د. بهجت سليمان: الفساد... و ما أَدْراكَ ما الفساد؟
■ في مثل هذا اليوم من العام الماضي 2017 ■
● نشر الدكتور بهجت سليمان هذه الحلقة ، وكانت بكاملها عن ( الفساد ) ●
( سلسلة خواطر " أبو المجد " )
( الحلقة المئتان والسابعة والستون " 267 " )
[ بقلم : د . بهجت سليمان ]
( صباح الخير يا عاصمة الأمويين.. صباح الخير يا عاصمة الحمدانيين.. صباح الخير يا بلاد الشام.. صباح الخير يا وطني العربي الكبير )
** هذه الحلقة عن " الفساد " فقط **
قال أبو العلاء المعري :
[ وهكذا ، كان أمْرُ الناس ، مُذْ خُلِقُوا
فلا يَظُنَّ جَهَولٌ ، أنّهم فَسَدوا ]
-1-
[ الفساد . . . و ما أَدْراكَ ما الفساد ؟؟ ]
{ ملاحظات سريعة على " الفساد " بين لغة الشعارات .. و لغة " النّقد " الموضوعيّ }
يخرج عليك بين حينٍ وَآخَر ، سمسارٌ من هنا، أو مُسْتحاثّةٌ من هناك، أو مومياء من هنالك ، أو أجيرٌ للرأسمال الطفيلي الكومبرادوري من كُلّ الجهات ، ليضع لسورية خطّةَ عمل .. عليها أن تأخذ بها ، تحت طائلة التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور ، إذا لم تأخذ بإبداعاته ونظرياته !! ..
وقد شهدت فترة العقدين الأخيرين في ( سورية ) هذه الموجة من عرض العضلات في الاقتصاد و السّياسة و التّربية و الإعلام إلى غير ذلك من صنوف حقول الاجتهاد الدّعائيّ الإعلاميّ الذي يطمح أصحابه ، كما رأينا و حدث ، إلى تركيع الدّولة و المجتمع و إلحاقهما بعجلة الاقتصاد الإمبرياليّ العالميّ بواسطة تحطيم الأسس الأوّليّة و القواعد الرّاسخة التي قام عليها اقتصاد سورية المعافى ، بعد عام (1963م) ، حتّى استطاع أن يدخله و يسيطر عليه و يوجّهه أولئك المشعوذون .
وهناك مثال على هذا التّخرّص ، مؤخّراً ، ورد في موقع "داماس بوست" وغيره ، حول منشور بعنوان :
( قصة الفَسَاد في سورية ، من الألف إلى الياء ) !!!
بحيث أنّ "الرّاوي" يعتبر نفسه "خبيراً" في الشّؤون الاقتصاديّة و السّياسيّة طالما أنّه شغل "منصب معاون وزير صناعة" في حكومة سابقة ، ناسياً أنّ الألقاب لا تصنع المهارات و الخبرات و المعلومات و الوسائل و الأدوات ، و إنّما العكس ، حصراً ، هو الصّحيح .
و بدلاً من أن يُفجّر الزّلزال الدولي / الإقليمي/ الأعرابي ، الذي ضرب سوريّة منذ سبع سنوات حتى اليوم ، أفضل استراتيجيّات النّقد و التّفكير الوطنيّ ..
و بدلاً من أن تظهر أفضل العقول التّاريخيّة المسؤولة ، لتنضمّ إلى جهود "القرار السّياسيّ" بضرورات تفاعلاته الصّعبة مع مأساويّة الظّروف الدّمويّة و التّدميريّة و التّخريبيّة المفجعة و الشّاملة التي رافقته، وما زالت ، منذ سبع سنوات إلى اليوم..
فقد أبدى هذا الزّلزال ، على العكس ، جميعَ مساوئ المجتمع السّوريّ و طرائق تفكيره المجزوءة و الكيديّة و الثّأريّة و الأنانيّة المأزومة ، كما أعلنت عن "استراتيجيّاتها" المعزّزة بالتّاريخ ، ، بواسطة قوى كانت جزءاً من مقدّمات هذا الدّمار و ديناميّاتها الدّراماتيكيّة ، كان أنكاها تلك القوى التي كانت شريكة في صناعة القرار الاقتصاديّ و السّياسيّ الوطنيّ في الفترة نفسها التي تصبّ فيها نقدها على الدّولة و النّظام الاقتصاديّ و السّياسيّ ..
و حيث كان هؤلاء الأفراد المشاركون في مقدّمات و قرارات الخراب و التّخريب التّاريخيّة و المتراكمة ، فإنّهم ، اليومَ ، تعلو عقيرتهم بالهجوم البائس على "الدّولة" في سورية منذ تأسيسها الحديث الأوّل عام (1963م) الذي سأصطلح عليه باسم "الجمهوريّة الأولى" للدّولة الوطنيّة السّوريّة ، ليرفعوا عن عاتقهم إسهاماتهم الإفساديّة المعاصرة التي كانت جزءاً من مقدّمات "الحرب" ..
فإذا بهم ينضمّون إلى جوقة تلك النّغمة التعيسة و الهابطة بسويتها وبكلماتها المستهلكة التي تحنّ إلى زمن "الخمسينات" من القرن الماضي ، متعلّلين بعهد ذهبيّ للصّناعة السّوريّة التي قادتها "بورجوازيّة وطنيّة"(!)، التي عمل التّأميم ما بين الأعوام (1959- 1965م) على إجهاضها و افتتاح عصر تراجعيّ أمام الصّناعة و رأس المال ، ما أدخل "الاقتصاد السوري" في "نفق مظلم" بعد "التأميم"، وفق ما يتخرّصون !!!.
ولأنّ وقائع التّاريخ و نتائجه ليست ، في الفكر و الذّاكرة السّياسيّة و الاجتماعيّة و الاقتصاديّة ؛ حكراً على شخص دون آخر ، و لا على جماعة دون أخرى ، و لا على اتّجاه سياسيّ دون آخر، ولأنّه ملكٌ للذّاكرة الجمعيّة لجميع من لديه الذّاكرة..
فإنّه يحسن بنا فحص تلك الفترة المزعومة بِـ "الذّهبيّة" من عصر سورية "الحديثة" ، فحصاً تاريخيّاً منسوباً إلى اتّجاهات تطوّر القوى الاجتماعيّة الاقتصاديّة والسّياسيّة واستلاباتها الدّونيّة مع الواقع و مع القوى الإقليميّة و الدّوليّة ، آنذاك ..
فنتناول "الأمر" من زاوية منهجيّة و أكاديميّة ، مستعرضين الظّروف الوجوديّة للدّولة و المجتمع في (سورية) ، التي لا يُمكن أن تُقرأ ظاهرة "الفساد" من دون تحليلها (الظّروف) ، مرجئين نقاش الأفكار "التّبشيريّة" التي كانت مناسبة لهذا الحديث ..
