كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: خرافة المُثقّفين.. و "نظامُ" تَهالُك دوافع الفكر.. حديث الثلاثاء "27"

[ حديث الثلاثاء" 2" ]

■ بحث من أربع حلقات عن ( الثقافة ) ■

) 1 من 4 )

( الحلقة الأولى )

[ خرافة المُثقّفين.. و " نظامُ " تَهالُك دوافع الفكر ]

● د . بهجت سليمان

1 في كلّ دور تاريخيّ تعاود قضيّة الثّقافة و المثقّفين مشروعيّتها النّموذجيّة من بين سائر مختلف المشروعيّات التّاريخيّة السّياسيّة ، لارتباطها العضوي ، الحيويّ ، بالنّهضة الاجتماعيّة في المفاصل الكبرى لحركة التّاريخ العامّ أو ذلك المرتبط بظروف محدّدة تمرّ فيها الأمّة كاستثناء على المشروع التّاريخيّ العام ، الذي يفصل بين اتّصال حركة المنظومة الكلّيّة لمجتمع أو شعب ، في غضون أحداث كبيرة مفارقة ، تؤسّس للانعطافات السّياسيّة المفصليّة في الحقب النّوعيّة ، التي تكثّف من طبيعة و طرق الانتقال الحضاريّ للدّولة و المجتمع ، من واقع محدّد إلى أفق جديد لواقع مختلف ، يؤسّس لانتقالة شاملة على مستوى المنظومة الاجتماعيّة - السّياسيّة في حياة التّجمّعات الكبرى ، بأسمائها المختلفة ، التي تدخل في تشكيلة الأوطان و مستقبل الأفراد و الشّعوب .

2 الظّاهرة الثّقافيّة عبارة عن بقعة الوعي التي تُفشيها ”الموضوعيّة” في جسم الوطن ، و هي لهذا ، و بسببه ، تكتسب أهمّيّتها و خطورتها الاجتماعّية و السّياسيّة عندما تعي ذاتها في دورها ”المنظّم” ، فتخلق بذلك إطاراً عامّا للوعي الاجتماعيّ ، كما تتقدّم بذاتها باستمرار في السّياسات العامّة ، فلا تترك مكاناً ، بحكم طبيعتها - تلقائيّاً - و بحكم ممارساتها الموجّهة و المنظّمة ..
و من هنا اكتسبت ”الثّقافة” و اكتسب ”المثقّف” دوره الطّليعيّ ، سلباً أو إيجاباً ، على مرّ التّاريخ المعروف ، مع أنّ مصطلح ”المثقّف” هو مصطلح أو ”مفهوم” محدّد حديث النّشوء ، حيث يُرجعه التّقليد السّياسيّ و الفكريّ إلى أواخر القرن التّاسع عشر في ( أوربّا ) ، و على التّحديد في ( فرنسا ) ، بمناسبة قضيّة ( دريفوس ) الشّهيرة ( ١٨٩٤ - ١٩٠٦ ) ، حيث اشترك فيها للدّفاع عن ( دريفوس ) أسماء كبيرة في تاريخ السّياسة و الفكر و الأدب ، من مثل ( إميل زولا ) و ( مارسيل بروست ) و ( أناتول فرانس ) و ( ليون بلوم) .. إلخ ؛ الذين وقّعوا على “عريضة” عرفت لأوّل مرّة ، لفظاً ، بِ”بيان المثقّفين” ، تأييداً لإعادة محاكمة الفرنسّي - اليهوديّ ، ( ألفريد دريفوس )( ١٨٥٩- ١٩٣٥ ) ، الضّابط في الجيش الفرنسيّ، بعد أن اتّهم بالخيانة العظمى و التّجسّس لمصلحة ( ألمانيا ) ..
إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ مشكلة ”الثّقافة” و ”المثقّفين” غير معروفة قبل هذا التّاريخ ، إذ بإمكاننا أن نَعُدَّ ( سقراط ) العظيم أوّل شهيد من شهداء ”الثّقافة” و الفكر و السّياسة ، في التّاريخ الاعتباريّ للثّقافة و الفكر و المعرفة .

3 اتّخذت صفة ”المثقّف” في مرحلة ”الحداثة” العالميّة ، حالة المهنة الاجتماعّية التي تمايزت باستقلالها العمليّ عن باقي النّشاطات الاجتماعّية والاختصاصات العلمّية ، هذا مع أنّ هذه الصّفة ليست وليدة ”الحداثة” إذا أخذنا بالاعتبار واقع التّقسيم الاجتماعيّ التّاريخيّ للعمل منذ فجر التّاريخ ، عندما اختصّت بالثّقافة طبقة الّلاهوت التي استقّلت مبكراً عن مزاولة العمل العضليّ المنتج للقيمة الزّائدة في اقتصادات التّاريخ و التّبادل السّلعيّ المباشر في إطار السّوق ، لتعتاش على الهبات ”المقدّسة” المزعومة .
و في التّالي من التّاريخ ، توضّحت فروقات خاصّة بين الطّبقة الثّقافيّة و مثيلاتها من أصحاب العمل الذّهنيّ ، عندما استقرّ اختراع جديد لانفصال المثقّفين عن المتعلّمين ، بحيث اتّجهت فئة المتعلّمين إلى التّخصّص ”التّكنوقراطيّ” ، فيما انصرفت فئة المثقّفين إلى التّعضّي الصّريح بالنّشاطات الرّاديكاليّة في إطار الوعي المجتمعيّ الذي أظهر تمايزات متزايدة منذ ”المجتمع الحديث” الذي نميل إلى تحديد بداياته مع الثّورة الصّناعيّة في ( أوربّا - و بريطانيا على الخصوص ) ، منذ القرن الثّامن عشر ، هذه ”الثّورة” التي أسهمت مباشرة في تكريس و إظهار تقسيم العمل ما بين العمل العضليّ و العمل الذّهنيّ ، ما أتاح هامشاً واسعاً للسّاسة و السّياسيين و المثقّفين ..
و هو ما ساعد بإسهام فعّال في التّعجيل بثورات الحداثة و الفكر الحداثيّ ( في بريطانيا الصّناعيّة ، و صعود ”الطّبقة الثّالثة” - البورجوازيّة ) ، ثم في ( فرنسا ) بخاصّة ( ثورة ١٧٨٩ ) ، ثمّ في انتشار تقاليد الثّقافة و الحداثة على مستوى العالَم .

