جمود النّظريّة الثّقافيّة - السّياسيّة..
[حديث الثلاثاء" 28"]
■ بحث من أربع حلقات عن (الثقافة) ■
)2 من 4)
الحلقة الثانية))
جمود ”النّظريّة” الثّقافيّة - السّياسيّة]..
و نقد المَضامين و الظّواهِر و المُعطيَات ]
● د . بهجت سليمان
1▪ إنّ كلّ شيء يتحرّك نحو غاياته المفهومة أو غير المفهومة، و ينطبق ذلك على العلاقات الاجتماعيّة بين الأفراد كما على المجتمع بوصفه كلّيّة ”نظريّة”، كما يتناول هذا التّحرّك، الملازم للتّغيّر و التّغيير ,السّياسة النّظريّة و العمليّة على مرّ الزّمن، بما في ذلك ”نظريّة السّياسة” التي تستبطن الأخلاق و الأداء و السّلوك، و لو كابر الكثيرون دون هذه الحقيقة الأكيدة .
2▪ و تُفسّر هذه الحقيقة حتميّة تاريخيّة لا تمتّ بصلة إلى الحتميّات ”التّاريخانيّة”، و هي أنّ العمليّة التّغييريّة الثّقافيّة التي طرحها (غرامشي) في حينه، و التي لاقت اعتراضات واسعة في الفكر الماركسيّ ”الأرثوذكسيّ”، إنّما هي حقيقة تزداد أهمّيّة و صواباً في هذا العصر الذي أضحت فيه ”الأفكار” رافعة اجتماعيّة و اقتصاديّة و سياسيّة في بنى ”الدّولة” المعاصرة، أيّاً كانت طبيعة هذه الدّولة و نظامها السّياسيّ, إذ تجاوزت أهمّيّتها مضمون فكرة (غرامشي) التي جاءت كوصفة سياسيّة للبلدان الأقلّ تطوّراً و الأكثر جموداً و ركوداً و تخلّفاً اقتصاديّاً و سياسيّاً و اجتماعيّاً و ثقافيّاً، و هو نموذج الدّولة التي كانت تنتمي، في حين ذلك الطّرح، إلى بلدان ”العالم الثّالث” أو ما كان يُسمّى كذلك.
3▪ كان الميل السّياسيّ العامّ في (سورية) في غضون العقود الخمسة المنصرمة، يتّفق، غالباً، مع المنسوب ”البعثيّ” للثّقافة الرّسميّة للدّولة، مع أنّ هذه الأطروحة لا تمّثل الواقع السّياسيّ لمؤسّسة ” الدّولة ” السّوريّة، الحقيقيّة، جرّاء الاختراقات ”الثّقافيّة” الاجتماعيّة ”الأهليّة” التي لا يمكن حصرها ببساطة، التي تمكّنت من زعزعة النّسيج المدنيّ السّياسيّ للدّولة قبل الاتّجاهات الاجتماعّية المؤهَّلة للتّطوّر، و هو ما جعل الواقع الاجتماعيّ - السّياسيّ بسلطاته الكامنة و قواه الرّجعيّة، يُدمّر كلّ المآلات السّياسيّة التي عملت عليها الدّولة في سورية أو حتّى تلك التي وصلت إليها، فعلاً، أو توصّلت إليها في الاكتشاف.
4▪ مثل كلّ النّظريات و الممارسات، يُخلّف مشروع الدّولة في مسيرته الكثير من النّفايات من أفكار و أشخاص، و تنمو على أطرافه المظلمة الرّطبة طحالب المشاريع المناوئة و الشّخصيّات المتعفّنة و النّوايا السّليطة، و بخاصّة عندما تتأسّن الجيوب الاجتماعيّة و الخلايا السّرطانيّة التي تعتدي بصمت و خبث و هدوء على جسد الدّولة، و تمدّ البنى السّياسيّة و الأنساق الثّقافيّة و السّياسيّة في االدّولة بمحفّزاتها الذّاتيّة, فتنعش عندها طابع التّشرذم و الفئويّة و العصاباتيّة و الشّلليّة المريضة أصلاً بدوافع الانفصال الجاهزة و الكامنة في الخبث السّياسيّ..
و هكذا تصبح الدّولة دولة قابلة للإختراق، فيما تكون البدائل المضمرة قد أصبحت عميقة بأدواتها الجاهزة للانقضَاض على أضعف ثغرات السّيادة السّياسيّة لتصنع منها فجوات كافية، لتدخّل تلك الأدوات من أشخاص و ممارسات و أساليب، تجعل العيوبَ السّياسيّة الظّاهرة المقصودة و غير المقصودة منصّات مستهدفة، فيما تجرف أمامها هذه ”السّيلة” من فقدان السّمت و ارتباك التّفاصيل و تداعي البنيان العامّ..
فإذا به يكتمل كمشروعٍ عدوٍّ صُنعيّ يقع في قلب هيجان العواطف الجاهليّة للجهات الاجتماعيّة الجماعيّة الأغبى و الأكثر حقداً و موتوريّة ضدّ الدّولة..
و يولد من جديد مغسول الدّماغ إلّا من ثأراته المبنيّة على أحطّ الخرافات السّياسيّة التّاريخانيّة، و لكنْ الكافيّة لخلق البيئة الفاصلة بين العمى التّاريخيّ نحو الشّأن العام و المرفق العام و المؤسّسة الحكوميّة و الأرواح البشرّية و النّاس البريئة، و الأملاك و الأموال العاّمة و الأملاك الاجتماعيّة..
و هكذا تولد ”العامّويّات” و ”الشّعبويّات” المقاتلة المسّلحة بالثأر و النّار، و تسيل فيها تقيّحات سُمّ التّاريخ الأحمق الكاذب المزوّر الحاضّ على القتل و الجريمة الجنائيّة و ”السّياسويّة”..
لتندلع الكارثة الاجتماعّية السّياسيّة و القتل المبرمج و الدّمار المنظّم و التّخريب المُنسّق، في انكشاف علنيّ لكلّ ما كان مضمراً يتّقد تحتَ رماد الجاهزيّة العدوّة للدّولة و المجتمع ”النّظريّ”، المسمّاة ”ثورات”.
في هذه الصّورة المشوّهة للحاضر يحسن التّوقّف النّقديّ النّظريّ و العمليّ لجملة المضامين و الظّواهر و المعطيات التي كانت مدخَلاً داخليّاً للانقلاب.
● في نقد المضامين:
5▪ منذ فترة وجيزة أشرنا، هنا، على هذا المنبر، إلى التّلف التّاريخيّ للأشياء من أفكار و قواعد و نظريات علميّة و نظريّات طبيعيّة و أخرى فلكيّة، في الوقت التي لا تنجو من ذلك، أيضاً، نظريّات السّياسة و ذلك مهما بلغت، في حينها، شأناً جديداً و بعيداً في الثّوريّة و الوطنيّة و القوميّة و الدّينيّة، و ما إلى ذلك من كيانات و أنساق.
فالمضمون الذي على النّقد أن يغزوه، هو كلّ ما علق من الماضي التّالف في ”أدوات” الحاضر، أو هو أدوات الحاضر المنقولة من الماضي لمعالجة الحدث المعاصر مع كلّ ما هو مفهوم من تناقض إجرائيّ في صناعة الحاضر، بأدوات و أساليب و مفاهيم الماضي التي كفّت عن كونها قادرة عن الإحاطة بالوقائع المستجدّة و الطّارئة، التي تحتاج إلى وسائلها و أدواتها المستحدثة بما يتوافق مع روح العصر و مناخ العالم المعاصر.
6▪ و النّظريّة الثّقافيّة السّياسيّة التي تمنح الدّولة هويّتها الحضاريّة الحيّة، هي تلك التي تتضمّن في برنامجها السّياسيّ المعاصر صفحة خاصّة بمقوّمات الأداء النّقديّة و معايير التّفاعل مع الأغراض، انطلاقاً من رصد العلاقة بين النّظريّة و العمل في التّطبيق و اكتشاف ما هو عمليّ و واقعيّ في التّغيير، بما في ذلك مواجهة المشاريع التي تنطلق من تزمّنها في الماضي، سواءٌ في أدواتها أو أفكارها أو في استراتيجيّاتها المضمرة و لكن التي لا تخفى على النّقد و التّعرية و التّحديد.
إنّ المعايير و النّواظم التي تُخضع سيرة الحاضر السّياسيّة، هي تلك التي يتولّاها الظّرف المُستدام بالتّعرية و الحتّ و التّنجير و التّسوية و إعادة التّعميم بما يضمن لها مطابقة الميول الأعظميّة لتاريخ العالم المعاصر، و صلاحيّاتها في قدرتها الاستعاديّة الدّائمة للثّوابت المضامينيّة، و عدم اهتزاز هذه الثّوابت و ميلها مع اتّجاه رياح العامّيّات التي تحرّكها نزعاتها الانفعالّية مع كلّ فكرة من أفكار الحماسة، التي تسقط لتوّها مع أوّل اختبار أو امتحان وطنيين.
7▪ عادة ما تتركّز المضامين السّحيقة للأذيّات الثّقافيّة السّياسيّة، في مظاهر خادعة كالشّعارات و ”المأثورات” الخطابيّة في التّشكيلات البنيويّة و المؤسّسيّة الخادعة، عن طريق إظهار المزايدات المزيّفة في الممارسة و السّلوك، و التي باستطاعتها، عن طريقها، أن تدّعي التّمسّك بالمصلحة الوطنيّة فيما تؤدّي عمليّاً خطاباً متخندقاً، صلباً و جامداً و ملتويّاً، تستطيع به تأكيد ”الخطاب” العام عبر اختراقها به للخُطَبِ و النّصوص و التّنظيرات البريئة و المشبوهة، في آن معاً.
نحن أمام استراتيجيّة سياسيّة ”مضمونويّة” تمتلك من الإمكانيّات و الأدوات و الوسائل و الخلفيّات و المؤيّدات ”الاجتماعيّة” و ”الأخلاقويّة” و ”الجماهيرويّات” و العامّيّات التي تستطيع معها التّفوّق على استراتيجيّة الخطاب السّياسيّ للدّولة، فتهدّد الدّولة بواسطة ما تداخل في ”النّمط” العمليّ من مضمون نسقيّ نظريّ رجعيّ استطاع أن يتسوّق في خطاب الدّولة المعاصر، عن طريق منظّريه غير البريئين.
8▪ يعرقل المضمون النّظريّ الكثيف لحضور الماضي كلّ أداءٍ وطنيّ شريف، بما يختزنه من أدوات شدّ فيزيائيّ - سياسيّ، جرى تحويلها و تعديلها إلى ”قوّةِ” سيطرة واسعة على موضوع الدّولة في المجتمع و الحكم، بطابع ميتافيزيائيّ عجيب يجب الاحتراس الكثيف منه، بواسطة الفكر السّياسيّ النّقديّ، لأّنه - عدا عن كونه أداة شدّ في عكس طموح الدّولة - يؤدّي في المحصّلة ”الحضاريّة” إلى تجميد و تكليس و تحنيط الواقع الذي يُزرقه العالمُ بالاستعجال و الابتسار.
عندما تتجمّد العلاقات تتجمّد النّظريّة - و ليس العكس - ذلك أنّ النّقد النّظريّ السّياسيّ هو الوحيد القادر على عكس هذه المعادلة المعكوسة، و ليس مقارعة ”النّظريّة” بالنّظريّة، و هو ما أصبح، عالميّاً، ممجوجاً و مجرّباً و فاشلاً.. أيضاً.
و الأمثلة لا تُعدُّ و لا تحصى، ليس من أشهرها التّناقضات السّياسيّة المعلنة و المضمرة، بين ”العلمنة” و ”التّديين”، و لا كذلك التّناقض المدمّر بين ”الحضور” النّظريّ المضمونويّ، لهيمنة ”الماضي”، و بين ”الغياب” المأساويّ للحاضر في تقنيّات الإحراج و استخدام الخلفيّة الكاثرة و الأيحاء إلى ”القرار” بأنّ هذا ”الواقع” هو أفضلُ الموجود.
● في نقد الظّواهر السياسية:
9▪ تكثر هذه الظّواهر في الفترات الانتقاليّة أو المنعطفات الوطنيّة السّياسيّة، كما يحصل في سورية، اليوم..
و تستشرس هذه ”الظّواهر” في غزوات همجيّة تحت ستار ”الممكن” و ”الوحيد” و التّزوير ”المعلوماتيّ” بدوافع غبيّة و ساذجة أو بدوافع منظّمة و سياسيّة و مستقبليّة، لجعل المكان مسرحاً للتّجربة الجديدة لها بعد أن غيّرت الكثير من ملامحها فيما تعنّدت في داخلها بأمنيات و أطماع و أحلام تستعيد التّجربة الرّجعيّة بعناد، و هي المدعومة و المدعّمة، بجاهز خطابيّ و مسلكيّ عالي الدّربة السّياسيّة، و لو لم يُبدِ ذلك ، و تستعيد مع التّجربة اختراق التّشريعات الوضعيّة الموضوعة أصلاً على قياس البربريّة الأخلاقيّة و السّياسيّة التي سُوّقت عند وضعها في الأسباب الموجبة و لوائح التّنفيذ.
10▪ تُبدي ”نظرية” تفريغ المجتمع من الطّبقات و الفئات الاجتماعّية التي تشكّل جسد الدّولة “المفيد”، بمن فيها ما اصطلح على تسميتها بالطّبقة الوسطى، الكثير من إخفاق ”الثّقافة” الاجتماعيّة - الاقتصاديّة في تصنيع مشروع الدّولة، بحيث يمتلئ المجتمع ب فئتين هما:
▪ "فئة الّلصوص و المرتزِقة و المنافقين و المتنفّذين”، من طرف..
▪ و ”فئة الحثالات ذوات الأخلاق الرّثّة و المريضة، و الوعي المعدوم و الفهم المحدود” أو كما تُدعى بالرّعاع..
و قيام الدّولة بمؤسّساتها على أرضيّة الطّبقة أو الفئة الثآنية، فيما تُدير متناقضات و أزمات و مخاطر العيش ”المجتمعي” تلك الفئة ”المُنَجَّمَة” التي اعتادت، بعد أن ترعرعت، على فراغ العقول إلّا من الطّموحات الشّخصيّة و المطامع الخاصّة.
11▪ في ظاهرة أخرى أكثر تعقيداً فلقد صنعت ”الحرب” مثالاً لمجتمع نادر الحدوث في التّاريخ، و ذلك نظراً لتعقّد طبيعة و تركيبة و تحوّلات هذه الحرب الطّويلة.
لقد حصل ما يُسمّى في الأدبيّات الاقتصادّية بإعادة توزيع الثّروة..
و لكنّ الذي غاب عن تلك النّظريّات الاقتصادّية هو أنّ لإعادة توزيع الثّروة مبادئ أخرى هجينة و اصطناعيّة، تحمل خططها في الممارسة اليوميّة للحرب و ما يتفتَّق عنها على مدياتها المدمّرة، بحيث أنّ إعادة التّوزيع ”المخطّطة” التي غالباً ما تستهدف، اقتصاديّاً، مواطن العمل و الإنتاج و رأس المال و الرّبح، تعمل في الحرب على نحو مقلوب، حيث يكفّ العمل عن أن يكون صانع ”القيم” التي تشكّل جوهر توزيع ”الثّروة”، ليكون العنف هو البديل في صناعة هذه ”القيم” و توزيعها بالعنف و الجريمة و الارتباط بالخارج و الأجنبيّ، و ظهور قطاعات من الاقتصاد تعتمد، في جوهرها، على التّقليد المافيويّ.
12▪ يمكننا الاستمرار عّداً طويلاً في سرد ظواهر مختلفة لمنتجات ”الظّرف”، و لكنّنا سنتعمّق في ظاهرة واحدة، هي شاملة و معبّرة و تكاد تلخّص جميع مخاوفنا و مخاوف الآخرين ممّن يرقبون التّحوّلات الاجتماعيّة و السّياسيّة الوطنّية المعاصرة و انزلاقاتها في المجهول.
إنّ ما قلناه على إعادة توزيع الثّروة بالمساومة و الاتّفاق و المصالح الشّاذّة، و بالعنف، لا ينتهي عند حدود خلق فئات و طبقات اجتماعيّة و اقتصاديّة جديدة و هجينة و فوضويّة تاريخيّاً، لا تملك مشروعاً وطنيّاً حاملاً في الزّمان و المكان، و إنّما يمتدّ الأمر إلى ما ألمحنا إليه إلماحاً من خلق تراتبيّة جديدة للقيم، و قد وجب الآن قولها بشيء من التّفصيل.
لا أتحدّث، هنا، على خلق العمل و السّوق و الإنتاج للقيمتين التّبادليّة و الاستعمالّية، بل إني أعني ”منظومة القيم” المرتبطة بالشّرف الاجتماعيّ و المرتبة التّأهيليّة للتّقدّم في سلّم الوجاهة الوطنيّة التّاريخيّة التي يتوقّف عليها عقل المجتمع و روح تطوّر الأمم و عّزة الأفراد المختلفين.
و فيما يجري تسليع المظهر و المكانة و الشّكل و الأدوات الملحقة بالّشخص، يجري بالمقابل تسليعٌ للمؤهّلات الشّخصيّة و المضمون الاجتماعيّ و الموقع التّراتبيّ و شهادات الأغلبّية و حسن السّلوك الذي يمنحونه للوجهاء الطّارئين الذين أفرزتهم الحرب و كانوا قبلها أمّيين و مُعدَمين.
و يجري هذا الأمر في كلّ مكان، على عكس ما يُريد منه البعض الّلئيم، من قصره على بيئة دون أخرى و عنصر اجتماعيّ دون آخر و فئات بعينها، يُقصد من ذلك تحويل النّظر عن الآخرين الذين أتقنوا اّللعبة بصمت و حرفيّة و هدوء و تغوّل و توحّش و حقارة و احتقار للآخرين.
13▪ لقد تخطّى المجتمع واقع العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب، تخطّياً لا رجعة عنه.
و يُقترح في سبيل معالجة هذا ”المستحيل”، التّجربة المبنيّة على نواظم نظريّة معمّقة لاستدراك ما يمكن استدراكه من بقّية للمؤهّلات الوطنّية الحقيقيّة..
و في سبيل ذلك علينا الاحتراس إذ ”لا يستسيغ المرءُ من مدح للغير إلا قدر ما يعتقد أنه قادرعلى مثله”، و ”الفقر ليس مانعاً من الجَدارة”، على قول (بيريكليس) أعظم ساسة اليونان القديمة.
● في نقد المعطيات:
14▪ من الطّبيعيّ أن تنحسر معطيات الّلحظة في زمن ”الحرب”، حتّى أنّه يُخيَّلُ إلى البعض أنّه تم استبدال الفراغ بالمكان، و الّلحظة السّريعة الهاربة بالزّمان. بَيدَ أنّه في زمن ”الثّقافات” الدّاشرة و العقم الأخلاقيّ - السّياسيّ الذي أفرزته هذه الحرب بَناء على تاريخ ثقافيّ هزيل، فقد صار التّرويج لهذه الخرافة ترويجاً منظَّمَاً يكاد يدخل في المعطيات السّياسيّة نفسها في صناعة القرار.
لا يعرف التّاريخ صرحاً مشيّداً كمعجزة، لم يكن يوماً فكرة أو مجموعة من الأفكار. غير أّن أفكار و ثقافات و اجتهادات و سياسات التّعجيز و التّيئيس، هي التي توحي بعكس ذلك و بالمناداة العبثية بخلق ”النّموذج” السّياسيّ و الاجتماعيّ و إعادة البحث في التّاريخ عن ضالّات واهمة و مشكوك فيها..
فإنّه ما مِن حضارة مهما تواضعت أو عظمت و هالَتْ، لم تكن يوماً أفكاراً وليدة تحتّمها الحاجة و يُبدعها الظّرف، فيحوّلها إلى معطيات واقعيّة يُبنى عليها و يُعمّر و يُشاد.
15▪ و غالباً ما يتخفّى المعطى و يكمن أمام العين مباشرة، على ألّا يكون استخدام العيون فقط من أجل تمييز الّليل عن النّهار.
إنّ سياسات المعطى نفسه هي في الحثّ الذي يُمارسه، هو نفسه، على اكتشافه ذاته. هو ليس بمنأًى عن الاهتمام و التّأمّل و التّبصّر و العودة بالذاكرة و الحكمة و القدرة على القيادة و تحمّل المسؤوليّات أمام مستقبل التّاريخ المكتوب.
إنّه لا يصنع الأمم غير الرّجال التّاريخيين شيُوخاً و كهولاً و شباباً شُجعانا و محترفين.
16▪ يتواضع المُعطى في كثير من حالاته حتّى يظنّ واحدنا أنّه معدوم، بينما يتمظهر أحياناً في مشروعات فكريّة و سياسيّة، إذ أنّ تجارب نخبة العقول هي أيضاً من زمرة تجارب الأفذاذ.
و حيث يمكن لرجلٍ أن يخترلَ أمّة بطموحاتها و حاجاتها و آلامها و أوجاعها و حرمانها و ضروراتها و أحلامها.. إلّا أنّه لا يمكنه أن يتوّزع في كلّ نقطة من نقاط تأثير الممارسة في السّياسة أو السّياسة في الممارسة، التي تنتج عمليّاً و تعيد إنتاج أهدافها الصّريحة و العلنيّة في البناء أو ما نسمّيه :(Praxis).
17▪ و المعطى، على هذا الأساس، يتفاضلُ في أصغر صغائر الحياة اليوميّة، حتّى أنّه قد يبدو للبعض شيئاً تافهاً، فيما هو في الحقيقة من أعزّ الأشياء التي قد تعبر الّلحظة و تموت و تقضي إلى الأبد..
و في هذا ضياعٌ شديدٌ و فقدان هائل لفرصة وطنٍ قد لا تتكّرر أبداً، فيما تترك وراءها الغصّة العقليّة التي لا تعالج بشرب الماء!
و قد يتعاظم المعطى و يتكامل حتّى يبدو مشروعاً بأركانٍ عميقة و ضخمة و عظيمة إلى الدّرجة التي يمكن أن يحكم فيها عليها العقلُ الرّاجف بالمُحال.
ما مِن شيء مُحال يتطلّبه منّا القدَرُ ذلك أنّه يُدرك إمكانيّاتنا بحنان!
18▪ و هكذا نصل أخيراً إلى أنّ نقد ”المضامين و الظّواهر و المعطيات”، إنّما هو عمليّة تتجاوز الأخبارَ و الإخبارَ و الإعلام و الحفظ و الثّقافة و الألمعّية السّائبة، في نظريّة جِدِّيَّةٍ تتفوّقُ على ذاتها إذ تعي موقعها و مهمّتها في إطار الإنجاز ”المستحيل”.
*****
فعقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس
في حديثك لا يَعدُّ الثلاثاء نظريات الجمود الثقافي السياسي بقدر ما يعطي المعنى حيوية التحليل و التفكير ليخرج الشعوب من نظريات عرفها الطويل و لينقذ الأجيال من تواصلها المدمن على الآباء و الأجداد بدلاً من خلق بيئة تنقذ القطيعة و لا توقف ركب التقدم و التقدمية ليغدو العدُّ في تحصيل أرقام غنى لا في تكرار أرقام فقرٍ و رجعية و فشل مدمجٍ مبنيٍ على التواطؤ ما بين العيش القديم و ما بين العيش المستتر بالحداثة و هو أبعد ما يكون عن الحداثة في زمنٍ لا مكان فيه للضعفاء و لا تقدم إلا لمركب الأقوياء الأغنياء وسط كل نظريات السياسة و الاقتصاد! و عليه:
1 ) إذا ما تلاشينا بجمود النظرية دون خلق أممٍ من النظريات الحيوية المتحركة بالعقل المبدع و بالفعل السلطوي المواكب و بالتراكمات الحية التي لا تخضع فقط لبنى الرجعية الطاغية التي تنشر وأد النظريات الحداثوية بالتبعية لنهجٍ ممنهجٍ في التدمير و في نجاح استيطان الردة المعاكسة للردة التي تخلق قفزات تنموية و دون خلقٍ سياسي اقتصادي ثقافي اجتماعي تعليمي إعلامي تربوي فكري جديد عندها لن نقوم إلى حيثيات جديدة بالطرح و الاستماع و التحليل بل سنبقى خاضعين لترديد المردَّد و لتأويل المنكشف على التخلف المحتوم بغرض تفسير الماء بالماء و تدوير العيش المتخلف ليأخذ آفاقاً جديدة في طمس القضايا المركزية التي تبغي الانفتاح و ترفض أن تدفن حية في نظريات العيش القديم و تحت ركام محاولات الحداثة المهدمة!
2 ) الحروب تخلق جموداً لا مفرَّ منه لأنَّ الامتلاء الحتمي بعروق نازفة لن يخضع لتحليلات الزمن القديم و الجديد بقدر ما سيخضع لمعطيات اللحظة التي تبرِّر أدنى مقومات المدنية و أعلى مناورات الحروب العسكرية و الحياة اللا مدنية المتقشفة حتى باتجاه تغييب إنسانية الإنسان تحت معطيات النصر و الهزيمة و المشاريع و المشاريع المضادة في جولات كسر عظمٍ لا مكان فيها للتحليل الآني بقدر ما تبرر التسرع كي لا تطمس البيئة القادرة على التحليل فيما بعد بدلاً من التسليم لمشاريع الاتجاه الواحد سلفاً!
3 ) لم ينجُ الواقع البعثي من آثام انكشاف المجتمع على العيش القديم فقط حتى بتسخير ظواهر و معطيات و مضامين التحديث و الحداثة باتجاه تجسيد هذا العيش القديم بشكل أكثر شدة و بحربٍ ضروس لا يستطيع نكرانها على كلّ تعريف لليسار الثوري المدني غير الانهزامي و غير التابع ما جعل البيئة مهيأة لحيتان المصالح و لمتربصي العوالم العدوانية كي يجعلوا بلدنا ساحةً لنظرياتهم الدموية في كل الاتجاهات و بكل ألوان و أطياف المجتمع السوري ما يجعل البعث مسؤولاً كي يقف بصدق أمام مرآة سورية و السوريين و ينقد بشجاعة كل معاني المضامين و الظواهر و المعطيات ما أمكن ذلك في ظل التكالب العالمي المدروس و المخطط له منذ عشرات السنين!
4 ) الجمود أمام عوالم الحروب يجعل البيئات الزاحفة تخرج من أوكارها كي تصطاد ما تصطاد و تقتنص ما تقتنص من فرصٍ لا تعداد لها لمن يريدون التربص بأوطانهم و مواطنيهم من باب فقدان الهوية و تلاشي انتماءات الجنسية الحقيقية أمام جنسية الجينات التي لا ترفض التلقيح بالنظريات طالما أنها تكسب ما تكسب من بيع الإنسان و الأوطان!
5 ) لم يعد ما يخضع للزمان و المكان بعداً حيوياً مجسماً فقط بالاستطالات الحركية بل لا بدَّ من التقلص الجامد كي يكون الذوبان عاملاً مركزياً في طوفان الخرافة و تلاشيها و في سريان بنى العيش التقدمي وفق بعدٍ يجمع بين التقلص و الاستطالة ألا و هو بعد نقد المضامين و الظواهر و المعطيات شاء من شاء و أبى من أبى!
6 ) :لنا بحديثك أن نقوم من أزماننا الجامدة و من أمكنتنا النائمة كي نتحرك بمركبٍ من الحيوية و بفكر من نداءات الحداثة المسموعة لا الخاضعة لنظريات الكتمان الطبيعي و المصطنع و نحن نصنع ما نصنع و نبني ما نبني و لا نرى في مرآة التاريخ عصا نهش بها على قطعان الجهل و التصفيق بل صولجانا يخلق كلّ آفاق التغيير دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.