مع أنّ الحديث في "الفساد" كظاهرة لا يمكن أن يكون صحيحاً خارج الحديث عن "البنية" العامّة للمجتمع و الدّولة ..
وهذا ما نعمل عليه ، تباعاً ، نحن ، في سلسلتنا " سلسلة الفكر الإستراتيجي " ، وذلك في تناول "الظّاهرة" كظاهرة تتّصل بالسّياسة و الإدارة و الاقتصاد و فلسفة السّياسة و فقه الإدارة و علوم الاقتصاد السّياسيّ للتّخلّف ..
وبالتّالي دعونا ندخل إلى الظّروف التي رافقت نشوء الدّولة الوطنيّة في (سورية) أو إلى قبل هذا التّاريخ ، بقليل ، لنعود أخيراً إلى "النّقد" الفكريّ المطلوب في مثل هذه المناسبات .
سندخل إلى "التّاريخ" ثمّ إلى "السّياسة" ثمّ إلى "الاقتصاد" ، و أخيراً سنختم في "الفساد و نقد الظّاهرة" .
أوّلاً - تاريخ :
لم تشهد سورية في عهد الاحتلال العثمانيّ أيّ تطوّر صناعيّ يُذكر مقارنة بأوربّا ، إذ سيطر مناخ القهر الاستعماريّ العثمانيّ الطّويل بما فيه ذلك التّخلّف الحضاريّ التّركيّ ، فلا انضّم العثمانيّون إلى نادي التّقدّم العالميّ و لم يُتيحوا للمجتمعات الخاضعة لاحتلالهم أن تدخل في تطوّر العالم .
و لم تعرف سورية الثّقافة العالميّة الحداثيّة إلّا في بحر دماء مجازر الحرب الأهليّة السّوريّة (الطّائفيّة) عام (1860م) التي عمّت المدن السوريّة ، فانطلقت فيها منذ عام (1861م) نهضة ثقافيّة واعدة
[ كمال ديب . سورية في التّاريخ . ص : 125]
حيث تفاعلت ثقافة "الإرسالات التّبشيريّة" المسيحيّة التي كانت قد بدأت منذ أواخر القرن الثّامن عشر .
عملت (بريطانيا) من أجل صناعة نفوذها أثناء و بعد الحرب العالميّة الأولى على تكريس أسوأ صفات التّخلّف الأنثروبولوجيّ في "المنطقة" في إعادة إحياء القبليّة العربيّة- الإسلاميّة و تعزيز التّعصّب الدّينيّ و الطّائفيّ فجعلت من شيوخ القبائل البدائيين المتعاضدين مع "الوهّابيّة" الإسلاميّة أسياداً في ملوك و أمراء في "الجزيرة العربيّة" و في كافّة أصقاع "الشّرق الأوسط" العربيّ الآسيويّ (منطقة الهلال الخصيب) ..
فسيطرت (بريطانيا) سيطرة كاملة بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى على (العراق) و (شرق الأردنّ) و (فلسطين) ؛ فيما سيطرت (فرنسا) على (سورية) ولبنان في عمليّة الاستعمار التي سمّيت بالانتداب وفق معاهدة (سايكس- بيكو) (1916م) .
وهكذا بدأت سياسة المحاور السّوريّة- العربيّة- الأوربّيّة الالتحاقيّة والتّبعيّة منذ "العهد الفيصليّ" في سورية (1918م) ، و استمرّت حتّى عام (1963م) ؛ و انقسمت "الولاءات" الالتحاقيّة التّبعيّة للسّياسات السّوريّة و اقتصادياتها ، في هذه الفترة ، إلى قسمين رئيسيين متكاملين :
الأوّل : هو في تبعيّة البورجوازيّة السّوريّة الدّينيّة الطّائفيّة الكومبرادوريّة (Comprador) التي أعلنت عن نفسها بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى بالتّبعيّة و الالتحاق النّهائيّ برأس المال الأجنبيّ و البورجوازيّات الإمبرياليّة العالميّة في سياق احتكار السّوق الوطنيّة الصّناعيّة و التّجاريّة تحقيقاً لمصالحها المرتبطة بالاستعمار الاقتصاديّ و السّياسيّ ..
والثّاني : نشوء ما سُمّي بِـ "الكتلة الوطنيّة" عام (1928) التي مارست الاحتكار السّياسيّ للحياة السّياسيّة السّوريّة في ارتباطها المباشر و تعبيرها السّياسيّ عن البورجوازية الكومبرادوريّة السّوريّة ، و ذلك بتعاضد علنيّ و مباشر مع الاستعمار الفرنسيّ ، و آخر "سِرِّيّ" مع الاستعمار البريطانيّ ..
فسيطرت على جميع معالم الواقع الاجتماعيّ السّوريّ ، و أفرزت طلائع التّدين السّياسيّ الطّائفيّ الذي انتهى بتشكيل الحركات الدّينيّة الرّجعيّة بقيادة "حركة الإخوان المسلمين" عام (1942م) في سورية..
بعد أن كانت قد تآمرت على الوحدة الوطنيّة السّوريّة في صفقة "معاهدة 1936م" التي تخلّتْ ، بموجبها ، عن (لواء اسكندرون) السّوريّ لتركيا ، مقابل صعود أعضاء "الكتلة" إلى واجهة "السّلطة" السّياسيّة بممارساتها العنصريّة و الجغرافيّة و المناطقيّة و الطّائفيّة ، و التي امتدّت إلى ما بعد "الاستقلال" .
وعزّز من "قوّة" و غاشميّة ممارسات البورجوازيّة السّوريّة المتمثّلة سياسيّاً بأعضاء "الكتلة الوطنيّة" و "الإخوان المسلمين" ، فيما بعد ، ذلك الدّعم المزدوج الذي تلقتّه من (بريطانيا) و (فرنسا) ، عن طريق ارتباط قسم من أعضاء الكتلة بالسّياسة البريطانيّة بالتّمحور مع رجعيّة (آل سعود) في "المملكة السّعوديّة" النّاشئة حديثاً بالدّعم البريطانيّ و الوهّابيّ ..
وارتباط القسم الثّاني بالرّجعيّة المتمثّلة بِـ "العرش الهاشميّ" في (الأردنّ) و (العراق) ، فتكلّل ذلك "التّواطؤ" التّاريخيّ بتعيين أحد أعضاء "الكتلة الوطنيّة" البورجوازيّة الرّجعيّة و بدعم مباشر من (آل سعود) ، رئيساً للدّولة عام (1943م) و هو (شكري القوّتلي) .
حقّق "الاستقلال"(!) مأثرةً "تاريخيّة"(!) ، بعد "خروج" (فرنسا) .. من (سورية) ، وهي عودة تحكّم تحالف رأس المال السّوريّ ، المرتبط بالأجنبيّ مع "الإخوان المسلمين" ، بالبيئة السّوريّة و إعادتها إلى سابق عهدها ، قبل "الفرنسيين" .. ، بأن حَشَرت الفعّاليّاتُ و العصاباتُ البورجوازيّة الدّينيّة "العلويين" من جديد في صنف "الهراطقة" .. و أعادوا إلى "العلويّ" لقبه التّقليديّ ، "النّصيريّ" .. !!؟ بلى هذه هي "مأثرة" البورجوازية الدّينيّة السّوريّة الوحيدة التي سيُخلّدها التّاريخ ، و ليس أيّة مآثر أخرى ..