4 يمكن أن نضيف إلى هذه التّخطيطة المجرّدة السّريعة و المختزلة ، فكرة تباين ”الثّقافة” الرّاديكاليّة بين دول ”المركز” و دول ”الأطراف” في النّظام ”الكولونياليّ” العالميّ ، بحيث تحدّد دور المثقّف في دول و مجتمعات ”الأطراف” بتقليد دور ”الثّقافة” و ”المثقّف” في دول ”المركز الكولونياليّ” ، و بحيث مثّل ”مثقّفنا” (في دول الأطراف في النّظام الاستعماريّ الكولونياليّ) تلك النّسخة المقلَّدة و المشوّهة عن ”الأصل” الغربيّ - الأوربّيّ ، و ذلك مع اعتبار ”الأصالة” التّاريخيّة التي أنتجت ثقافة الحداثة في ”الغرب” ، و التّصدير الممسوخ و التّآمريّ على الشّعوب و الدّول الضّعيفة لتلك الثّقافة في نموذج مطبوع و غريب عن واقع مجتمعاتنا ، التي لم و لا تمتلك تلك البنى الحضارّية و المؤسّساتيّة و الاقتصادّية و الاجتماعّية و السّياسيّة ، التي توفّرت للغرب في إفراز ”الثّقافة” المناسبة و المطابقة لبناها التّحتيّة المتمثّلة في حقول العمل و النّشاط و السّلوك ، و الحاجات التّاريخيّة التي تفرض فيها البنى التّحتيّة المادّيّة و الاجتماعيّة الثّقافة كبنية فوقيّة مناسبة و مكافئة .

5 من المفترض أنّ الوقائع و الظّواهر الاجتماعيّة و السّياسيّة الصّغيرة منها و الكبيرة أن تحدّد موقع المثقّفين في مجتمعاتهم و في العالَم ، و هذا ما يطرح مسألة طليعيّة المثقّف و خروجه على النّسق العقليّ السّائد في المعطى اليومي للفكر ..
و عند هذه الحدود يتحدّد الموقع الكونيّ للمثقّف بوصفه متفوّقاً على ذاته و على التّقاليد التي تعرقل التّفكير الحرّ غير المقيّد بأيّ انتماء محدود له ، ليستطيع تسويغ نوعه من حيث هو ينتمي إلى طبقة أو فئة أحرزت تفوّقها السّيكولوجيّ في القابليّات الحضاريّة ، التي تسمح للثّقافة أن تكون قائدة لمعالم التّفكير الاجتماعيّ و السّياسيّ ، عندما يدخل المجتمع بدوافعه و غرائزه في وضعيّة التّشابه الظّاهريّ للرّواية التّاريخيّة في سياقها العُنفيّ ، الذي يُغري الكثيرين بالارتداد إلى مستوى ما قبل الطّبيعة التّلقائيّة في الوعي الضّامر ، بعدُ ، و الفعل و السّلوك .
إنّ من الطّبيعة الأساسيّة للمثقّف أن يتموضع في الأمكنة الحدودّية التي لا يستطيعها الآخرون في المجتمع ، و هي الأمكنة ذاتها التي يحتاج إليها هؤلاء ليشّكلوا ”المُتّحدَ” البشريّ ، خروجاً من الحالات المجتمعّية الانفصالّية التي تشجّع عليها ظروف سياسيّة و تاريخيّة ، تتجاوز مغزاها نحو إغراق الجميع في وهم الانتماءات المتباينة الكفيلة بصناعة الاقتتال المسّلح عند توفر ظروف ذلك ..
على عكس ما قد أبداه المثقّف السّوريّ ، في غالبيّته ، عندما سمح لنفسه بالانجرار وراء المواقف البدائيّة المجتمعيّة في انتماءات مُعلّبة و جاهزة ، جاهزيّة التّخلّف السّياسيّ التّاريخيّ الذي تُبديه المجتمعات في ظروف أفولها الحضاريّ المبنيّ على ركود زمنيّ متكلّس و متحجّر في مفاصل حركته و دوافع التّقدّم .

6 أثبتت الحرب السّوريّة عقم الطّبقة الثّقافيّة السّوريّة في جملة من الممارسات التي لم تعد خفيّة و لا خافية على أحد ؛ و لكنّه ، هنا ، أيضاً ، جرى انزياح اجتماعيّ سياسيّ تاريخيّ للمثقّف ، كانت نتيجته خلخلة و تنافر ما بين البنى الهيكليّة المتلازمة للظّاهرة الواحدة - الظّاهرة الثّقافيّة - فيما انقلبت المفاهيم السّياسيّة بجملتها تلك التي شكّلت تقاليد الثّقافة منذ عهد الحداثة العالميّة و حتّى اليوم .

