تنشد السلام العادل والشامل، وأنّنا نريد السلام لنا ولغيرنا، ولجميع شعوب الأرض، وأنّ سورية بقدر ما تنشد السلام العادل، ترفض وبكل قوّة أيّ نوع من أنواع الاستسلام، في أيّ زمان ومكان، وسورية الأسد كانت وستبقى لا تخاف من السلام، ولكنها تخاف عليه، وسورية لن تقبل سلاماً إسرائيلياً صرفاً، يكرّس التبعية العربية لإسرائيل، ولكنها تريد سلاماً عربياً إسرائيلياً، يحقق التكافئ والتوزان والندية، وسورية لا تبحث عن الكرنفالات البرّاقة والاحتفالات المظهرية، لكنها ترمي إلى مواثيق تحفظ للأطراف المعنية كرامتها وحقّها في الحياة الكريمة، واختيار مستقبلها النابع من إرادتها الحرّة في الحياة، وسورية لن تقبل مهما كانت الظروف، سلاماً يذكرنا بالمستعمر العثماني، حين كان يركب على ظهر العربي، ويقول له سرّ نحنا وأيّاكم مسلمون.
إنّ إسرائيل ومَن سار في ركبها، تجهد ليلاً نهاراً لإسقاط سلّم القيم التي تربّت عليها الأجيال العربية، وعندما يسقط سلّم القيم، يقود ذلك إلى سقوطٍ شامل، قد يستمر أجيالاً لاحقة، إلى أن يستقر سلماً جديداً للقيم، فإنّ هَمّ إسرائيل وشغلها الشاغل، في سياق عملية السلام، هو أن تستبدل الصراع العربي الإسرائيلي، بصراعٍ عربي- عربي، بل بصرعاتٍ عربية- عربية، تتحول إلى مشروع فتنة دائمةٍ بين العرب، دولاً وحكومات وشعوباً.
إنّ الصراع بين العرب وإسرائيل صراعٌ مصيري، وهذا بالمناسبة ليس رأي العرب فقط، بل هو رأي إسرائيل وموقفها، والفرق بين العرب وإسرائيل هنا، أنّ العرب قد يعلنون هذا الموقف، لكن لا يجري الالتزام به ولا بموجباته، من قبل الكثيرين منهم، أما الإسرائيليون، فلا يعلنون أنّ الصراع مع العرب صراعاً مصيري، ولكنهم على أرض الواقع، وفي حقيقة الأمر، يتصرفون على أنّ الصراع تاريخي ومستقبلي ومصيري، ويخفون عنّا حتى الهوية العربية، ويعملون على إلغائنا من هذا العالم، وتحويلنا إلى زمرٍ ومجموعاتٍ متناقضةٍ ومتصارعةٍ فيما بينها، تحتكم في جميع جوانب حياتها، إلى الصدر الأعظم ( إسرائيل ) أليس هذا النوع من التعامل، صراعاً مصيرياً.
إنّ العقل الإسرائيلي يحتاج إلى جراحةٍ كبرى، كي يصبح قادراً على صنع السلام الحقيقي، لا الزائف، مع العرب، وما لم يقل النطاسيون اليهود بما يجب عليهم القيام به، في هذا المجال، فإنّ السلام الدائم مع الشعب العربي، لن تقوم له قائمة، حتى لو جرى الاتفاق مع جميع الحكومات العربية.
إنّ المجتمع الإسرائيلي يحتاج قبل كل شيء، إلى التطبيع مع نفسه، وإلى التطبيع مع روح العصر، من خلال إعادة النظر إلى معتقداته الشوفينية، وسلوكه العدواني، واستراتيجيته التوسعية، وأهدافه وخرافاته وأوهامه، قبل الحديث عن التطبيع مع العرب، وبالتأكيد لن ينجح في المهمة الثانية، إذا فشل في المهمة الأولى، وإذا كانت إسرائيل تريد تغيير نظرة العالم إليها، على أنها شايلوك العصر، كما طالب بذلك رئيس وزرائها السابق إسحاق شامير، في أحد لقاءات مؤتمر مدريد، فإنّ على الإسرائيليين أن يزيلوا الأسباب التي أدّت إلى هذه النظرة، أما إذا عَمِلوا على تعميد هذه الأسباب وتوسيعها، فإنّ المجتمع العربي، سينظر إليهم حينئذٍ على أنّهم غير جديين في تغيير هذه النظرة، بل سيبدون على أنّهم حريصون على إبقائها، والمحافظة عليها، حتى لو قالوا عكس ذلك.