و لقد تجسّدت معالم الحياة السّياسيّة الرّجعيّة و العميلة و المأجورة التي تقودها البورجوازية الكومبرادوريّة السّوريّة ، في دستور عام (1950م) الذي جاء كأصدق انعكاس و تعبير عن الحياة الاقتصاديّة و السّياسيّة الرّجعيّة في (سورية) عندما تكرّس بصراحة كدستور انقساميّ و انفصاليّ مكّن الرّجعيين و تمثيلاتهم السّياسيّة و الاقتصاديّة و الدّينيّة من الاستيلاء على الحياة العامّة في سورية .
ثانياً - سياسة :
وَفقَ المؤرّخين ، "كانت أهمّ ظاهرة حزبيّة ظهرت في سورية في القرن العشرين هي ولادة "حزب البعث" ، ما بين عاميّ (1941- 1947م)" [المصدر . ص(190)].
ولكنّ (سورية) كانت أن حوصرت ، بعد "الاستقلال" ، بالأطماع الدّوليّة المختلفة .
استلمت (أميركا) تركة (بريطانيا) في المنطقة ، و بدأت تعزّز مكانة "المملكة السّعوديّة" الموالية ، من جديد، لأميركا التي نقلت النّفط السّعوديّ عبر (سوريا) إلى سواحل "البحر الأبيض المتوسط" .
في الوقت الذي دخل فيه "الاتّحاد السّوفييتيّ" في "حرب باردة" مع "الولايات المتّحدة" ، بعد "الحرب العالميّة الثّانية" ، و افتتح له سفارة في (دمشق) .
لم تتخلّ أيضاً ، (فرنسا) عن نفوذها في "الشّرق" .. ؛ في غضون اتّفاقٍ بين الدّول الغربيّة الاستعماريّة على مواجهة "الاتّحاد السّوفييتيّ" في المنطقة ، فزادت من دعمها لِ(إسرائيل) لزعزعة استقرار الدّول العربيّة و بخاصّة (سورية) ، في الوقت الذي دعمت فيه "الولايات المتّحدة" و (بريطانيا) تحالفاً عربيّاً رجعيّاً مواليّاً للغرب ، بزعامة (السّعوديّة) ، فيما كانت (بريطانيا) تدعم حكم ما سمّي بِـ "الأسرة الهاشميّة" في (العراق) و (الأردنّ) ..
فأصبحت (سورية) بين فكّيّ كماشة و "ساحة مزدوجة للحرب الدّوليّة ، كما لتنافس "العرب" .. ، على زعامة المنطقة" .
و هكذا "دفع ملك الأردنّ ، عبد الله الأول بن الحسين بمشروع "سورية الكبرى" يكون هو ملكاً عليه و يضمّ (فلسطين) و (لبنان) و "شرق الأردنّ" و تكون فيه (سورية) جوهرة التّاج .
"فيما دخل العراق الذي يحكمه الملك (فيصل بن الحسين) ، شقيق (عبد الله) ، بمشروع منافس قدّمه رئيس الحكومة العراقيّة (نوري السّعيد) ، و هو مشروع "الهلال الخصيب" بقيادة (العراق) ، و يضمّ "سورية الكبرى" و (العراق) .
"و عارض الملك فاروق هذه المشاريع "الهاشميّة" و رأى أنّ زعامة "العرب" ، تقليديّاً ، هي لمصر منذ أيّام جدّه (محمد علي) .
"فيما احتجّت (السّعوديّة) على كلّ ذلك ، لأنّه لا يتناسب مع زعامتها "الطّبيعيّة" للعرب و مركزيّة المقدّسات الإسلاميّة في (مكّة) و (المدينة) " .
[ المصدر السابق. ص(202)] .
في تلك الأثناء تدخّلت (بريطانيا) فدعمت مشروع "جامعة الدّول العربيّة" المقدّم من (مصر) (1945م) ، لتحقيق هدفين تفريقيين في وقت واحد : أن يستمرّ "العرب" الموالون لها في منافساتهم لإضعافهم أكثر ؛ و تمثيل كلّ الدّول العربيّة في "الجامعة" كعامل انقسام و تشتيت من حيث أنّ قرارات "الجامعة العربيّة" ليست مُلزِمة لأيّ عضو فيها من الدّول العربيّة .
على الصّعيد الدّاخليّ السّوريّ ، دخلت (سورية) في نفق "الانقلابات" ، فتعرّضت بين عامي (1949- و 1970م) لعشرين انقلاباً و محاولة انقلاب .
فكان انقلاب (حسني الزّعيم) في آذار/ مارس (1949م) بدعم من "الولايات المتّحدة" ..
ثمّ انقلاب (سامي الحنّاوي) في آب/ أغسطس (1949) بدعم من حكومة (العراق)..
ثمّ انقلاب (أديب الشيشكلي) الأوّل ، في كانون الأوّل/ ديسمبر (1949م) ضدّ توقيع معاهدة "استراتيجيّة" بين (سورية) و (العراق) ، و أعاد (سورية) إلى المحور السّعوديّ- المصريّ ..
ثمّ انقلاب (الشّيشكلي) الثّاني مع صديقه العقيد (فوزي السّلو) ، في خريف (1951م) ، بدعم من (السّعوديّة) ، و أطاح بحكومة (معروف الدّواليبي) زعيم "حزب الشّعب" ، و رئيس الجمهوريّة (هاشم الأتاسيّ) ..
ثمّ قام انقلاب (مصطفى حمدون) العضو في حزب (أكرم الحورانيّ) ، بالاشتراك مع رئيس أركان الجيش (شوكت شقير) ، ضدّ (أديب الشّيشكلي) .
في الفترة ما بين (1946 و 1957م) عاشت (سورية) مرحلة سمّيت مرحلة "الصّراع على سورية" ، باتت فيها (سورية) فريسة لدّول الجوار كم فريسة للدّول الكبرى .
عاد (شكري القوتلي) عام (1955م) بدعم من (السّعوديّة) و (مصر) رئيساً لسورية ضدّ منافسه (خالد العظم) ، بضخّ الأموال السّعوديّة و شراء أصوات أعضاء "حزب الشّعب" الذين كانوا وراء ترشيح (العظم) ، ليعودوا عن ذلك و يصوّتوا للقوتلي .. ، و كان هذا الصّعود للقوّتلي مؤشّراً لصعود النّفوذ المصريّ- السّعوديّ في (سورية) .