7 و لئن شكّلت ”الحساسيّة” السّياسيّة ( الذّائقة السّياسيّة ) في القرن الماضي ، العشرين ، نمطاً من ”التّقاليد الثّوريّة” إلى وقت متأخّر من هذا العصر ، و التي أخذت بالانقراض منذ النّهايات المبكّرة للقرن العشرين ، و المتعلّقة بتهمة ”المثقّف” بتخادمه مع ”السّلطة السّياسيّة” ، و خضوع ”المثقّف” للسّلطة و انتهازيّته في علاقته بالّدولة كطبقة سياسيّة منفصلة عن المجتمع ..
فإنّ ما شهدته الحرب السّوريّة من انقلابات نوعّية جذريّة لمواقف غالبيّة المثقّفين ، قد جعل علوم السّياسة و الاجتماع تدور دورة عكسّية تامّة ، في اتّجاه معاكس بالضّبط ، لتنظر إلى ما قد خلّفته خلفها من نقص منهجيّ و عجز علميّ ، نظريّ و تطبيقيّ ، و تسرّعٍ تاريخيّ بالأحكام النّاجمة عن ”استقراءات” فاشلة و استنتاجات مزيّفة ، و لتعيد النّظر بالكثير من قوانينها الرّاديكاليّة التي تصوّرتها ، في لحظة تاريخيّة مبادئ ثوريّة لا يفتّ من صحتها أيّة مراجعة لأيّ حكم أو برهان .
هكذا ارتهن ”المثقّفون” السّوريّون ، المُتَوَّجون ، بأغلبيتهم .. لأحطّ و أدنى و أسقط السّلطات الاجتماعيّة التّاريخيّة السّياسيّة تخلّفاً و عصبيّة و قبَليّة و رجعيّة ، و تحالف مع أكثر أقوى القوى السّلطويّة العالميّة بربريّة في الثّقافة و احتقاراً للشّعوب و اضطهاداً للإنسانّية و ساديّة و تجبّراً ..
فكان أن قدّم نموذجاً بشريّاً ضالعاً في الجهل و الخيانة و الحقد و الانعزالّية الاجتماعّية ، فيما كان عليه أن يقف إلى جانب اتّجاه حركة التّاريخ في نزوع الشّعب العربيّ السّوريّ إلى التّحرّر من الهيمنة الكولونياليّة الغربيّة ، و السّلطات الاجتماعّية السّياسيّة الرّجعيّة المحلّيّة و العربيّة و الإقليميّة ، و السّطوة الأميركّية على القرار الوطنيّ المستقلّ . 
لقد انقلب ”المثقّف” ، غالبا ، على نفسه و على طبقته و على مجتمعه و على وطنه ، حتّى عاد مهزلة تاريخيّة من مهازل السّياسات العالميّة في عالم يُتيحُ ، و يجب أن يُتيحَ ، موقعاً للمثقّفين يمكّنهم من أن يكونوا قادة اجتماعيين و سياسيين كما هو الأمر حاصل ، و حصل ، مع المثّقف العالميّ الذي كان له السّبق الفلسفيّ في المنافحة عن قضايا الشّعوب العادلة ..
و تحضر ، هنا ، أسماءٌ ثقافيّة و فلسفيّة و سياسيّة ، في وقت معاً ، من أمثال ( جورج لوكاش ) و ( أنطونيو غرامشي ) و ( ألبير كامو ) و ( جان بول سارتر ) و ( تشي جيفارا ) و ( فيديل كاسترو ) .. و غيرهم من هذا ”النّموذج” كثيرون .

8 في هذا الفراغ الذي خلّفه وراءَهُ ”المثقّف” - و مثالنا في المثقّف السّوريّ - كان لا بدّ ، و بحكم طبيعة القانون الفيزيائيّ - السّياسيّ ، أن يطفو على سطح ”الحدث” السّوريّ الجَلَلِ ، نمط هزيل من ”المثقّف” الوطنيّ غير المؤهّل لقيادة الطّليعة الاجتماعيّة - السّياسيّة نحو الأهداف الوطنيّة الكبرى ، في تحدّياتها المرحليّة و أدوارها التّاريخيّة الوجوديّة ، فإذا به يشكّل عبئاً على هذه الّلحظة التّاريخيّة الحاسمة ، في ممارسات انتهازيّة و مختلطة التّضمين من الحماسة و العجز و الانخراط في قضّية الدّولة و المجتمع و الحرب ، وفق اجتهادات إعلامّية و أيديولوجيّة في خطاب ذي صفات بعضها منقرض و بعضها الآخر اجتهاديّ فرديّ و فاشل ، لم يؤدِّ دوره الرّياديّ في التّوسّع في طبيعة الحرب و تاريخانيّتها و تأويلها تأويلاً فكريّاً جريئاً ، كانت الّلحظة الانعطافّية في أشدّ الحاجة إليه كمقدّمة لتعرية الكابح التّاريخيّ و الجمود الحضاريّ و التّردّد السّياسيّ و الخجل الرّسميّ و الخوف من الاقتراب من روح التّاريخ السّوريّ المتعفّن في محرّماته القبليّة الثّقيلة ..
و هو ما أثبتت الأحداث السّياسيّة التّالية صواب هذه الفكرة ، عندما استعادت الكثير من السّلطات الاجتماعّية و العرفيّة و التّقاليديّة تنظيم مواقعها من جديد ، على خلفيّة معاصرتها الّلحظيّة العميقة لمفرزات ”الحدث” ، فيما تخلّفت ”الثّقافة” و ”المثقّفون” عن مواكبة ”الحدث” في استعادتهم لمراوحة كلاسّية ( كلاسيكّية ) في محدوديّة الشّعار الأيديولوجيّ الذي أبدى معه الزّمن مكوثاً مؤسفاً في ثقافة السّتينات و السّبعينات من القرن العشرين ، عندما كان يُبرّرها ، آنذاك ، نقص الموارد الثّقافيّة و السّياسيّة و العالميّة و المعلوماتيّة ، و دوران الفكر في انغلاق ثقافة عصر ”الحرب الباردة” .

