ليندا ابراهيم: بين المبدع و المتلقي
في إطارٍ من التَّثاقُفِ الفكريِّ، كانت للعديد من الأصدقاء، تساؤلاتٌ حولَ عددٍ من المسائل الفكريَّة و الثَّقافيَّة وكان ذلك تزامناً مع الجدل الذي تعيشُهُ الأوساطُ المُفكِّرَة والمُثقَّفة في غيرِ مكانٍ من بلدانِنا عن جدليَّة التَّفاعل والعلاقة بين المبدع و المتلقِّي..
كانت مُجمَلُ التَّساؤلات تدورُ حول فكرة: "هل المتلقِّي شريكٌ" كاملُ الأسهمِ "في نقاشِ وتكوين وتوجيهِ الطَّرحِ الفكريِّ للمبدع؟ أم أنهُ مجرَّدُ متلَقٍّ سلبيٍّ "لا تفاعليٍّ"، مَهَمَّتُهُ "تجَرُّعُ" كأسٍ المبدع صرفاً، والتَّمتُّعُ بجمالياتها، واستخلاصُ عصاراتِها والتَّحليقُ في عوالمها؟ بكلامٍ آخر، هل المُبدعُ هو من نصَّب لنفسهِ مِنبراً عاجياً يُطِلُّ منه ليُلقي بأفكاره وهواجسهِ وقراءاتِهِ وإبداعِهِ و "مواعظِهِ"؟ أم أنَّنا نحنُ المتلقِّين من نصَّبناه على المنبر؟ أم أنَّ حقيقة الإبداع هي كذلك؟"
و أورد في الرد: إن العملَ الإبداعيَّ أيَّا كانَ جنسُهُ، ومهما بلغ من الخصوصيَّة و الذَّاتيَّة لا يمكنُهُ البقاءُ خارج حدود التَّأويل، فإذا خرج من خصوصيَّة المُبدع إلى فضاء المُتَلقِّي عندئذٍ يمكن وصفُهُ باللُّغة الحواريَّة التي تجمعُ بين قطبين مُختلفين "المبدع و القارئ"، لذا تقتضي عملية التَّواصل اللُّغوي بينهما قراءةٌ عميقةٌ تحفرُ في طبقاتِ النَّص، و تعملُ على تشريحِ دلالاته الخصبَةِ المكتنزةِ بالمرجعيَّات الثَّقافية الواسعة وصولاً إلى مقاربة قرائيَّة موضوعيَّة تتَّكئُ على منهجيَّة سليمة في طريقة التَّلقِّي .
و إنَّني إذ أثني على جهود بعضِ الأصدقاء في استثارة و تكوين الأسئلة... فإن أوَّلَ ما يخطر للذِّهن ِالسُّؤال التالي: وهل المُبدعُ سوى متلقٍّ أصلاً؟ مُتَلَقٍّ لكلِّ ما حولَهُ ومِنْ كلِّ ما حولَهُ لكلِّ ما هو إنسانيٌّ فكريٌّ ثقافيٌّ حضاريٌّ موسوعيٌّ علميٌّ الخ...؟ ومتلقٍّ بامتياز لنتاجاتِ الآخرين و إبداعاتِهِمْ و متلقٍّ في الأساس لنتاجهِ و إبداعِهِ..؟ ما يُفَرِّقُهُ عن غيره من المتلقِّين هو أنَّه ينتج و يُبدِعُ مِنْ تحوُّلِ كلِّ ما يجُولُ في النَّفس الإنسانيَّة و الفكر الإنسانيِّ في عقله وفكره وذهنه و نفسه وروحِهِ بخيمياءَ خاصةٍ ينتجُ و يقدِّمُ بها جديدَهُ و إبداعَهُ؟
و القارئُ، بوصفه متلقِّياً للنَّص، يسعى جاهداً عبرَ إجراءاتٍ نقديَّةٍ معيَّنةٍ إلى الكشف عن الأنساق المضمرة تحت البُنيَة الظَّاهرة للنَّص وبهذا الفعل القرائِيِّ المُؤَوِّلِ المصحوبِ بالوعي النَّقديِّ يخرجُ النَّصُّ من حدوده الضَّيِّقةِ "واحديَّة القائلِ أنا المبدعُ" إلى الآخر"المتلقي" الذي يفُكُّ قيدَ الفعلِ الكتابيِّ من ارتباطهِ بمنجزِهِ و يحرِّرُهُ إلى فضاءٍ أرحبَ يعيدُ فيه تشكيلَهُ من جديد، لذا يوصَفُ القارئُ بأنَّهُ منتجٌ ثانٍ للنَّص غيرُ ملزمٍ باتِّباعِ سبلِ إنتاج المُبدعِ، فالذَّاتُ القارئة تسهمُ في إخراج النَّصِّ و إنتاجِهِ حسب تجليَاتهِ اللُّغويَّة فهي تعملُ على فكِّ شيفراتهِ و ملءِ الفجوات فيه تبعاً لمهارتِهَا النَّقديَّة ومخزونِها الثَّقافيِّ إذ بهما تتحدَّدُ طبيعة الإدراك الفنِّيِّ للنَّص الأدبيّ.
إنَّ المتلقِّين الآخرين هُمْ الذين يحدِّدُون شراكتَهُم و إسهامَهُم و "أسهُمَهُم"، إن صحَّ التَّعبير، في نتاج المبدع سواء بشكل و نوعية تلقيهم، أو بشكل مشاركتهم إياه الأفكار و طرحها.. المبدع لا يُنَصِّب نفسه.. بل إبداعه من يفرضُهُ على الآخرين كمبدعٍ أو كحالة متقدِّمَةٍ على غيره...
هذا لا يعني مما تقدَّم أنَّ المبدع بحاجةٍ للمتلقِّي حاجة فكرٍ و إبداعٍ بل كما قلت للمساهمة و المشاركة و التأثير و التأثر..فالتَّلقِّي البارعُ هو إبداعٌ في بعض الجوانب أيضاً، أستثني من هؤلاء المبدعين عدداً من المفكرين و القامات الثقافية في سوريا وغيرها، ممن شكلوا حالة إبداعية فريدة فكرية حضارية واعية كل الوعي لمكنوناتها و تجاربها و نتاجاتها...
أخيراً... يفرضُ النَّصُّ الإبداعيُّ بألغازه المتعدِّدةِ والغامضة حالة حوارٍ معقَّد وشائك بين الكاتب والقارئ، ويبذل القارئ مجهوداً شاقاً في تشكيلِ رؤيةٍ تخيُّليَّة وتحليليَّة يضعُ النَّصَّ في إطارها في محاولة لتفكيكِ معاني النَّص، ويرتِّبُ القارئُ أفكاره باتباعِ مساراتِ الأحداث التي يفجِّرُها النَّص بجمالياته، غير أن تلك المسارات ما هي إلا مصيدةُ الإقناعِ التي يسحبُهُ إليها الكاتِبُ بعد أن يهيمنَ عليه ويستدرِجُهُ إليها، ففي ألغازهِ يكونُ النَّصُّ، وكلُّ نصٍّ إبداعيٍّ واقعةٌ تشابكتْ خيوطُهَا، وأهمُّ مقوِّماتِ اللغز هو التَّحدِّي باختبار فطنة القارئ، والنصُّ ليس من مقوماته التَّحدِّي فحسب، بل أيضاً التلاعُبُ بفطنةِ القارئ فيجعلُهُ فريسةً لتغيير آرائه، بأن يستدرجَهُ لمصيدة الإقناعِ أو دغدغة أوتاره النَّفسيَّة وتوليد معانٍ متموِّجةٍ، فما بين اطمئنانٍ للإمساكِ بدلالة النَّص و بين إقرار بفشلِ إمساكِهَا، تمضي لعبةُ النَّصِّ "بين المبدع و المتلقي"
الثورة