دخلت (سورية) في ما بعد في صراع الأحلاف و المشاريع ، فكان "مشروع آيزنهور" (1957م) في مواجهة المدّ "السّوفييتيّ" ذريعة ليُلحق (سورية) بالسّياسات الغربيّة ، فرفضت (سورية) الدّخول فيه ..
و فيما بدأت (السّعوديّة) تصبح الدّاعم "العربيّ" الأكبر لمشروع ( آيزنهاور ) و للسّياسة الأميركيّة في المنطقة ، استجاب الرّئيس (شكري القوتلي) ، منتخب "آل سعود" في سورية ، إلى الضّغط السّعودي لعزل ضباط سوريين اتّهمتهم "السّعوديّة" بأنّهم يسهّلون المدّ الشّيوعيّ في (سورية) و المنطقة ..
و كانت "الوحدة" ، أخيراً ، بين (سورية) و (مصر) في عام (1958م) ؛
ثمّ "الانفصال" عام (1961م) ..
إلى أن كانت ثورة (8) آذار / مارس عام (1963م) بقيادة "حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ" التي كانت أوّل ولادة تأسيسيّة للجمهوريّة العربيّة السّوريّة المستقلّة سياسيّاً عن التّجاذبات والصّراعات والأحلاف وعن الوصايات العربيّة و الدّوليّة.
ثالثاً - اقتصاد :
في ظلّ هذه الظّروف التّاريخيّة و السّياسيّة المتناقضة و المتسارعة بتواترها الفوضويّ ، لم يكن لحركة رأسماليّة اقتصاديّة أن تنتعشَ انتعاشَ البورجوازيّات الغربيّة التّقليديّة ، لا سيّما أن البورجوازيّة السّورية ، قد نشأت أساساً نشأة كولونياليّة "كومبرادوريّة" في كنف البورجوازيّات الغربيّة و رأس المال الماليّ العابر للقارّات و الدّول .
نظّر الكثير من الاقتصاديين في هذا الأمر ، و كان رأس المال السّوريّ في اعتباراتهم رأسمالاً تابعاً و طرفيّاً مربوطاً إلى عنقه بدول "الميتروبول" الرّأسماليّة المركزيّة الغربيّة .
و في إطار صفات الرّأسماليّة الرّيعيّة الماليّة الإمبرياليّة ، كان من الطّبيعيّ أن تشكّل البورجوازيّة السّوريّة الرّيعيّة الكومبرادوريّة اسوأ أشكال البورجوازيات العالميّة في أسلوب إنتاجها و إدارتها "الرّيعيّة" ( الرّبويّة ) لرأس المال في الإنتاج الصّناعيّ كما في غيره من حقول الإنتاج .
من صفات رأس المال "الرّيعيّ" ( الرّبويّ ) أنّه رأس مال جشع و غير منتمٍ و لا وطنيّ ، في بلدان "الأطراف" الكولونياليّة الكومبرادوريّة ، لارتباطه الرّوحيّ و الجَسَديّ و الدّوريّ "الآمن" برأس مال دول "الميتروبول" .
مارس رأس المال "الصّناعيّ" السّوريّ ، تاريخيّاً ، صناعات تحويليّة و هامشيّة و استهلاكيّة ، نظراً لقصر فترة ما يُسمّى بالاقتصاد السّياسيّ "فترة الرّواج" ( دورة رأس المال من التوظيف الأوّليّ إلى الرّبح ، المعبّر عنها بالمعادلة المعروفة : ن - ب - ن ) ، و لم يكن قادراً على الانتماء إلى المكوّن الاقتصاديّ الوطنيّ على غرار رأس المال الغربيّ الصّناعيّ .
هكذا ابتعدت البورجوازيّة السّوريّة في التّكوين عن الانتماء ، و لكنّها كانت في الاستثمار السّريع لأموالها ، بعيداً عن الإنتاج الصّناعيّ و إنتاج وسائل الإنتاج ، مخيفة في امتصاص دماء المواطنين .
فمن واقع كونها بورجوازيّة كومبرادوريّة برأس مال "ريعيّ" ، فإنّ ممارساتها الاستثماريّة دائماً كانت تأخذ طابع الاستثمار "الرّبويّ" الذي يعتمد على توظيف الأقلّ لكسب الأكثر .
و من أجل تحقيق هذه "المعادلة" تحقيقاً في الحدّ الخيَاليّ الأقصى للجور و النّهب الدّمويّ للمواطن ، كان رأس المال الصّناعيّ السّوريّ ، و ما زال إلى هذه الّلحظة.. يبني على عدم توفّر "السّلعة" في الأسواق، والقيود الموضوعة على "الاستيراد"..
ليوظّف في إنتاج البضاعة (السّلعة) أقلّ رأس المال ، ليُنتج أردأ أصناف المنتجات العالميّة ، و ليعرضها للبيع في السّوق المحلّيّة الوطنيّة بأعلى الأسعار ، مدعوماً من قبل سياسات تسعيريّة عدوّة للمجتمع في سبيل مصالحها المربوطة مع مصالح رأس المال الرّبويّ ، و لتُفرض تلك السّلع غير الصّالحة للاستعمال الإنسانيّ .. ، على المواطن ، بأعلى الأسعار البيعيّة ، ليشتريها المواطن على رغم أنفه ، على اعتبارها الوحيدة في الأسواق .
من هنا بدأت أخلاقيّات اللا انتماء في "العمل" ؛ و قد بدأت في العمل الخاصّ و انتقلت إلى العمل العموميّ لتشكّل نموذجاً تاريخيّاً محلّيّاً خاصّاً ، لا يتشابه مع أيّ نموذج في دول العالم .
هنا يجب ، أيضاً ، أن نضيف إلى ما تقدّم تلك القطيعة السّياسيّة التي صنعتها البورجوازيّة السّوريّة منذ عام (1963م) مع "دولة البعث" على اعتبارها دولة "اشتراكيّة" تتناقض برامجها الاجتماعيّة و الاقتصاديّة مع برامح البورجوازيّة الكومبرادوريّة السّوريّة ، مع طموح هذه الأخيرة إلى سوق اقتصاديّة مفتوحة تفترض فيها أنّها قادرة على تحقيق الأرباح البالغة ألفاً بالمئة ، بدلاً من خمسمئة بالمئة المحقَّق .. في الحدّ الأدنى المعروف عند الجميع ..
رابعاً - في الفساد و نقد الظّاهرة :
نقع في مكابرة مجانيّة بل و مدمّرة إذا أنكرنا واقع الفساد في (سورية) .
و لكنّ هذا الواقع لا يُروى في حديث من أحاديث "المقاهي" كما يفعل البعض حتّى اليوم ، مسوّقين لشخوصهم على أنّهم قادرون على "إدخال القيل في ثقب إبرة" .. !
إنّ من أهمّ ما أدّى بنا إلى هذا الواقع الاقتصادي السّوريّ المُزري ، في مختلف الحقول و المجالات و الفضاءات ، إنّما هو يعود بكثير منه إلى هذا التّذاكي و التّناطح مع الجدران غير المرئيّة في ازدحام الظّلام .