9 ثمّة ما يُثير الرّيبة الفكريّة مع تدنّي مستوى ثقافة الخطاب السّياسيّ غير القادر على الارتفاع و الارتقاء إلى مستوى الحدث التّاريخيّ السّوريّ ، كما أثبتت السّنوات الطّويلة الماضية التي أرّخت للحرب على وفي ومع سّوريّة ، على مستواها المتواضع ، حتّى الآن .
لم يشهد الفكر السّياسيّ السّوريّ أيّ تحوّل مفهوميّ في المصطلح و المفهوم الّلذين يرتقيان إلى مستوى هذا الحدث التّاريخيّ المؤسّس أو الذي كان يُفترض به أن يكون ، كذلك ، مؤسّساً . 
لقد شكّلت الكثير من مفردات و تفاصيل ”الحدث” ، إن لم تكن قد شكّلت جميعها ، سابقة تاريخيّة على مستوى الثّقافة المحلّيّة و الإقليميّة و العالميّة ، و تالياً على مستوى الثّقافة السّياسيّة و السّياسة نفسها ، بينما تعثّر تناول الحدث نفسه بطاقم من المفاهيم و المصطلحات التي أجهضت ، في قسم كبير منها ، دلالات الحدث بالذّات ، و جعلت منه - أو تكاد - حدثاً طبيعيّاً و عابراً و مألوفاً ، و ربّما معتاداً و مجرّباً أيضاً . 
هذه النّقطة التقطتها القوى الاجتماعّية بسلطاتها العنيدة التّقليديّة ، التي بدت عليها معاصرة خلفيّة و تحتيّة عميقة و مدركة لخطورة الممكنات في التّحوّلات ، فكانت أن عملت على حصار الثّقافة و التّربية و التّعليم و الإعلام و التّديّن ، و ضبط جميع ذلك في مستوى هزليّ إذا ما قيس بالضّرورة و الممكن من التّجاوز ، و جعلت من الحدث فرصة تاريخيّة ثقافيّة رجعيّة ( أو جامدة ) لها ، و استفادت منها حتّى في مستويات سياسيّة متقدّمة في المؤسّسة العامّة و الخطاب الرّسميّ السّياسيّ العام ، حتّى جعلت من الحرب ، بكلّ ويلاتها ، مجرّد اختلافات ”فقهيّة”(!) دينيّة و اجتماعيّة و سياسيّة ، في حصار ناجح لآفاق تطور خطاب الحرب ..
إذ اجتمعت على ذلك جملة من السّلطات الاجتماعيّة التّقليديّة ، متآزرة مع المؤسّسة السّياسيّة الرّسميّة في ”حلف مقدّس” لم ترتقِ إليه ، في المستوى ، الثّقافة الوطنيّة المدنيّة العلمانيّة و الدّيموقراطيّة الممكنة ، في الوقت الذي أنجزت فيه تلك السّلطات و القوى الاجتماعيّة و السّياسيّة الرّجعيّة ، خطابها بخبث و دهاء تاريخيين في إطار شعارات”الدّيموقراطيّة” بالذّات !

10 تطرح مشكلتنا ، على ما تقدّمت ، مسألة خاصّة جدّاً قلّما يلتفت إليها الفكر السّياسيّ المعاصر المحلّيّ أو العالميّ ، و ذلك في صيغة سؤال هو : هل ، بالفعل ، قد تلاشت من العالم ظروف ”الثّقافة” و شروط إنتاجها العالميّة ( الإنسانيّة ) ، على النّحو الذي ما تزال معه طبقات اجتماعيّة متعدّدة تجد في ”الثّقافة” السّياسيّة المبنيّة على أصول فكريّة فلسفيّة و سياسيّة و أخلاقيّة ، مصلحة تاريخيّة لها فيها ؟ 
و بصياغة أخرى : هل انتفى الحامل التّاريخيّ التّقدّميّ للثّقافة المتجاوِزة ؟ 
أو هل دخلت المجتمعات العالميّة المعولمة في تدجين بشريّ شامل ، أزاح من مفرداتها المحرّكة و المتحرّكة ، مسوّغات المواكبة الفكريّة للأحداث السّياسيّة العالميّة الجسام ؟
و بقدر ما تبدو هذه الأسئلة ضرورّية ، في ما فوق المشروعيّة ، فإنّ الأجوبة عليها لا تبدو بدرجة الوضوح الذي صيغت فيه تلك الأسئلة ، و هو الأمر الذي يجعلنا نقرأ التّناقضات العالميّة ، اليوم ، في المجتمعات و بين الدّول ، قراءة كثيرة المغايرة و الخصوصيّة و الاختلاف .

