عماد نداف: يوم أمسك أبي يدي، وقال..!
(حكاية شعرية)
أولُ مرةٍ قفزتُ فيها إلى الموجْ..
كنتُ طفلاً لايعرفُ أن البحرَ مالحٌ..
لايعرفُ أن الغرقَ مخيفٌ..
لايعرفُ أن الصَدَفَة سجنٌ..
وأن الشطآن مكانٌ للانتظارْ..
***
كنتُ أحلمُ أني نورسٌ مسافرٌ..
أحلمُ أني حبةُ مطرٍ في غيمةْ.
أنامُ وأصحو على حلمٍ يغسلهُ الموجْ.
أفركُ عينيّ وأتمنى لو أني لا أستيقظُ أبداً!
أنامُ على غيمةٍ عابرةٍ
تمرُ فوق جبل قاسيون،
أرخي يديّ كعصفورٍ صارَ زورقاً مبحراً يُجدّفُ بجناحين متعبين في السماءْ..
أحلمُ ببحر وراء الجبلْ..
أذهبُ إليه ، وأهوي فيه مثل جنيّ غواصْ..
كان قاعُ البحر أجملْ.
كان السمكُ ملوناً ويعزفُ على نايْ.
كان هناك ينابيعُ ترسلُ ماءً نقياً لسمكٍ يشربُ ماءً كثيراً ولايشبعْ
كان هناك صيادون غرقوا وظلوا أحياءً..
كانوا يبحثون في القاع عن طريق تأخذهم إلى نساءٍ مُنتظراتْ.
أسرتني حكاياتُ البحرْ.
أسرتني تفاصيلُ عشقٍ بين صيادٍ وامرأةٍ مسحورة صارتْ سمكة!
***
أمسك أبي بيدي.
صاح بي: إحذر!
هذا البحر خدّاعْ..
أعرفُك. ستركضُ إليه.
ستبحثُ عن سمكٍ ملونٍ فيه..
عن طيورٍ اسمُها النوارس..
عن أصدافٍ تضعُها على أذنيك لتسمع صهيلَ الموجْ.
أعرفُك. ستغافلني وتركضُ إليه.
وغافلته. وركضتُ نحو الموج..
كنتُ صغيراً، وركضتُ.. ولازلت أركض!
***
صرتُ عاشقاً..
آه ياحبيبتي..
لو أن تلك الجزيرة لنا..
لو أنها مملكةٌ توجتنا في الحكاية..
لو أنها لؤلؤةٌ على صدركِ..
أعود إليها كل مساءٍ لأتنهدَ متعباً..
لو أن أروادَ لنا!
لو...
***
فجأة!
جاء رجلٌ متجهمَ الوجهْ.
سألني عن اسمي.
شدّدَ عليّ السؤالْ: هل تحبُ البحرَ؟!
هل تحبُ النوارسَ؟
هل تحلمُ بسمكٍ ملونٍ وغيمةٍ عابرةٍ فوق الجبل؟..
هل أنت عاشقٌ؟
وقلتُ له: إيْ.. إيْ.. إيْ..
كان ذلك في أولِ خيطٍ من خيوطِ الفجرْ..
سحبني الرجلُ المتجهمُ من يدي،
ثم وضعني في صدفةْ!
***
لا أعرفُ لِمَ هرمتُ سريعاً..
لِمَ صار السمكُ الملونُ ذئاباً..
لِمَ صارت النوارسُ غرباناً تزعقُ في وجهي.
لِمَ صارت الغيمة غولاً.
وحبةُ المطرِ صارتْ رصاصةً
ونِدَفُ الثلجِ صارتْ قذائفْ!
***
وكانتْ الحربُ!
ليست حرباً كمثلِ الحروبِ..
هنا يقتلكَ أخوكَ فتقسمُ أنْ تقتلَهُ!
تقتُلُهُ فيقسمُ أنْ يقتلكَ..
يصبحُ القتلُ سُبحةً بعدد نبضات الحقدْ.
وتصبحُ الأهازيجُ ولاويلَ.
والأعراس جنازاتْ.
تتحول البيوتُ إلى خرائبَ..
والشجر إلى أشباحْ.
والنومُ فضيحة يوميةْ!
***
كانت الحربُ تأكلُ الأخضرَ واليابسَ
وكان البحرُ شاهداً..
السفنُ الكثيرةُ التي غادرتْ الشطآنْ
المراكبُ الكثيرة التي فصفص الموجُ عظامَها..
الأطفالُ الذينَ هاجروا إلى الغيمْ.
الأرواحُ المبعثرة على شرفاتٍ مهدمةٍ تنتظرُ دفنَ جثثِها..
صورُ الشبابِ على الجدرانْ..
والصبايا الحائراتْ..
الخائفات من السبيّ
كل السنوات السبع التي مرت كان اسمها الحربْ
***
في آخر مرة قفزتُ فيها إلى الموج..
صرت عجوزاً يعرفُ جيداً أن الحياةَ مالحةٌ مثل البحر..
وأن الملوحةَ هي حلاوةُ الروح لحكاياتِ المهاجرين الغرقى..
في آخرِ مرة قفزتُ إلى الموج..
لم يعدْ السمكُ صديقاً لي..
ولا الموجُ دُعابةَ صبيّ أفلتَ من يدِ أبيه..
لمْ تعُدْ الصدفةُ صدى تُسمعني صدى الموج..
وماتت المرأةُ المسحورةُ
وكان أبي، قد أخفى نفسَه في قبرٍ عميقْ!
طرطوس / اللاذقية في 5 آب 2018