لا يُميّز الكثيرون ، مع صاحب الحديث المنوه به في مقدّمة هذا البحث ، أنّ تحديد مشكلة "الفسَاد" (أو الإفساد) يجب أن يبدأ بعزلها عن تداخلاتها المعقّدة و الغامضة ، و حصرها في زمرة مع "الأسباب" أو "النّتائج" أو في علاقتهما الجدليّة ، و لكن مع الأسبقيّة النّوعيّة لواحدة منهما دون الأخرى .
فإذا كانت قد نشأت ظاهرة الفساد في (سورية) بعد "حرب تشرين" - كما يقول- جرّاء الطّفرة الاقتصاديّة التي شهدتها (سورية) بعد "الحرب" ، حيث التّوظيفات الكبيرة التي شهدها الاقتصاد السّوريّ ، و الإنفاق الاستثماريّ الضّخم لمشاريع "القطاع العامّ" .. ، إلخ ..
فالمقصود بالحديث هو "القطاع العامّ" ، حصراً ، كبنيةٍ أساسيّة لظهور "الفساد" كظاهرة اقتصاديّة- اجتماعيّة ، مع ما رافقها و تلاها من "إجراءات و ردود أفعال كرّست الخطأ .." !
ولكنّ "الخبير" ، هنا ، يخلط "الظّرف الموضوعيّ" كحالة من حالات الضّرورات البنائيّة الحديثة التي أعقبت "حرب تشرين" ، مع "الإنفاق الاستثماريّ" الكبير في مشاريع "القطاع العامّ" ( الظّرف الذّاتيّ للعمل ) هذا الذي هو ضرورة اجتماعيّة و سياسيّة ، سواء من حيث هو وسيلة إداريّة و إنتاجيّة حصريّة للدّولة ، أو من حيث هو "غاية" اقتصاديّة و اجتماعيّة و سياسيّة للدّولة الحامية ، التي ينبغي عليها أن تجد فرص العمل لجميع مواطنيها القادرين .
يُجمع جميع الاقتصاديين المحلّيين و العالميين على أنّ ظهور اقتصاد وطنيّ حرّ و مستقلّ و متطوّر و مُعافى ، هو أمر ممنوع على الدّول الوطنيّة الصّاعدة في ركب التّحرّر و ترسيخ قاعدة الدّولة الحديثة .
هذا جزء أساسيٌّ و حيويّ من بنية النّظام الإمبرياليّ العالميّ ، و هو الشّرك الّلازم و الأكيد و المُسَوِّغ لذلك النّظام العالميّ .
لعلّ هؤلاء " الخبراء " الثّقافيين و الاقتصاديين و السّياسيين يصمتون ، إذاً ، على ما تبقّى لديهم من استراتيجيّات انتهازيّة مُطوَّرة و محدَّثة يرمون من ورائها إلى العودة من جديد إلى آليّات و مفاصل صناعة القرار الوطنيّ العموميّ ، و بخاصّة مع سيلان لعابهم ، و هم ينظرون إلى عهد إعادة الإعمار الشّامل اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و سياسيّاً ، لكيّ يكونوا شركاء " مؤامرة "جديدة فيه تحضّر، كرّة ثانيّة ، لحرب قادمة ..
و بخاصّة إذا كانوا لا يُجيدون اتّخاذ مواقع "الموضوعيّة" في النّقد .
إنّ "الفساد الإداريّ" هو الذي كان وراء انتشار الظّاهرة العامّة للفساد ، و لهذا أسبابٌ كثيرة ، و ليس سببها "النّظام الهرميّ" للدّولة ، إذ ما من دولة في العالم إلّا و لها هذا النّظام الهرميّ في السّياسة و الإدارة و مختلف الشّؤون العامّة .
إن تفاعل التّاريخيّ و السّياسيّ و الاجتماعيّ و الاقتصاديّ ، كما فصّلنا أعلاه ، بالإضافة إلى الأوضاع المعيشيّة العامّة و عدم كفايات التّوزيع و إعادة التّوزيع الاقتصاديّة و الماليّة ، كلّ ذلك اجتمع في (سورية) ليؤدّي دوراً واحداً ، لا بدّ منه ، و هو الذي نتحدّث عليه باسم "الفساد" ..
و كان الأَوْلى بالخبير إيّاه أن يأخذ هذا أوّلاً بالاعتبار بدلاً من ان يتّهم وجوديّة الدّولة بذاتها على أنّها المسؤولة عن "الفساد" ، و كأنّ غياب الدّولة عن واجباتها و مهمّاتها كان أفضلَ و كان يمنع انتشار "الفساد" .
تشير الوقائع التي أتينا عليها أعلاه إلى أنّ (سورية) الحديثة ، في جمهوريّتها الأولى (كما قلنا) بعد عام (1963م) ، كانت أمام عشرات التّحدّيات ، و كان كلّ تحدٍّ منها كافياً لجعلها امام اختبارات وجوديّة لا مناص منها و لا حلول لها إلّا وفق السّياسات التي اتّبعتها ..
و بخاصّة سياسة الإنفاق العسكريّ الشّارط لوجود الدّولة و المجتمع و الوطن ، و كذلك صيغة "القطاع العامّ" الاجتماعيّة و السّياسيّة في مجتمع فقير و متخلّف ، مع نقص الكفايات التّوزيعيّة في عوائد "التّنمية" و "النّمو" ..
و هذا ما يعتبره "الخبير" المذكور و أضرابه شيئاً من قبيل الاختيار العبثيّ مع أنّه ، في ظروفه ، كان يُمثل أفضل الحلول المتاحة لدولة مواجهة و محاصرة عربيّاً و دوليّاً و داخليّاً أيضاً .
إنّ مجانبة العدالة ، في كثير من الأحيان ، لا تعني فقط القصد و الإساءة المتعمّدة ، لأنّها ، أيضاً ، تعكس غباوات أصحابها و ضيق أفقهم و محدوديّة وسائل المعالجة الفكريّة و أدوات التّفكير النّقديّ الواقعيّ السّليم .
أمام التّحدّيات الوجوديّة الحالّة في (سورية) منذ "الاستقلال" و حتّى اليوم ، و بخاصّة مع عهد "الجمهوريّة الأولى" عام (1963م) ؛ مرّت (سورية) بامتحانات لم تنتهِ ، و هي شاهدة ، اليوم ، حيث كان لها أثر "التّأسيس" إن لم نقل بالمشاركة في التّأسيس .
غير أنّ جميع ما قلناه لا يعفينا من واجباتنا في النّظر إلى الواقع نظرة نقديّة ..