11 ربّما يكون علينا ، كواجب تاريخيّ ، أن نؤمن بالتّغاير الظّرفيّ لحدود المفاهيم و المصطلحات و طبيعة الضّروريّ و تفريقه عن غيره من عدم الضّروريّ ، في العصر العالميّ الرّاهن ، المعولم و العولميّ ( و هذا ما نذهب إليه ، غالباً ، في تعبيرنا بالعالميّ ! ) ، بحيث يترتّب على هذا الأمر أن ننظر إلى ”الثّقافة” نفسها كمفرز من مفرزات ”العالميّة” التي تزول معها و فيها المضامين المُعَزَّزَةُ تاريخيّاً بثوابت سياسيّة و أخلاقّية ، و ذلك نتيجة الإنزياح الاجتماعيّ العالميّ الذي رافق مجتمعات ما بعد الحداثة ، بقيمها المختلفة و نظرتها المُعمَّمَة وفق النّموذج الإمبرياليّ المعاصر العابر لخصوصيّات و مناقبيّات الشّعوب و قيمها التّقليديّة التي كانت ، في ما مضى ، راسخة ، و هي لم تعد كذلك اليوم .
إنّ تحليل الظّاهرة الثّقافيّة العالميّة ، اليوم ، يُحيلنا ، مباشرة ، إلى تحليل الأثر الاجتماعيّ و السّياسيّ العالميّ في المفهوم و العمل ، قبل أن نتّجه إلى الخصوصيّات التّاريخيّة للمجتمعات العالميّة ، و بخاصّة من حيث كتلة المغزى السّياسيّ الذي تضمّنته الثّقافة في محصّلاتها العالميّة الأخيرة .
و مع ذلك يبقى ثمّة سؤال جوهريّ لم تتمّ الإجابة عليه في هذا الحديث . لماذا ، كما هو ملاحظ ، يجري الاصطفاف أو الاصطفافات الإمبريالّية المُحدَّثَة إلى جانب أكثر المظاهر رجعيّة و ظلامّية في قوى و سلطات المجتمعات العالميّة - و منها مجتمعاتنا - لتعزيز أحلاف مقدّسة تقف في وجه الانتقالات الّتقدّميّة للشّعوب ؟

12 و في الجواب ، فالعالم يقف اليوم على عتبة تغيير و تغيّر عميقين من جهة خلخلة ثقافة ما بعد الحداثة ، و تجاوزها إلى عصر ثقافيّ بَعديّ آخر ، من أهمّ معالمه هو هذا الاستشراس السّياسيّ في وجه الثّقافات العالميّة المختلفة و المعروفة في صفاتها المجتمعيّة و الدُّوليّة و الوطنيّة و القوميّة و النّسقيّة القارّة ، و تعاضد ما تبقّى من قوى و سلطات و بنى و هيكليّات و تحالفات و تجمّعات و روابط دوليّة ، على أسس استنفدَت طاقاتها و مسوّغاتها ، و أزفت ساعة تحوّلاتها الشّاملة و العميقة على مستوى القارّات العالميّة الخمس ..
و لذلك فإنّ من طبيعة الأشياء أنّنا نمرّ ، الآن ، و في هذه الّلحظة التّاريخيّة الصّعبة و غير المسبوقة، في ما يمكن أن نسمّيه ”زخم” النّزع الأخير لروح العالم المعروف ، بما هو ”الزّخم” كمّيّة و قوّة الحركة و التّحرّك الفيزيائيّ ، و قد تمثّلته السّياسة العالميّة كمبدأ فيزيائيّ - سياسيّ طاغٍ و حتميّ ، لتحصيل آخر ما يُمكن تحصيله من ثمرات روح العالم الذي دخل مرحلة الأفول .
و الأمثلة كثيرة على ما نقوله ، هنا ، و هي تتظاهر أمامنا ، يوميّاً ، في ”السّياسات” الهزيلة التي تنتهجها القوى الأكثر قوّة في العالم المعاصر ، في تحالفات رؤوس الأموال الضّخمة و الطّائلة في الدّول الرّجعيّة مع أعتى قوى العسكرة العالميّة الغربيّة - الأميركيّة .

13 و من مبدأ التّلازم العالميّ التّاريخيّ للأشياء ، فإّنه بديهيّ ، إذاً ، ما نعيشه اليوم من تقزّم ثقافيّ مجتمعيّ محلّيّ ، و إقليميّ و عالميّ ، و ذلك من مبدأ القانون السّياسيّ التّاريخيّ الذي نسمّيه بتلازم الواقع و الوعي تلازماً جدليّاً ، و هو القانون نفسه ، و لو بصيغة أخرى و مختلفة بعض الشّيء ، ذاك الذي تسمّيه ”المادّيّة التّاريخيّة” بانعكاس الوعي عن العالم .
و على أنّ الثّقافة كمبدأ فكريّ لا يمكن أن تصاب بالهلاك القاتل ، فإنّ ما يبدو على ”الثّقافة” السّوريّة ، اليومَ ، إنّما هو أحد آثار قانون عالميّ واحد ، يبدأ بالتّكوّن و الاندفاع التّالي بناء على تهالك للدّوافع القديمة التّقليديّة التي شكّلت في مرحلة تاريخيّة مديدة ، روح التّشكيلة الاجتماعّية - الاقتصادّية - السّياسيّة ، التّاريخيّة ، التي امتدّت على طول أكثر من مائتيّ عامٍ ، منذ فجر الحداثة العالميّة ، فيما كانت قد انعطفت انعطافتها السّياسيّة الثّانية في ”ما بعد الحداثة” ، مع نهاية الحرب الباردة ..
بينما هي تتأهّل ، اليوم ، لتكريس و تعزيز و تمتين مرحلتها الثّالثة في ”ما بعد بعد الحداثة” ، و لو أنّنا ، وفقاً للمادّيّة التّاريخيّة ، لا نستطيع ، بعدُ ، أن نقول إنّنا تجاوزنا التّشكيلة الاجتماعّية - الاقتصادّية - السّياسيّة الأخيرة ، و التي بدأت مع المرحلة الرّأسماليّة الحديثة تلك التي دشّنها عصر الثّورة الصّناعيّة في ( بريطانيا ) ، و عصر الثّورة البورجوازيّة في ( فرنسا ) ، على رغم التّعديلات العميقة و الشّديدة التي جرت عليها مع عصر الإمبريالّية العالميّة التي قادتها ”الولايات المتّحدة الأميركّية” بعد الحرب العالميّة الثّانية .