وعندما يتذرع المفاوض الإسرائيلي، بالرأي العام الإسرائيلي، وبأنه غير قادرٍ على مخالفته، فإنّ الجواب الشافي لا ينقصنا في هذا المجال، إنّ الرأي العام العربي بكامله تقريباً، يعاني من آثار الجروح والصدمات والكدمات النفسية والمادية، التي خلّفتها وتخلفها، عبر عشرات السنين، بين جنباته، وأنّ واجب الساسة العرب، في ترويض الرأي العام العربي، على قبول واقعٍ جديدٍ للعلاقات مع إسرائيل مختلفٍ عن الواقع السابق، يحتاج منهم إلى جهودٍ مضاعفةٍ مراتٍ عديدةٍ، عمّا هو مطلوب من القادة الإسرائيليين بذله لدى رأيهم العام، هذا إذا كانوا جادين في ذلك، أمّا إذا كان القادة الإسرائيليون يفتقدون إلى الجديّة، فإنه ليس هناك أسهل من الاختباء وراء مقولة الرأي العام، لرفض ما ينوي الساسة الإسرائيليون رفضه، وعليهم أن لا ينسوا أنّ ما نال العرب، على أيدي الإسرائيليين من أذى، هو أكبر بمئات المرّات مما نال الإسرائيليين، أم أنّ مفهوم الديمقراطية لدى إسرائيل، هو أن يقوم الساسة العرب، بإجبار شعوبهم بالقوة على التطبيع مع إسرائيل.
لقد خرج يهود إسرائيل من الغيتو، لكن الغيتو لم يخرج من نفوسهم، بل بقيت عقلية الغيتو هي المسيطرة عليهم، مجتمعاً ونخباً ومنظماتٍ وعلماءٍ ومفكرين وأفراد، وما لم يبذل هؤلاء الإسرائيليين كل ما لديهم من طاقة، وعلى جميع المستويات، كي يستخرجوا الغيتو من أعماقهم، وينفتحوا على الشعوب الأخرى، بمنظور إنساني عادل، فإنّ جميع ما بنوه حتى الآن، لن يسعفهم بشيء.
إنّ العرب مع السلام، ويؤيدون السلام، لكن الآثار العميقة والندوب الغائرة، التي خلفتها إسرائيل في جنباتهم، لم تندمل، ولن تندمل في القريب العاجل، وعلى إسرائيل أن تبذل جهوداً جبّارة، تظهر فيها حسن نواياها، من خلال الأفعال الملموسة، وليس الأقوال، إذا كانت تريد المساهمة في دفع عشرات الملايين من العرب، للتكيّف نفسياً مع وجودها، ولتأمين استعدادهم لمتطلبات السلام، والمسؤولية هي أولاً وثانياً مسؤولية إسرائيل، قادةً ومؤسسات وأحزاباً، ثم تأتي بعدئذٍ مسؤولية العرب، وإذا لم تقم إسرائيل بما يجب القيام به في هذا المجال، فإنّ كل ما ستقوم به الحكومات العربية، لن يحقق السلام المستمر، وإنّ كل ما ستقوم به إسرائيل من اتفاقات مع الحكومات العربية، لن يحقق السلام المستمر، وهذا لا يعني وجود عرب جاهزين للتعامل مع إسرائيل، ولكننا هنا نتحدث عن أكثرية العرب، وليس عن أقلية العرب، عن شعوب العرب، وليس عن حكومات العرب.
إنّ منطق إسرائيل المعتمد لديها حتى الآن، يخلق المادة الناسفة للسلام الحقيقي، بدلاً من تخليق المادة اللاصقة له، وعندما يسمع المرء بعض تصريحات زعماء إسرائيل، يخيل إليه أنّ هؤلاء لا يعيشون في هذا العالم، وأنّهم يعتقدون أنّ الكون مسخّر لخدمتهم، وأنّ من واجب العرب أن يباركوا لهم نهجهم التوسعي، وسياستهم الاستعلائية المتغطرسة، وأنّ من واجب أوربا أن تشدّ على أيديهم، وأنّ على الأمريكيين أن يضغطوا على العرب، ليضعوا أنفسهم بشراً وأرضاً وثرواتٍ ومقدراتٍ، حاضراً ومستقبلاً في خدمة شعب الله المختار.
أمّا نحن العرب فليس لنا مشكلة مع اليهود كأصحاب ديانة سماوية، بل مع إسرائيل الصهيونية، كمشروعٍ سياسي يعمل للهيمنة على العرب، والتحكم بهم، أمّا مشكلة اليهود، فمشكلتهم معنا، أنّهم يعوضون الاضطهاد الذي عانوه في أوربا في القرون الوسطى، وفي القرن الماضي، وفي العهد النازي، باضطهاد العرب اضطهاداً لا حدود له، يتعارض مع كل الأفكار والفلسفات التي جاء فيها هذا العصر البازغ على أبواب القرن الحادي والعشرين، ومشكلتهم معنا أنّهم يعتقدون أن قنابلهم الذريّة، وصواريخهم البالستية، وفكرهم العنصري، وتطورهم التكنولوجي، كفيلةٌ بسوق عشرات ملايين العرب كالأغنام أمامهم، إلى حيث يشاؤون، فهل هذا هو منطق السلام، ومنطق بناء الثقة الذي يتشدقون به دائماً، ومنطق الاستعلاء للدخول في الألف الثالثة للميلاد.