و نحن نقوم بهذا بلا أدنى تزييف ، في سلسلتنا الاستراتيجيّة ، هذه ، المقروءة من قبل طيفٍ واسعٍ من القرّاء و نخبتهم ، و لكنْ التي نعرض فيها لأحدث الأفكار العالميّة في السّياسة و فلسفة السّياسة و فقه الإدارة و القانون و القانون الدّستوريّ و الاقتصاد السّياسيّ للتّخلّف الذي لا يُشبه أيّ اقتصاد عالميّ ، يصفه للدّولة أولئك المقولَبون معرفيّاً ، و لو كانوا قد بلعوا مناهجهم تخصّصاً دون أن يتطوّر فيهم الجانب المعرفيّ الاستراتيجيّ ، و الذي من أهمّ صفاته الموسوعيّة و الموضوعيّة ..
و الذي هو اقتصاد سياسيّ معرفيّ و إبداعيّ يرافقه مجمل علوم في الإدارة و السّياسة و الأنثروبولوجيا و التّربية و الفلسفة و الفنّ و الجمال .
إنّ بناء (سورية) الحديثة لا يتمّ و لن يتمَّ بدون استقطاب جميع المهمّشين من "الخبراء" الحقيقيين في إدارة الدّولة و "المشروع"، ولا يكفي لذلك الّلقاءات الإعلاميّة والضّجيج بالشّعارات المحفوظة في نقد مسوخ المعارضة التّقليديين منهم والمعاصرين.. وكذلك في أوساط بعض المزايدين داخل منظومة السلطة...
و إنّما المعارضة الحقيقيّة للفساد و الظّواهر المرضيّة التي ابتلي بها "الوطن" هي في تكديس المزيد من المعرفة الموسوعيّة في إدارة "السّيادة" و "إدارة" الحكومات ، و القانون ، و تصريف السّياسات المختلفة ، الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و التّربويّة و الإعلاميّة ، في فقه علوم الدّولة التّاريخيّ و المعاصر و المبتكر أيضاً و هذا هو الأهمّ .
من الأفضل ، أخيراً ، أن ننصحَ من يرغب في تسويق مهاراته المؤسّسيّة ، أن يُلمّ ، أوّلاً ، بمضمون مصطلحات بديهيّة من مثل "ذاتيّ" و "موضوعيّ" و إكراهيّ و قهريّ ، و ضروريّ ، و ما لا بدّ منه ، و مركزيّ و "أطراف" و استعمار.. و أيضاً "إسرائيل".. (!؟)
و كذلك أن يُلمَّ بكيفيّات التّعامل الإدراكيّ مع هذه المصطلحات المطابقة لأشياء و حقائق في الواقع اليوميّ المعروض لدولة مثل "سورية" ، و ليست دولة تقع في جنوبي "جزر القمر" .. في المحيط ... !!؟.
-2-
( مع كل الاحترام للصديق الذي علّق على منشورنا عن ( الفساد.. وما أدراك ما الفساد ؟! )
فلا بُدّ من تفنيد الهفوات الذي وقع فيها هنا ، حول منشورنا المذكور :
1 - مراجعة الوثائق والوقائع التاريخية السورية تؤكد بما لا يتطرق إليه الشك بأن " شكري القوتلي " كان تابعا سعوديا .
2 - أشهر من قاد مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي هم : سلطان باشا الأطرش- و الشيخ صالح العلي - وإبراهيم هنانو - بشكل أساسي ، وهؤلاء الثلاثة ليسوا من طبقة " البورجوازية " بل كانوا فلاحين .
3 - وأما الوحدة السورية مع مصر عبد الناصر ، ف فعلا أنها تمت في عهد " شكري القوتلي " ..
ولكن القوتلي لم يكن له أي دور في قيامها ، بل لم يسمع القوتلي بوفد الضباط السوريين الذين زاروا القاهرة للاتفاق على الوحدة مع عبد الناصر ، إلا بعد أن جرى الاتفاق عليها في القاهرة ..
ووجد القوتلي أن موافقته عليها باتت تحصيل حاصل ، فوافق ..
والدليل أنه لم يكن مع الوحدة ، هو أنه كان أول المؤيدين للانفصال في ٢٨ أيلول 1961 ، وأرسل من مكان وجوده خارج سورية برقية تأييد للانفصال .
4 - نعم اختلف عبد الناصر مع البعث واختلفوا معه ، ولكن أهداف البعث وعبد الناصر متشابهة .
وأستطيع أن أؤكد للصديق بأنني شخصياً، منذ عام ١٩٧٠ حتى اليوم ، تعلمت في مدرسة البعث بأن جمال عبدالناصر قائد تاريخي ، وكان أول معلم لنا بذلك هو القائد الخالد حافظ الأسد.
ولا أرى ملامح حقد بعثي !!! " تطل برأسها " في هذا المقال، كما يقول..
وأنصحه بقراءة كتابي ( عظماء القرن العشرين ) الذي قلت فيه بأن جمال عبدالناصر أعظم الزعماء في تاريخ العرب .
5 - وأما حديثه عن دور (البورجوازية الوطنية السورية) في قيادة الحركة الوطنية..
فالوقائع والحقائق والوثائق التاريخية الدامغة ، تؤكد أن بعض أبناء تلك " البورجوازية " ممن كانوا في السلطة ، هم الذين فرطوا بلواء إسكندريون ، وهم الذين تواطؤوا ضد فلسطين ، وهم الذين ربطوا الشرايين والأوردة السورية بالخارج الأوربي والسعودي والعراقي والأردني ، بعد الاستقلال عام 1946 .
---------------------
* تعليق الصديق المذكور :
أنا أتفق مع الكاتب في مهاجمته للذين يطالبون بهدم النظام نفسه في إطار محاربتهم للفساد . وأنا معه في ان وراء مطالبتهم ، نية سيئة تخفي وراءها محاولتهم اعادة النظام الرأسمالي والغاء المكاسب الاشتراكية التي حققها الشعب عبر نضاله الطويل.
ولكنني أختلف معه تماما في توصيفه لمرحلة البرجوازية الوطنية التي كانت تحكم سوريا قبل الوحدة مع مصر مباشرة . تلك البرجوازية التي كان على رأس هرمها السياسي شكري القوتلي.
إن إتهام الكاتب لشكري القوتلي بأنه كان صنيعة ودمية في يد السعودية هو مجافاة للحقيقة والواقع فشكري القوتلي والبرجوازية الوطني هما اللذان قادا مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي وحققا الاستقلال قبل ان يظهر حزب البعث الى الوجود ، ولا ننسي ان الوحدة مع سوريا تمت في عهد شكري القوتلي الذي تنازل عن السلطة بكل صدر رحب في سبيل تحقيق حلم الجماهير في الوحدة. هذا الموقف من شكري القوتلي قابله عبدالناصر بالامتنان الشديد وعبر عن ذلك عملياً بمنحه لقب المواطن الاول في الجمهورية العربية المتحدة الوليدة.
لست خبيرا اقتصادياً ولكنني اعرف ان مرحلة البرجوازية الوطنية هي مرحلة ضرورية للشعوب في طريق تحقيقها لحلم الاشتراكية.