14 في وسط هذه التّناقضات الكثيرة التي تمثُلُ أمام ”الثّقافة” و ”المثقّف” السّوريّ ، يبدو توصيف الواقع المُعقّد بسيطاً ، إذاً ، إذا ما قورن بالنّتائج المنتفخة و المتورّمة كسرطانات تغزو جسد الدّولة و المجتمع ، حيثُ يُعاني الجميع من رذائل ”الثّقافة” السّائدة و القائمة على كلّ تلك الأسباب و المضامين في مفاعيل إشكالّية ليس لها حلول مباشرة ، و لكنّها ، و بكلّ تأكيد ، تحتاج إلى مَسَاعٍ شديدة التّكثيف منطلقة من دوافع الحاجة إلى التّماثل العالميّ ، وفق تحديدنا السّابق لعالميّة انتهاك الثّقافات و شموليّة ”القواعد” التي تجعل من ”الظّاهرة” الثّقافيّة حالة من حالات العطَب المجتمعيّ و الشّعبيّ ، الذي يسطّر قواعد هذا الدّافع العامّ مضموماً إلى الدّوافع الخاصّة المتمثّلة بخلاعة عدم الاتّفاق على معياريّة ثقافيّة سياسيّة وطنيّة ، تضيف إلى موضوعيّات التّراجع الحضاريّ و التّنمويّ بُعداً عمليّاً ، يسمح باستثماره تحت ضغط الذّرائع متباينة الجِدِّيَّة و واسعة الاتّكاء عليها ، كونها لها أنصارها الذين يستفيدون من تفاقماتها باستمرار .
سنطلق على هذا المفعول ( المضمون ) الذي ، و حتّى الآن ، قد أظهر قابليّات اجتماعيّة و سياسيّة ، يجري استثمارها من قبل الكثيرين من أولئك ”المثقّفين” مع من يخدمونهم و يتخادمون معهم ، إسم ”النّظام” الثّقافيّ الذي يتجدّد و يتنامى باطّراد ، و الذي يقوم بعمليّات متسلسلة في أثرها التّخريبيّ التّفتيتيّ ، لِيَصِلَ إلى مستوى عميق يشتغل في منطقة الدّوافع تلك التي ، إذا ما جرى وعيها في المصالح الموزوعة ، و هو يجري بالفعل كذلك ، تشكّل منطلقاً عمليّاً و تبريريّاً ذا وجاهة ”منطقيّة” ، تبدو كأساس ناجز للعمديّة و التّعمّديّة الكافيتين من أجل الحفاظ على هذا ”النّظام” بممثّليه من ”المثقفين” ، الذين شكّلوا و يشكلون عدواناً على المجتمع ، بوعي و بدون وعي ، سِيّانَ في هذاالصّعيد .

15 تبقى مشكلة جوهريّة في هذه ”الظّاهرة” - ”النّظام” ، و هي أنّه نظامٌ ، ليس فقط متهالك و تهالكيّ ، بذاته ، و إنّما يمتدّ أثر هذا التّهالك إلى المنظومة الفكريّة السّياسيّة للدّولة ، بما يُمثّله ”المثقّف” ، بحدّ ذاته ، من مقياس اجتماعيّ و سياسيّ ، بالنّسبة إلى القوى الأخرى المؤهَّلة لتستقبل وافد العمل و القيمة الاجتماعّية و الفكريّة ، التي تنشأ مع النّشاط الطّبيعيّ و الضّروريّ ، فإذا بها تشكّل ، دوماً ، شاهداً و مثالاً على التّنشئة الفكريّة للمجتمع و الجماعات ..
و كذلك بما هي قيمة أو ”جهاز” سياسيّ فوقيّ ، تمتدّ فروعه إلى مؤسّسة الدّولة و محلّات السّيادة و القرار ، لتجعل كلّ ما من شأنه أن يشكّل خصوبة التّقدّم و التّطوّر ، في عداد الطّاقات و القوى الاجتماعّية التي تُختزل بالقياس و المحاكاة و التّقليد ، إلى نظام تهالك و هلاك لدوافع الفكر و محفّزات الهويّة الوطنيّة بما فيها هويّة المجتمع و الدّولة ، حتّى تبعث فيها روح العجز و الانتهازّية و الخيانة التّاريخيّة لمبادئ مواجهة الواقع و مشكلاته المعقّدة و المتنامية باستمرار ، و كذلك في مواجهة ”الموضوعيّة” التي تنشر فروضها على الحاضر و المستقبل السّياسيّ للنّظام العامّ ، الذي اختُرِقَ في إطار هذه ”الظّاهرة” و آثارها التي لا ُتحصَى و لا ُتعدّ.

*****

ردّ الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوس

في حديثك تأخذ خرافة المثقفين جرعة نهايتها بعلقم ما تظنه هذه الخرافة عسلاً شافياً و تكمل سيرورتها المتدحرجة بسرعة لا مثيل لها إلى هاوية أمثال بوداي الذين لا تفهم من ثقافتهم سوى الانحدار و الاندحار و لا تميز مؤخرات وجودهم عن وجوه هذا الوجود المسخ الذي كلما تداعى أكثر يكبر قطيعه أكثر و أكثر في ظاهرةٍ باتت تغذي الخرافة بدلاً من أن تعيدها إلى قمقم الخرافيين الذين باتوا يتحكمون بفضاءات قطعانٍ لا تحصى منتشرة و مبعثرة في كل المفاصل السلطوية و الشعبوية و حتى في الأوساط الثقافية التي باتت عبئاً من أعباءٍ لا تحصى على الفكر الحر و المفكرين الأحرار

و عليه :

1 ) : إذا ما كانت بقعة الوعي موضوعية في اتجاهات الثقافة فإنَّ خزَّان اللا وعي الشعبوي هو الذي يملأ أيَّ تحرُّكٍ لها خاصة في مفاصل تجعل الهوية ساكنة في العراء دونما مسكنٍ و دونما أبواب و هذا ما يجعل تفسير الوعي مقروناً باختلاطاتٍ لا تحصى فرضها لا وعي المراحل و صنَّاع المراحل الذين تأثروا بدءاً من الصفر التاريخي إلى ما بعد المئة الاستشراقية في تفاصيل الأمم و الأزمان و الأمكنة ما يُودي بخزَّانات الوعي إلى الاستقطاب بشحنات قاتلة سلبياً بقدر شحنات شفائها الإيجابية و المثقف هنا هو الذي يقدر على الوقوف التمييزي التاريخي و الحداثوي !