عندما تطلب إسرائيل من سورية القيام بما تسميه مبادرات حسن نيّة، لإقناع الإسرائيليين بجديتها في السلام، فإنّها تتجاهل أنّ الشعب السوري هو الذي يحتاج إلى الكثير الكثير من المبادرات الإسرائيلية، لكي يقتنع بجديّة الإسرائيليين بالسلام، إنّ التقصير في هذا المجال يقع أولاً وأخيراً على القيادات الإسرائيلية، والنخب الإسرائيلية، والعقول الإسرائيلية، والتي لم نلحظ عليها حتى الآن، إلّا التسابق والتباري في دغدغة العواطف، وتهويش الغرائز الإسرائيلية، بدلاً من أن تعتمد الجرأة في مخاطبة عقول الإسرائيليين، وتهزهم بعنف، وتبيّن لهم أنّ السلام ليس طريقاً ذا تجاه واحد، وأنّ عليهم أن يعدّلوا ويغيّروا الكثير من قناعاتهم السابقة، إذا كانوا جادين فعلاً في عملية السلام، فسورية لم تحتل أرض أحد، ولم تقتلع أحداً من أرضه، بل أرضها هي المحتلة، وبعض شعبها هو المقتلع، وحدودها الوطنية هي المعرّضة للاعتداء، ومصالحها العليا هي المهددة بالاستباحة.
ثم أنّ الإسرائيليين عندما يتحدثون عن تضحياتهم الكثيرة، وتنازلاتهم المؤلمة، في سياق عملية السلام، نريد أن نسألهم عن ماذا قد تنازلوا؟!.. أو سيتنازلون؟!.. هل يتنازلون عن شيءٍ عائداً لهم، أو ورثوه عن أجدادهم؟!، أمّ أنّ المطلوب منهم هو إعادة ما ليس لهم، بل ما اغتصبوه بقوّة السلاح، ومن ثم يصرّون على التمسّك بما اغتصبوه كرهينةٍ لمقايضتها، بهيمنة سياسية واقتصادية وثقافية.
إنّ التفاؤل المفرط بمستقبل باهرٍ في المنطقة، على أرضية السلام العادل والشامل، بدأ يبهت ويذبل ويضمر، وإذا لم تقم إسرائيل بعملية مراجعةٍ كاملةٍ، وتغيّر من أسلوب تكديس الأرباح لحسابها، مقابل تكديس الخسائر من حساب العرب، وتُقْلِع عن عقلية الاستعمار والهيمنة والغطرسة، فإنّ جميع الاتفاقات الموقعة قد تكون عرضةً لرياحٍ عاتية.
إنّ المتعبين والمنهكين وخائري القوى، لا يقررون مصير الأمة، وإذا دعت الظروف الموضوعية بعضهم، أو جلّهم، إلى دفّة السفينة، فمصائر الأمم تصنعها الشعوب والطلائع والقيادات الحيّة المستنيرة الواعية، وحتى لو كبت الأمة العربية ردحاً من الزمن، فإنّها ناهضة حكماً وحتماً، لأنّها أمّة حيّة، وإن بدى الأمر للبعض غير ذلك، والأمم الحيّة لا تموت وإن غفت، ولا تتلاشى، وإن تراخت بعض مفاصلها، ولا تسقط، وإن كبى الجواد بها.
إنّ أمّة أنجبت حافظ الأسد، لا يمكن أن تموت، إنّه قائدٌ في إنسان عادي، وإنسانٌ عادي في قائد، وعندما تتشابك لحمة القيادة، بسداد الإنسانية في نسيجٍ محكم الإتقان، فإنّ التاريخ سيسجل في صفحاته، ما يندر أن يسجله مع وجود قادةٍ يمتلكون صفة الاستثناء والعبقرية، في جميع العصور والأزمان.
ولا يمكن الحديث عن حافظ الأسد، القائد والإنسان، من غير أن نتذكّر أمير الشباب، وقدوة الجيل، ورائد العصر، ومنارته، ذلك الفارس العربي الشامخ، باسل الأسد، الذي وهب روحه، لوطنه وأمته وشعبه، وستبقى روحه الطاهرة، دائماً وأبداً، ترفرف فوقنا، وتشدُّ من أزرنا، وتمنح الأجيال قوّةً وعزيمةً مضاعفةً، على إكمال مسيرة حافظ الأسد..
واستمرت المسيرة، بل تسارعت، عندما حمل رايتها، ذلك الرمح العربي الشامخ، والذي سرعان ما تحوّل من فرعٍ في الشجرة المباركة، إلى جذعٍ راسخٍ في الأرض، ونذر نفسه وذاته، لخدمة وطنه وشعبه وقائده، فكان خير خلف، لخير سلف، وكان الإثبات القاطع على أنّ الأسد، لا ينجب إلّا أشبالاً، إنّه الرائد المظلي الدكتور بشّار الأسد، فتحية له على ما قام ويقوم وسيقوم به من جهودٍ هائلةٍ في كنف القائد الكبير، وأحضان الوطن الغالي.
وشكراً لتجشمكم عناء الحضور وتحملكم لنا هذه المدة الزمنية.