ولعل من ضمن الاسباب التي ادت الى فشل المشروع الاشتراكي في كثير من البلدان العربية هو عدم وجود طبقة بورجوازية وطنية ..
وليس صحيحاً ان البورجوازية الوطنية كانت صنيعة للاستعمار ومرتبطة به. إنها هي التي قادت الحركة الوطنية ضد الاستعمار وحققت الاستقلال.
صحيح ان سياستها الاقتصادية مخالفة للنظام الاشتراكي لكن هذا لا يعني انها كانت عميلة للاستعمار ومرتبطة به.
إن خلاف البعثيين مع عبدالناصر يُلقي بظلاله على هذا التحليل غير الموضوعي بالنسبة للبورجوازية الوطنية التي حققت الاستقلال والوحدة.
إن حقد البعثيين العلني على عبدالناصر قد زال ، لأن عبدالناصر لم يعد موجوداً . ولكن هذا الحقد لا يزال قابعاً في منطقة "اللاشعور" عند البعثيين وهو يُطل برأسه بين الحين والآخر في مناسبات كثيرة ... كهذا المقال.
- 3 -
( هل مؤسسات الدولة " غير جادّة " في محاربة الفساد ؟! )
1 - سُئِلْتُ مئاتِ المرّات من مئات الأصدقاء عن تفسيري لعدم ارتقاء الجهات المعنية ، الحكومية والقضائية والرقابية والأمنية والإدارية ، إلى المستوى الكفيل بالحدّ من استشراء الفساد ، الذي كان منتشراً قبل الحرب عام 2011 ، وتضاعَفَ مَرّاتٍ عديدةً خلال السنوات الستّ الماضية ..
2 - وكَتَبْتُ مرَّاتٍ عديدةً خلال السنوات الماضية عن ظاهرة " الفساد " وعن ضرورة تطويقها ما أمكن وتعريتها وحصرها في أضيق الزوايا الممكنة..
3 - ولكن يبدو أنّ أجوبتي لم تَرْوِ غليلَ القُرّاء ، واعْتَبَروا أن " الدولة " بمختلف أجهزتها ، تقف موقفاً رخواً في مواجهة الفساد ، إنْ لم يكن موقفاً متعامياً عما يجري ، بعد أن باتت مواقفها غير كافية ، بالحد الأدنى ، لمواجهة تلك الظاهرة السرطانية ، لألف سبب وسبب ..
4 - وكان أكثرَ ما آلمني هو ما قاله بعض الأصدقاء :
* هل الدولة غير جادّة في مكافحة الفساد ؟
* أم أنها عاجزة عن مكافحة الفساد ؟
* أم أنها تظن أنها قامت وتقوم بواجبها تجاه مكافحة الفساد وتجاه وضع حد للتجاوزات التي تقوم بإسم الدولة ، أو من وراء ظهر الدولة ؟
* وهل نسيت الدولة أنّ " اللَّي بْياكُلْ العِصِي ، مُو متْل اللّي بِيعدُّنْ ؟ " .
5 - وأقول لهؤلاء الأصدقاء وغيرهم ، بأن هناك وُجْهَتَيْ نَظَر في المسألة :
* وجهة النظر الأولى : ترى ضرورة تركيز جميع الجهود والطاقات لمواجهة الإرهاب والإرهابيين ، لأنهم خطرٌ وجوديٌ على الوطن . .
ولذلك يقتضي الواجبُ الوطني عدمَ تشتيت الجهود والطاقات في أيّ اتجاه آخر..
وأنّ الأمر يستدعي تعبئة كل ما هو قائم وممكن ، لمواجهة الإرهاب ..
وأنّ المعركةَ الكبرى مع الفساد قادمة ، بعد انتهاء الحرب مع الإرهاب وعليه.. و
* وجهة النظر الثانية : ترى بأنّ الإرهاب والفساد صِنْوانِ توأمان ، وأنّ ما يزرعه الإرهاب والإرهابيون ، يحصده الفساد والفاسدون ، لوجود تواطؤ وتخادم مشترك بينهما..
وأنّ عدم مواجهة الفساد بشكل حازم وحاسم وصارم ، خلال السنوات الماضية ، أفسح المجال له للتحول إلى أخطبوط يمسك برقاب الملايين من المواطنين السوريين الشرفاء الذين تشبثوا بأرضهم واصْطَفّوا حول قيادتهم الأسديّة ..
وكانت النتيجة أنّ عدة مئات من مُدَّعِي الوطنية ، ممن يتزايدون شهراً بعد شهر ، قد تحولوا إلى عَلَقاتٍ تَمُصُّ دمَ المواطن وإلى كرابيج تجلد ظهره ، وهم معروفون للغادي والبادي ولا زالوا يسيدون ويميدون ، بل و يزدادون سفهاً وغطرسةً وحَيْوَنَةً ، باختلاق ذرائع وحجج تدّعي الوطنية والحفاظ على الوطن وأمنه ..
6 - و قد بلغ السَّيْلُ الزُّبَى ، في الفترة الأخيرة .. وباتت البيانات الحكومية والقضائية والرقابية ، عن مكافحة الفساد ، لا تعني للمواطن سوى محاولة تلك الجهات الرسمية تبرير تقصيرها والتمويه على الفساد القائم ، بأشكال متعددة ، لم تبدأ ب " التعفيش " و لم تنته ب " الترفيق " ، مضافاً إلى أزمة المواطنين الخانقة في القدرة على تأمين لقمة العيش والكهرباء والمازوت والغاز و مواجهة سلسلة الأمراض المتلاحقة ..
7 - إنّ ملايين المواطنين لا يطلبون من حكومتهم القيام بالمعجزات ، بل يريدون منها القيام بواجبها تجاههم ، وبما هو متاح للدولة القيام به ، ولكنها لا تقوم به .
وأقلّ الواجب هو ضرورة و ضع ضوابط وروادع ونواظم ، يجري العمل بموجبها ، من الحكومة وباقي مؤسسات الدولة ، تجاه المواطن ، ومن المواطن تجاه الحكومة وباقي مؤسسات الدولة ، وأن يشعر المواطن ويلمس مدى اهتمام الدولة بلقمة عيشه وبظروفه الحياتية الصعبة ، على أرض الواقع وليس على المنابر ولا في وسائل الإعلام ..
بعد أن تَرَاكَمَ مسلسلُ الأزمات المعيشية التي وصلت إلى درجة بات فيها المواطن ، يناشد الدولة أن تضع جميع مؤسساتها أمام مسؤولياتها تجاه الشعب السوري ، تماماً كما كان الجيش أمام مسؤولياته في مواجهة الإرهاب .
8 - فهل ترتقي حكومتنا ومؤسساتنا وأجهزتنا ، إلى مستوى تضحيات الجيش العربي السوري ؛ أم أنها عاجزة عن ذلك ؟.
-4-
( آفَةُ الفَساد ، وبِدايةُ العلاج النّاجع لهذه الآفة )
1 - مع أنّ الفسادَ والإرهابَ ، وَجْهانِ لِعُمْلة واحدة .. وهما كالطّاعون والسّرطان ، ينهشان الوطنَ ، جماعاتٍ وأفْرادا..
2 - و مع ذلك ، فمعظم المقاربات التي تتناول هدا الموضوع، وتتنطّح لِمُعالَجَتِه.. لا تخرج عن دائرة التذمّر من وجود هذا السرطان المنتشر ، هذا في حال كان المعنيّون بمواجهة الفساد ، صادِقي النّيّة وسَلِيمِي الطَّوِيّة ..
3 - وأمّا في حال سوء النّية ، فرُموزُ الفساد الأكثر سواداً وشُركاؤهم وأتْباعُهُم وأزْلامُهُم ومُرْتَزِقَتُهُم وصِبـيانُهُم، يرفعون عقيرَتهم عالياً، مُطالبِينَ بِـ " وَضْعِ حَدٍ للفساد !!! " ..
وغايتهم من ذلك هي :
* صَرْفُ النّظر عن فسادهم المتسرطن .
* وخَلْط الحابل بالنّابل .
* وأخْذ الصّالح بِجَريرة الطّالح ، بل :
* وإنقاذ الطّالح وإغـراق الصّالح .
* وتعميم تهمة الفساد على الجميع .
* وإعلان العجز عن حلّ هذه المُعْضِلة ، والقول " فالِجْ لا تعالج " مُتَجاهِلِين أنَّ " التّعميم لغةُ الحَمْقى ". .
* وُصولاً إلى تبرئة الفاسدين الحقيقيين ، بل واسْتِمْرارُهُم بِقُوّة في نَهـبِ مُقَدّرات الوطن والمواطنين ، دونَ حَسيبٍ ولا رَقيب..
4 - والبداية السليمة والحصيفة ، تبدأ من التّمييز بين :
* القيادة السياسية والعسكرية التي يقف على رأسها الرّئيس " بشّار الأسد " ، والتي تخوض معركةَ الوجود والمصير والشرف والكرامة ، والمنهمكة ليلاً نهاراً بتأمين المُسْتَلْزَمات الكفيلة بتحقيق النّصر في هذه الحرب ..
* وبين السلطة الحكومية والإدارية التنفيذية ، المعنيّة والمسؤولة عن الحياة اليومية والمعيشية لِأبناء الشعب السوري ..
5 - ومع ذلك ، فَمَنْ يعتقد بِأنّ الحكومة وحدها ، هي المسؤولة عن معالجة آفة الفساد ، يكون شريكاً في تكريس وترسيخ الفساد ..
6 - والخطوة الذهبية لِكُلّ مواطن حريص على وطنه وعلى تنقيته من شوائبِ الفساد ، هي أنْ يبدأ بِنَفْسِهِ أوّلاً ، وأنْ يلتزم بالقانون والنظام ، وأنْ لا يُخالِفَهُما ، ثم يَخْرج على النّاس صارِخاً : " ياللهول ، الفسادُ الْتَهَم المجتمع !!! " ..
7 - وأمّا التَّذَرُّع بِأنَّ " الالتزام بالقانون والنظام، يُضَيّع الحَقَّ على صاحِبِ الحَقّ " كما يقول بعضهم.. فَمِثْلُ هذا النّمط من الكلام ، هو حلقة مسمومة من حلقات الفساد ..
وعلى كُلٍ مِنّا ، أنْ يقوم بواجبه، قَبْلَ أنْ يُطالِبَ بِحَقّه أو بما يراه أنّه حَقُّه . .
8 - و على مَنْ يَرَوْنَ في أنْفُسِهِم الكفاءة والأهليّة والصّدقية والقدرة على كشف وفضح غِيلان الفساد، أنْ يُعجموا عِيدانَهُم ويُجَمِّعوا مُعْطياتِهم السليمة والموضوعية عن الارتكابات والتجاوزات والتطاول والابتزاز .
9 - والحقّ أقوله كما قلته ماضِياً، وكما سأقوله دائماً، بِأنّ لدينا في سوريّة :
* شعباً حياً عريقاً ،
* وقيادةً تاريخية استثنائيّة ..
* و لكنّنا نفتقر إلى وجود النخبة الوطنية الرفيعة التي ترتقي بنفسها إلى مستوى التحدّيات المصيرية التي يواجهها الوطن ..
10 - لقد التحقَ الآلافُ من " النُّخَبِ " السورية بِأعداء الوطن ، وتوارَى الآلاف ، ونَأى بنفسه الآلاف ، واخْتَبَأَ وراء الرابية آلاف .
11 - والوطن الآن بحاجة لنخبة تخرج من صميم الشعب :
* تحمل رايةَ الأخلاق في مواجهة " منظومة الفساد " الأخطبوطية المتخادمة ..
* وأنْ لا تخاف هذه النخبة الأخلاقية ، لومةَ لائم في الحقّ ..
* وأنْ تُطَهِّرَ نَفْسها من الرِّجْسِ والضغينة والكيديّة والثّأريّة والمرارة ..
* وأنْ تتقدّم الصّفوفَ لتكونَ مَثَلاً وقدوةً في الدفاع عن الوطن، ليس في ساحات المعارك الحربية فقط ، بل في باحات العمل اليومي المعيشي والثقافي..
12 - وعنما تفرض ، هذه النخبة الخارجة من بين صفوف الشعب ، نفسها ، بِحُكْم سلوكها الوطني الشريف وممارساتها الأخلاقية النبيلة الملموسة والمعاشة..
حينئذ، سوف تكون الخطواتُ اللاحقة مستقبلاً، هي استلامهم رايةَ الوطن والدفاع عنه، وتَقَدُّم الصفوف السياسية والإدارية، لِيُصْبِحوا هُمْ صانِعِي القرار الحكومي والإداري في الوطن .
-5-
( ما هو الفساد ؟ )
1 - مخالفة القانون .. فساد .
2 - التلطي وراء القانون ، لتمرير الفساد وحماية الفاسدين .. فساد .
3 - التعسف في تطبيق القانون.. فساد .
4 - التراخي في تطبيق القانون .. فساد .
5 - الإستنسابية والمزاجية في مواجهة الفساد .. فساد .
6 - اعتماد الفاسدين في المفاصل الإدارية .. فساد .
7 - عدم الحد من سلوك الفاسدين .. فساد .
8 - محاربة الشرفاء .. فساد .
9 - التقصير في أداء الواجب الوظيفي و الوطني.. فساد .
10 - استغلال المنصب الوظيفي .. فساد .
11 - الغرق في الجزئيات ، على حساب الكليات.. فساد.
12 - وأخيراً، لا آخراً: السكوت عن قول كلمة الحق، أو قول كلمة الباطل .. فساد.
-6-
في الحروب يتضخم غول الفساد والجريمة والانحلال الأخلاقي..
وليس من الحصافة تجاهل ذلك أو التراخي في مواجهته، بذريعة الحرب ، مهما كانت ضارية.