2 ) : إميل زولا كان سبَّاقاً إلى فصل الحضارة عن الثقافة اللاهوتية بإعطاء الثقافة بعداً حضارياً متحرِّراً من لاهوت النيات و الأفعال عندما قال "لن تكتمل الحضارة حتَّى يسقط آخر حجر في آخر كنيسة على رأس آخر قسيس !"

3 ) : عندما تتعالى قلاع خرافة المثقفين إلى حدِّ تأليه أمثال صادق جلال العظم داخلياً انطلاقاً من دوافع خارجية مبرمجة هناك من كان يدرك كنهها و من كان لا يدرك أيَّ بعدٍ لتشعباتها في تسطيح مفاهيم الثقافة و المثقفين باتجاه التمجيد و التبجيل قبل التمييز بين الرثِّ و الثمين و بين الاتجاه كحالة كامنة غير ظاهرة كان يجب إدراك كنهها من الأنفاس الثقافية التي تريد بثَّ زفير السموم بين أبناء الوطن الواحد تحت شعارات الثقافة و المثقفين و الامتلاء و الممتلئين و ما يهدفون إليه هو الفراغ بعينه و الفجوات المدروسة ما بين القيادات الوطنية و الكوادر الثقافية الصادقة وطنياً دون مراوغة و دونما أي التفاف ظاهر أو دفين !

4 ) : الثقافة لم تعد التباساً غير مقصود بل باتت التباساً مبرمجاً لجعل الغموض و الحيرة و الضياع من محدِّدات الفوضى التي ما هي إلا ثقافة تدميرية نجحوا من خلالها في مجتمعاتنا ببثِّ ثقافة الخوف و ثقافة النفاق بدءاً من إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا و انتهاء بمن رأيتموه يرتاد المساجد فاشهدوا له بالصلاح كي يتخذوها مسوغاً لهم لارتكاب ما يشاؤون تحت مرأى اللاهوت و كي يحاربوا غيرهم ممن يجعلون للثقافة معنى حضارياً انتشارياً بالحق بعيداً عن الخوف و النفاق بحجة الفسق و الزندقة و الفجور و العصيان و حادثة رانيا يوسف الأخيرة في مهرجان سينمائي تبين انحدار ثقافة المجتمعات بلاهوتها أكثر و أكثر بمحددات للأسف و كما يبدو مباحة سياسياً لجعل القطعان أكبر و أكبر !

5 ) : في الكولونيالية العالمية لا براءة للعولمة في خلق التهالك في كلِّ منطقة وفق ما يجيزه القويُّ على الضعيف و حكماً لن يستطيع إجازته الضعيف على القوي إلا ببعض التنافذ الثقافي المحتوم لكن الغزو الثقافي يخضع لميزان القوة الإعلامية و القوة الشرائية أكثر من أية موازين أخرى كما نعلم و ندرك و نؤمن !

6 ) : البيئة الخصبة لتنمية دوافع التهالك تغالب البيئة غير الخصبة لتنمية دوافع العيش و التعايش و تنتصر عليها حكماً لأنَّ المنطلقات النظرية و العملية لأية فكرة في ثقافة ضياع الهوية لن تجدي أكثر من تضييع ما تبقى من خانات تحسب في تيار الهوية و لو بشكل عاطفة و انتماء قد نجح العدو في الكثير من الأحيان إلى وأدها بل و إلى تجييشها حتى ضد معاني الوطن و الانتماء !

7 ) : لنا بحديثك أن نجعل انتماء العقل الثقافي و الثقافة العقلية أكبر من كلِّ انتماء تجيشه العواطف بتغييب عوامل التفكير الموضوعي التحليلي و لنا أن نرقى بالعيش و التعايش لنقهر كل دوافع تهالكنا و كلَّ رواسب خرافاتنا دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

*****

فيما عقبت الدكتورة رشا شعبان:

كل الشكر و الامتنان لك حكيمنا الغالي ، و أنت دائماََ تثير القضايا الأرأس التي علينا مواجهتها و الخوض فيها ، في محاولة تفكيكها و نقدها و الانتقال إلى وضع الحلول .

نعم إنها خرافة المثقفين ، لأن الذين رفعوا شعارات الاستنارة و التقدّم هم من يحتاج إلى التنوير الذي هو عودة نقدية على الذات .

إنها خرافة المثقفين الذين لم يتمكنوا من الخروج عن شرنقة الأنا و أمراض النرجسية الثقافية ، و تأكيدالذات على حساب المجتمع و الوطن ، و تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة .

و هذا ما يفسّر ابتعاد الشريحة الأوسع من الناس عن الثقافة و المثقفين بآن معاََ .

و لعمري ، لم يتمكن المثقف المزيّف ، و الذي استعمل المادة المعرفية سلعياََ ، حين قايض بها على مصالحه و كينونته .

لقد لبس المثقف الخرافي لبوس المعرفة و الحكمة بوصفه المخلّص من الأزمات . و لم يكن في حقيقته إلا أزمة مضافة إلى الأزمات ، انكشفت عند أول محك وجودي لوطنه و تاريخه .

