إحسان عبيد: أيها العام المشؤوم..
عندما قرعت بابي قبل اثني عشر شهرا مثل كهل ٍمتعبٍ، حاملا حوابين الأكفان هدية الميلاد، أحسستُ أنك أفعى عاصرة.. يمتقع وجهك بخُبثٌ غيرُ مألوف.. فأعتم بيدري، واكتسحت غاشية رياحُك المجنونة موسمَ فرحي، وتركتني أزهق في بكائي كالمفطوم، فارتميتُ كسفينةٍ قذفها الموجُ إلى شاطىءٍ مهجور.
.
نظرتُ إليكَ تقفُ بخشوعٍ ودناءةٍ، واضعاً يديك على سرّتك لزوم الصلاة، وأخذتَ تتمتمُ بأدبٍ لا يخلو من تصاغرٍ وضِعَةٍ، وتزمُّ كتفيك فتزدادُ هيئتُك حقارةً، فأدركتُ أن في جوفِك عاصفةً تو شكُ على الانفلات، وهدفها أن لا تترك لنا ثاغية ولا راغية.
.
يا أيها العام المنصرم.. لقد لا حقتَ تفاصيلَ حياتي بعيون مبحلقة كعيون المحققين ورجال الأمن، وجئتَ بأسراب البوم إلى خرائبي تنعب فيها بتحريض من الملائكة والسماوات العلا.. وبذئاب بشرية ذوات لحى حمراء تتقافز مثلَ جنادب محروقِة الجناحين..
.
مازالتْ مفرداتُ فاجعتِك تمرُّ على آذاني مرورَ فرقةِ الصداحين التي تعزفُ لحنَ الرجوع الأخير، أمام أكفانٍ بيضاءَ خالطتها حمرةُ النجيعِ.. وفي هذه اللوحة المشهدية تَحولَ جسدي إلى مدينةِ رفضٍ، وقلبي إلى عاصمةِ عصيانٍ، لا مكانَ فيها لبازارِ المنافقين.
.
أيها العامُ المشؤوم: خلالَ إقامتك، غمرَ أحلامي الشحوبُ.. كانت أيامي تمر كمن يتابع فيلما أجنبيا بدون ترجمة، أضعتُ فيه المقدمة والحبكة والخاتمة.. ولَكَمْ تحملّتُ تصريحات أقزام لبسوا كعوبا عالية ليحظوا بطولٍ سياسي مزوّر، وليس لهم علاج سوى المكافحة بالبخاخ السام الذي يستخدم ضد الدببة القطبية..
.
كنتُ أمضي نهاراتي كصيام دودة القز، أستمعُ إلى أصواتِ الأطفال، فأستشعر فيها رخاوة وبُحّةً بالحناجر تشبه تغريد طيور مدغشقر.. تطوقني ضحكاتهم المخطوفة، وأتساءل: أين المهرب ووطني يلاحقني كخيطِ بخور في الإقامة والرحيل؟
.
أيها العام المنصرم، بئس الضيف كنت.. جئتَ إليّ بمسوح الرهبان، وذهبتَ يعلو وجهك تعبير ثور في المذبح... ماذا أذكر منك؟.. نكبة وتابوت، وأطفال تموت، وعواصف العويل في البيوت!.
.
أتيتَ بأعمدة الرخام على أضرحة أهلي، وجمعتَ الحطب لتحرقهم على الطريقة الهندوسية، وجعلت ما تبقى منا مشردين بأرضنا، جائعين بخبزنا، خائفين بأمننا.
.
أيها العام الغادر: إرحل غير مأسوفٍ عليك.. ستبقى وأخوتك السبعة دماملا تنزّ في كتف سوريا. وسوف تتلبّسكم جميعُ الشتائم الضائعة، إلى أن يشيب الغراب.
.
لا أريدُ التشاؤمَ في استقبال العام القادم، بل سأضيفك أيها العام إلى مواضينا المليئة بالقليل من الإشراق، والكثير من الخسة والغدر والخيانة..
.
انتبهوا يا أصدقائي: منذ زمنٍ تتناول وطني مطارقُ التطويع، وما زال عنده بقيةٌ من عناد لأنه يحتمي بنا ونحتمي به.
.
إليكم وصيتي.. وسّعوا لي قبرا بينكم مساحته 185 ألف كيلو متر مربع، وفوقه شاهد يرفرف بنجمتين خضراوين.