يوسف غانم: أدونيس... و بهجت سليمان
بصراحة:
من أكثر الاشخاص الذين أحبهم:
هو الدكتور بهجت سليمان، وشاءت الصدف أني عرفته سفيراً، ومثقفاً كبيراً واسع الاطلاع، وقارئاً من طراز رفيع، ومحاوراً لايلين، منفتحاً على الأفكار والآراء..
(وبعيدا عن العلاقة الروحية والشخصية وهي شأن خاص بي)..
فقد عرفته مقداماً.. حين جبن وتهيب الآخرون..
صارخاً.. حين سكتوا عن الحق..
مؤمناً بعظمة بلده ويراه يعانق الشمس.. في حين كان الآخرون يغوصون في الوحل وينبطحون لدول وأفراد
كان انتماؤه عربياً سورياً لا شبهة فيه..
وكانت الكرامة الوطنية بوصلته..
لم يهادن أحداً في سورية وثوابتها، حتى لو كان من خاصة أهله..
خاض معارك من موقعه، بما يمثل ومن يمثل، مع كل من تجرأ على سورية وقائدها وعلمها وجيشها وموقعها ومكانتها وتاريخها.
كل ذلك عرفته فيه، ورغم ذلك في الحوارات قد نختلف كثيرا، مع اتفاقنا على ثوابت لا شك فيها.
وآخر ما أختلف معه حول أدونيس، بما له وما عليه، وفي خلدي أن موقف الدكتور بهجت من أدونيس هو موقف العاتب، أو هذا ما أريد ان أراه على الاقل..
فأدونيس أحد العلامات الفارقة القليلة في تاريخ سورية المعاصر، مثقف من طراز رفيع ومفكر لايشق له غبار، أحدث فارقاً كبيراً بالوعي، وصاحب مدرسة أدبية خاصة به.
وفي الوقت الذي انزلقت فيه قامات فكرية كبيرة في سورية الى مستنقعات الطائفية، وخدعت بشعارات الثورات أو كانت اكثر انحطاطاً، وكانت مطية عن وعي لمخططات تمزيق الدولة واستباحة الوطن، بل بعضهم ذهب أبعد من ذلك في قاع الوحل وأعلن موقف عمالته جهاراً نهاراً..
بقي أدونيس مخلصا لفكره الذي عرفناه طويلاً، وفند زعم الثورة وانحاز للوطن بطريقته ووفق سياقه الفكري.
ورغم اختلافي مع أدونيس حول كثير من طروحاته السياسية، إلا أني قادر على تفهم الفرق بين المثقف والسياسي..
فالمثقف ينشد ما يجب ان يكون ويبقى مخلصا لحلم طوباوي موجود في وعيه ولا وعيه.
قد آخذ على أدونيس عدم وضوح موقفه وميله الى تغميضه، ولكنه من جهة اخرى بائن من فكرته عن (الثورة) لدرجة طعنه من قبل (مثقفي الثورة) ووصمه بالطائفية ونصير الاستبداد.
صحيح أن أدونيس لم يزر سورية من بداية الحرب الكونية عليها، ولكنه أساساً كان مقلا في زيارتها..
قد نختلف ايضاً على نقاط كثيرة حول الرجل، ولكني لا أعتقد أننا قد نختلف على مكانته الفكرية و الثقافية والتنويرية.
أما أن يأتي شخص موتور ليقارن بدون أي منهجية بين شخصين مختلفين في مجال العمل للطعن في أحدهما, فهذا يرقى الى مرتبة الوضاعة الفكرية (دع عنك الشخصية ونحها جانباً)..
فكيف يستقيم ان تقارن بين تاجر ورسام مثلا او مدرس وسائق تاكسي, أو بين فنان تشكيلي وملمع أحذية
أو بين جنرال وكاتب!
وبرغم وضاعة من يقارن، إلا أنه في بعض المقارنات يمكن ان نقرأها، أنها اعتراف بجهة في مجال لم يكن مجالها..
ورغم جواز عدم مقارنة الجنرال سليمان بالمفكر ادونيس في مجال الأدب والثقافة وأوساطها، لانعدام المنهج او المناهج القائلة بذلك..
إلا أن هذه المقارنة تثبت حتى في عقل صاحبها، أن من يحاول الطعن فيه وهو الجنرال سليمان، قد حاز نصيبا غير قليل في هذا المجال.
وليتخيل (صاحبنا) صاحب فكرة المقارنة أن يتم المقارنة بين الجنرال سليمان والمفكر ادونيس في المجال العسكري مثلا.. فماذا تكون رتبة ادونيس وأعماله العسكرية؟!
في مجال مكافحة التجسس مثلاً.. ماذا تكون إنجازات ادونيس؟!
في مجال مكافحة الإرهاب.. ماهي إنجازات ادونيس؟!
وبرغم قراءتي المتأنية لما كتبه الموتور بوداي (وأنا اكتب الموتور عن تجربة), فلم أجد غير التوهان الفكري والضياع وعدم التوفيق في الطرح الذي هو في حقيقته ليس (طرحاً) بل (طعناً) حاول فيه الوضيع أن يرتقي، محتميا بقامة أدونيس..
وأنا جازم أن أدونيس قد ضحك ضحكته الجميلة لهذا الجهل بالمقارنات القائمة على أسس تحييد العقل!
ورغم أن هناك نقطة وحيدة يمكن أن تتم فيها المقارنة.. فقد عمد بوداي إلى طمسها، وهي أن كلا الرجلين كانا سفيرين..
فقد مثل الجنرال سليمان بلده سفيراً مسمى، ومثله ادونيس سفيراً غير مسمى..
وكلاهما حققا ما لم يحققه مثلهما إلا القلائل من أبناء البلد، برغم مالهما وما عليهما.
وحقيقة، مدهش للعقل ان يستخدم (من يطرح نفسه مثقفاً) لهذا الأسلوب الوضيع من القدح والذم وخداع الجمهور المتابع له، والتلاعب بوعيهم أو إيقاظ غرائزهم وتوجيهها باتجاه معين..
وهذا غش بين واضح, وتلاعب بالوعي، بل هو عبارة عن استثمار القطيع ونظرة دونية للمتابعين من برج عاجي واعتبارهم (ماعات وماعين)..
وهنا الوضاعة في المقارنة، لم تظلم فقط الجنرال سليمان بل وضعت أدونيس في غير موضعه ووضعت متابعي بوداي في مكان لايليق بهم.
دعك من هذا الأ سلوب الرخيص، فهل هذه طريقة مقارنة ولغة مقارنة ومنهج مقارنة يليق (بمفكر) يريد الخير لبلده ويحاول البناء وايقاظ الوعي!.