و إذا كانت الأحداث تقع دوماََ بخلاف ما نتصوره أو نسعى إليه ، لكي تفاجئنا بأن ما يتحقق أحياناََ على صعيد التنمية أو التحرر أو الديمقراطية ، إنما تصنعه قوى و قيم و أفكار ، من حيث لا نحتسب ، فمعنى ذلك أننا نصنع بفكرنا أزمتنا ، في العجز عن ابتكار الأفكار و تدبّر النصوص و صرف المشكلات و استثمار التراث و سائر معطيات الوجود بترجمتها إلى عملة راهنة قابلة للتداول واقعياََ في عالم الثقافة و الحضارة .

لقد وقع المثقف الخرافي في مجتمعنا فريسة الوهم و النرجسية و الاصطفاء و الادعاء و الإلغاء و الاستبداد .

تلك التي كان يزعم أنه يناضل لاجتثاثها من عقول الأفراد ، في حين كان مبتلياََ بها ، و الأجدى به البدء بنفسه أولاََ .

و الطامة الكبرى في تلك الشعارات الهشة عن التنوير و العقل و الحرية ، التي تنادى بها ، في حين كان متذبذباََ ضمنياََ في إطار إنانيته و مشروعه الخاص ، و ليس أدل على ذلك من تلك الانزياحات الفكرية التي شهدناها لدى المثقف ، و التي كانت و مازالت تنوس بين اليمين و اليسار ، بل بين أقصى اليمين و اليسار .

و إلا كيف نفسّر ذلك التواطؤ المهين بين مثقفنا الماركسي اليساري المزيف ، و بين العقل التطرفي الوهابي و الإخونجي النتن ، في محاولة إيهامية منه أنه يخوض مشروعا سياسيا تحرريا ؟؟!!

لم يخرج المثقف الخرافي عن أصنام العشيرة و الدين و الطائفة ، ليتبدى كائناََ فصامياََ بين ما يعلن و بين ما يضمر .

لقد زعم المثقف الخرافي أنه يدافع عن الحرية و الديمقراطية ، في حين كان هو أول من صادر العقل و الحريات ، فمارس ديمقراطيته في ديكتاتورية بائسة و بأعنف و أعلى أشكالها .

و الأنكى حالة النكران التي مارسها على مجتمعه و دولته ، حين تنصّل من مسؤولياته و قذف بكل فشله و أمراضه على الدولة و النظام السياسي .

عن أي ثقافة يتحدثون وهم مازالوا يعانون قصوراََ في التمييز بين مفهوم "الثورة" و بين ما هو مؤامرة و عدوان ؟

و بأي ثقافة يتبجحون ، وهم عاجزون عن استقراء ما سوف يكون و أبعاد ما يُحاك على الوطن و الدولة و التاريخ و الهوية .

في حين أن من أرأس مهامهم هو الدفاع عن كل ما ذكرنا ، و الوقوف حصناََ منيعاََ لحماية الوطن و الدولة و العقول .

و من الأهمية بمكان التأكيد أن بين مطلب التفكير الشخصي و الالتزام بقضايا الواقع ، يراوح الفكر في علاقته بموضوعه ، فمن فهم التفكير الشخصي على أنه انشغال عن أسئلة الواقع ، عبّرت موضوعاته عن اهتمامات ضيقة ، و من فهم الالتزام بقضايا الواقع على أنه ذوبان للطابع الذاتي عطّل فعل الإبداع لديه ، و لعلّ هذا الوضع يحتّم النظر في سبل أخرى لفهم علاقة المثقف بواقعه ، و علاقة المفكّر بمجتمعه .

إن الشخصية التاريخية للمثقف ، ناتجة عن علاقته الفاعلة بمحيطه الثقافي الذي يريد أن يغيّره ، ولا يمكن لفعل و تأثير المثقف أن يكون وهو غير مكترث ، أو منتمي ، و عدم الانتماء الفاعل و المؤثر و الأخلاقي للمثقف يصنع منه وحشاََ سرعان ما ينقض على دولته و وطنه و مجتمعه عند أول محك وجودي و مصيري .

و المثقف الحقيقي لا يعمل وفق ما هو واجب فحسب ، بل وفق التزامه و اختياراته التي عليه أن يكون مسؤولاََ عنها .

فالاختيارات هي التي تحدّد مسؤوليات المثقف ، و ليس فقط ما هو واجب .

و خيارات المثقف هي التي تحدّد مشروعيته الوجودية بوصفه مهندساََ للتغيير المنشود ، و التي تتجسد واقعاََ و فعلاََ في الأزمات و الكوارث و الأخطار و الملمات ، و ليس الشعارات البرّاقة التي طالما تغنى بها في علاقة منفعية و انتهازية في إطار دولته و مجتمعه .

و أخيراََ يمكننا القول أن : المثقف المزيّف هو ذلك الذي يتمظهر مثقفاََ و يبدأ بالاحتجاج على ايديولوجيا الطبقة المهيمنة ، و لكنه احتجاج مزيّف و مبني على نحو يجعله يستنزف نفسه بنفسه .
إنه المثقف الذي لا يقول لا ، بل يقول لا و لكن...... أو أعلم جيداََ و لكن.....

فالمثقف الحقيقي لا يعلن ذاته تسويفياََ ، و لا تسويغياََ ، بل هو عقل حر و مسؤول ، و ذلك ليس بحكم معرفة أو اعتقاد ، بل في ارتباط بالإرادة الحقيقية و النزيهة عن المنفعة الشخصية و الهوى و المزاجية .

كلي أمل أيها الحكيم ، الدكتور بهجت سليمان أني استطعت التقاط بعض من أفكارك الغنية و الحوار معها.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني