ليندا ابراهيم: تداعيات على الورق..
صحيفة الثورة
كثيراً ما يُغريني هذا البياضُ الشَّاسِعُ لأمْلَأَهُ بما يُشْبِهُ الحُبَّ... الرُّوح... الحياة
- يُغريني تماماً كتلك المسافة المدروسة منه بعناية، المسافة بين اشتهائي له، و ترَيُّثُهُ المقصودُ في اشتهائِهِ لي... فيكمُنُ في تلك الزَّاوية الخبيئة المَاكرة، يترَبَّصُني، يترَصَّدُني... و لا أقوى إلا على اشتهائِه..
- أكادُ أُجَنُّ.. لا أطيقُ المُكُوثَ أكثر.. ولا أمتلكُ جحافلَ التَّقَحُّم، فأقضي صريعة الشَّوق في تلك المسافة المُهلِكَة المُحرِقَة المُفنية...
- وما أن يخمدَ أوارُ الرَّغبة قليلاً، حتى أجدني أستشعرُ عطرَهُ من جديد... فأمضي إليه على قاربِ الشَّجن، يقودُني خيطٌ واهٍ من هواه... شغفٌ إلى أسراب فراشاته يطلقها في حقولي البدئيَّة..قطعانُ غَواياته ترتعُ بين جوانحي، أحسُّها دفينةً غامضةً كخيولُ شوقٍ بريَّة تطوِّحُ بقلاعي، أنا "السَّيِّدةُ البيضاءُ بشهوتيَ الكُحْلِيَّة"*، وبوارقُ فتنته تصيحُ بي حتَّى الشِّغاف تُزلزلني تُميتني وتُحيين...
- سوف أمكثُ أرقُبُ بارقةَ اللَّهفة، وغمائم الوجد تَعِدُ قلبي بلطائف الصَّبوة و رقة الشَّوق، فإمَّا يبزغ طيفٌ سنيٌّ ولا أبهى، أخاتلُهُ، أخادعُهُ، أطاردُهُ فيعدو، و أعدو إِثْرَ أَثَرِهِ لا ألوي إلا على لوعة جواي، تطحن قلبي بتلك اللذة الأليمة المشتهاة ...
- و إمَّا تعرضُ سانحةٌ فألمحُ عينيه، فإذا بهما تدعواني إليه، وتمتدُّ حقولُ اللَّهفة على مرأىً من أفاعي الوشاة، و مكائد العاذلين، ومقلُ ظبيٍ طاعنٍ في الحسن لأدرك أنَّهما قدري..
- يقالُ للقَدَرِ رَبَّاتٌ يُسَمَّيْنَ ربَّات القَدَر، لهنَّ جمالُهُنَّ الخاصُّ و الغامضُ و البعيدُ و الصَّعب... ثلاث أخواتٍ ربَّاتٌ: إحداهُنَّ تنسجُ الغَزْلَ، والثَّانيةُ تطويهِ على ذراعها، والثَّالثةُ تقصُّ الخيطَ في اللحظة الموعودة... كلُّ شيءٍ موعودٌ وإلى وعدٍ... أما عيناه فهما من لاوعد لهما..
- لطالما بحثتُ عن الحبِّ تلمُّساً كَمَنْ فَقَدَ بصَرَهُ، بينما هو، وبضربةٍ واحدة، يبدأ من العينين ثم يحفر دربه قصياً قصياً حتى المنابع الأولى..
- و الحب بلا قلب أيضاً.. نظُنُّ أنه وصفة تعيننا على التوغل أكثر في دغل كذبة الحياة..لكننا ندرك أن لن نأخذ كفايتنا من الغيب مهما كانت نجمتنا سعيدة..
- هنالك دائماً نقطة انطلاق جديدة إذا ما قرَّرنا ذلك،أو لحظةُ انعطافٍ قُصوى، أو أننا بلحظة نقرر مغادرة دربٍ ظننَّاهُ دربَنا القدريَّ في الحياة.. هي لحظةٌ لا مساومة بعدها ولا مجاملة، هكذا يجب أن نمضي ..
- جرأة لا مثيل لها حينما نفارق حزننا و نركب حافلة الحياة إلى محطات لم نحزرها يوماً وربما لم نحدسها قط أو تخطر لنا على بال..
- "لِتَبْقَ سماؤك صاحية صافية أيُّها الحُبُّ، ولْتَبْقَ ابتسامتُك الرَّقيقة مشرقةً هادئة، لِيُباركْك الرَّبُّ على لحظة الغبطة و السَّعادة التي منحتها أنت لذاك القلب الآخر.. القلب الوحيد و المُمتَنِّ.."
- الملكات وحدَهُنَّ يمكنُ أن يتحوَّلْن إلى حمائم.. يقال أنَّه ثمَّة ملكة دمشقيَّةٌ تدعى "سميراميس" عندما ماتت تحوَّلت إلى حمامة.. دمشق تلك المدينة التي تمتلك سماء مترعة بحمائم "سميراميس"، الملكة الحمامة المحلقة في سمائها، إذا حدث وزرتم دمشق فالتقطوا الصور بين حمائمها.. فهنَّ ملكاتٌ مُجنَّحات..
- وأبلغوها، بأنَّ الصُّبح سيتحوَّلُ خيوطاً من الضَّوء لا حصرَ لها.. و لتقم ملكات الزمان بنسجه ثوبَ زفاف لها إلى الأبد.. أبلغوها أن ترفرف بثوبها عالياً ملكة متوَّجة بكل الكبرياء و الغرور و الدَّلِّ، حاملة كل برقياتها المغردة إلى العوالم الأخرى بجناحين يضربان في الهواء و يحرثان في التراب وينشران عطر الضوء الخالد .
- انتهى كلُّ ما يُفرحُ وكلُّ ما يُحزنُ.. كلُّ ما يَجرحُ و كلُّ ما يُداوي... إجمالاً انتهى ومضى كل ما كان هو الحياة..
- رفرفي أيَّتُها الرُّوحُ حيث ليس ثَمَّ سوى الهواء النقي.. هناك في الأعالي حيث تتنفس الأحلام..كلُّ شيء سيتلاشى ماعدا عينيك أيُّها الحُبُّ... و مثلما يمكن للوحشية أن تغيِّرَ الأقدارَ، كذلك يمكنُ أن تفعل الطِّيبةُ أيضا...
- كلُّ ربيع تواصل الآمال إزهارَها من الدَّم..من قال إن الأزهار أشياءُ جميلةٌ و بريئة؟ من أين إذاً بزغت شقائقُ النُّعمان المضَرَّجَةُ بدمِ الرَّبِّ؟ الرَّبِّ الأجملِ في تاريخ سورية "أدونيس"؟
- أوقفني الورقُ و قال: أشتهي روحَك حبرَك بياضَك... فاكتبي على صفحاتي الأنقى ماشاءت لك الكتابة..اكتبيني زهرة أبدية خالصة لا تموت..
....................
* "السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية": عنوان ديوان شعري للراحل الكبير جوزف حرب