كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نينار إسبر: أحاديث مع والدي أدونيس

ننشر أدناه مقتطف من حوار نينار إسبر مع والدها أدونيس, وهو من كتابها "أحاديث مع والدي أدونيس", ص92- 102, وهو إصدار "دار الساقي" عام 2010, ترجمة حسن عودة.

ملاحظة: حرف (ن) يرمز إلى نينار, وحرف (أ) يرمز إلى أدونيس. والآن إلى المقتطف من الحوار:

ن: هل تعتقد بأن الآباء التقليديين الذين يختارون الأزواج لبناتهم (غالباً ما يكون هؤلاء الأزواج أو آباؤهم أصدقاء للأب) هل تعتقد بأنهم يُسقطون ذواتهم أو رغباتهم على هؤلاء الأزواج؟ قد يكون تفكيري غريباً ولكنني لا أفهم هذا.

أ: هذا شيء بسيكولوجي جداً, وفرويدي جداً.., أنا لا أعلم... فهذا مرهون بالأب. كل ما يمكنني قوله هنا, هو أنني لستُ من أنصار فرويد, على الأقل بصدد هذه النقطة...

ن: حقاً!

أ: لستُ من أنصار التحليل النفسي, بوجه عام, وأرى أن التحليل النفسي ينطوي على كثير من الغلوّ والشطط, كما أرى أن محاولة تحليل كائن بشري عملية معقدة, ومتعددة العناصر. وتركيز كل شيء على هذه النقطة إنما هو شيء متعسّف ومصطنع, فالإنسان, كائناً من كان, مزيج وتركيب هائل من المشاعر والانفعالات والأحلام. ومحاولة اختزاله, وتعليبه, لنهتف بعد ذلك: هي ذي النتيجة, إنما هي عنف وإكراه, لذا فإني ضد هذه النظرة إلى الأمور.

ن: ولاكان.

أ: لم يكن لاكان إلا متابعاً لفرويد, فهو الذي قاد ما يسمى "العودة إلى فرويد". فأنت لا تملكين تحليل الكائن الإنساني على ضوء نظرية فرويد وحدها, لأن هذه النظرية إنما هي اختزال فظيع للإنسان. فالكائن الإنساني بالغ التعقيد! من الجائز مع ذلك أن تكون بعض التحليلات ناجعة وأن تقدّم حتى معونة معيّنة. لأن بعض الأشخاص بحاجة ماسّة إلى محاور يكون في ميسوره أن يلقي السمع إلى مريضه, و يخلق مناخاً يسوده الاطمئنان والسكينة, ولكن ذلك لا يفضي إلى شفائه.

ن: ليس التحليل هو الذي يشفي من العلل, فأنت تشفي نفسك بنفسك...

أ: ولكن من الممكن أن يكون للإنسان صديق حميم يوليه ثقته الكاملة, فهو يستطيع أيضاً أن يبثه ضيقه وحصره, وأن يجعله نجيّه.

ن: لا, ليس هذا مماثلاً, ليس هذا هو الامر نفسه على الاطلاق. فالصديق لا يسعه أن يكون "موضوعياً" أو أن يتخذ مسافة كافية من الاشياء.

أ: بلى. ولكنه قريب مع ذلك؟

ن: لا, على الإطلاق. الصديق لا يكون موضوعياً على الإطلاق. فهو يزجي النصائح لصديقه, أو يحدّثه وفق اقتناعاته, ووفق طريقته في رؤية الحياة. بينما المحلل النفسي قادر على أن يخلق مسافة مع مريضه, فهو لا يقدّم له نصائح, أو لا يحاكمه بحسب الدين أو الأخلاق. فإذا كنت لا تحب مثلاً أن تنجب أولاداً أو إذا كنت طبيعياً أن لا تحب إنجاب الأبناء", أو يقول "المثلية الجنسية مخالفة للدين" أو لا أدري أي شيء من هذا النوع. وأنت يمكن أن تغدو قانطاً, وحيداً على شاطئ اليأس... إذا ما قال لك أحد مثل هذا, وما أسهل أن تنهار, وأن تشعر أيضاً بأنك منبوذ... وهذا يمكن أن يدفع أشخاصاً إلى الانتحار.

أعتقد أن دور المحلل النفسي هو أن ينأى بنفسه عن قصص الدين والأخلاق. ولكنه لا يفصل مريضه عن الواقع, دون أن يطلق مع ذلك أحكاماً عليه... فأنت تتعلم أن تتقبل حقيقة من تكون, أو تتحمل ألوان ضعفك... أنت وحدك من يقوم بالعمل.

أنا أتكلم عن تجربة. ولكنني لست عليمة بنظريات التحليل النفسي ولا بما يتعلق بفرويد. لقد ألممت بأقل القليل مما تعلمته في البكالوريا! لكنني أعود إلى السؤال حول الاباء الذين يختارون أزواجاً لبناتهم, رجالاً من الوسط الاجتماعي ذاته, لهم العقلية ذاتها والدين ذاته... حتى مع بعض التشابه الجسدي أحياناً! فأنا ألمح في ذلك موقفاً مريباً, نوعاً ما من الرغبة في المحارم... كما لو أن الأب, حين لا يتمكن من "مخالطة" ابنته, يجد ممثلاً له عندها. لديّ الانطباع بأن هؤلاء الاباء يتزوجون بناتهم بالإنابة.

أ: لماذا لا تنظرين إلى هذه الامور من زاوية مختلفة. فإذا كان الزوج المستقبلي صديقاً للعائلة, فسيكون الاب واثقاً حينذاك بأن ابنته ستكون أكثر أماناً, وستلقى من زوجها المستقبلي احتراماً أكبر...

ن: لا, ليس هذا صحيحاً بالمرة. إذ يمكن أن يكون الزوج صديقاً مقرّباً جداً لأبيها أو حتى فرداً من العائلة, ثم يكون زوجاً سيئاً, لا يحبها, ويسيء معاملتها, إلخ....

أ: نعم, ولكن هذه مشكلة أخرى, ليس لها أي علاقة بنكاح المحارم.

ن: كثيراً ما أقارن الرجال بك, أبحث عن الـ"أدونيس" داخل الرجال. وأنت, إذا ما مال قلبك إلى امرأة, وخضت تجربة حب معها, فهل تعتقد بأنك, في خبيئة نفسك, كنت تبحث عن فتاة تشبهني؟

أ: (يحمر وجه أدونيس, ويغرق في ضحكة مجلجلة حتى يكاد يختنق).

هذا ممكن! أعتقد بأن هذا ممكن ربما...

ن: كيف؟

أ: هذا ممكن, ولكنني لا أنظر إلى ذلك على أنه شيء له علاقة بزواج المحارم.

ن: أما أنا فأنظر إليه كزواج محارم.

أ: سأفسر ذلك على أنه من قبيل التوافق, أو من قبيل التكامل.. حتى يبلغ الانسجام ذروته... هناك أيضاً, كما تعلمين, ما يسمّى بحب الذات, فأنا أحب ذاتي وأحب ذلك (أو تلك) الذي يشبهني. وهذا لا علاقة له البتة بنكاح المحارم...

ن: ولكن في مقدورنا أيضاً أن نحب شخصاً مختلفاً عنا أيما اختلاف. هل من الضروري أن نحب شخصاً يشبهنا؟ ولماذا لا يكون التوافق جسدياً فقط؟

أ: لا. لقد قلتُ ذلك على افتراض أن الشخص يشبهك.

ن: عليك أن توضح أكثر...

أ: (صمت).

ن: إلى أي حد تسمح لنفسك بالتفكير فيّ؟

أ: (ضحك).

لا بد من التمييز بين مستويين اثنين, المستوى الأول, هو أنني لا أفكر فيك, فأنت في داخلي مثل الهواء الذي أتنفسه, والشمس التي أراها, فأنت جزء بالغ الأهمية في حياتي, أما المستوى الثاني, فهو أنني حينما أرى ذلك الجزء المهم من حياتي كسولاً متراخياً, أتخيل إلى أي حد يمكن أن يكون خارقاً ومبدعاً, وذا حضور قوي. على هذا النحو, أفكّر فيكما, أنت وأرواد...

ن: ولكن لم يكن هذا هو السؤال.

أ: ما السؤال, إذاً؟

ن: ألا يرى أب من الآباء شيئاً آخر في ابنته, في بناته؟

أ: حينما يقال لي إنّ ابنتيك جميلتان, وذكيتان, إلخ. فسأكون فرحاً جداً وفخوراً....

ن: نعم, فهذا يداعب غرورك.

أ: هذا يفرحني...

ن: من دون ريب!

أ: أفكّر في مسؤولية الإنسان الذي لديه شيء ما يقوله, والذي تسكنه حاجة إلى الخلق والابداع, كي يصنع منها شيئاً يتّسم بالعمق, مثلما أمكنني أنا أن أفعل...

ن: نعم, ولكن لم يكن هذا هو سؤالي. كان بودّي أن أعرف أنك بسبب كونك قد غدوت أباً, أو لكونك أباً, تغطي عينيك بمصفاة تمنعك من رؤية ابنتك جالسة أمامك بتنورة قصيرة تكشف عن ساقيها, وبحذاء ذي كعب عال, أفلا تقول لنفسك إن لها ساقين جمليتين, أو شيئاً آخر كهذا, أنا لا أعرف...

أ: لا, فأنا لا أفكر في هذا النوع من الأمور.

ن: لماذا؟

أ: لأنني لم أعد أحتمل المزيد من القصص مع النساء....

ن: أوضحْ, فأنا لم أفهم, أودّ أن أعرف ما إذا كان لدى الآباء مصفاة بيولوجية, أود أن أفهم كيف لأب, بسبب كونه أباً ألّا يرى جسد ابنته, جسدها كامرأة. ألا يمكن أن يدخل الاشتهاء في حسابه؟ أريد أن أعرف ما الذي يدور في رؤوس الآباء!

ثم هل تعتقد بأن من الصعب على أب أن لا يرى في ابنته شيئاً آخر سوى "ابنته"؟ امرأة مثلاً؟

أ: من جهة كونه جسداً, أنت تقصدين؟

ن: نعم, من جهة كونه جسداً!

أ: ولكنّ الجمال إنما هو جزء من الجسد؟ أم لا؟

ن: بلى, بالضبط. فكيف تتعامل أنت مع ذلك؟

أ: أتمنى أن تهتمي بجسدك غاية الاهتمام, أن يكون جميلاً, وأن لا تُهمليه في يوم من الأيام, وأن لا تمنحيه إلى كائن من كان, وإنما إلى رجل يستحقه. تلكم هي الاشياء التي أفكر فيها كثيراً. ما يجعلني أشعر بالحزن هو أن أعلم بأن ابنتي تقضي الليل, أو تعيش مع رجل لا يستحقها, أو ليس جديراً لها. على العكس, فإن قلبي يطفح بالسعادة حينما أرى فتى عذباً وذكياً معها. أشعر بالحزن حينما لا تعرف ابنتي "الخارقة" إلى أي حد هي خارقة. حينما لا تقدّر قيمة جسدها ومسؤوليتها.

ن: لا تقلق أبداً, ولتقرّ عيناً, فمع بنتيك لن يغزوك همّ ولن توافيك مشكلة.

توقف الحوار هنا واستؤنف بعد فترة.

ن: هل تعتقد أن لدى الآباء مصفاة أمام عيونهم كي لا يروا بناتهم حين يكنّ متبرجات بثياب مثيرة أيّما إثارة, وحين يكنّ على وشك الخروج مع أصحابهن؟ وعندما يصرخ الأب بابنته ويأمرها بأن تبدّل تلك الثياب لأنها تبدو بها كعاهرة مثلاً, أفلا يكون هذا ربما مرتبطاً بأنها كانت مشتهاة من أبيها في البدء؟ كما لو أنه كان يقول في نفسه: "إذا كان لها هذا التأثير فيّ أنا, فكيف سيكون في الرجال الآخرين؟" من المؤكد أنني أبالغ قليلاً, وأصوّر الأمور بنحو كاريكاتوري...

أ: من المستحيل أن أقول أشياء كهذه. يجوز أن أدلي بملاحظة إذا وجدت أن ثوبك ليس جميلاً جداً (ابتسامة عريضة).

ن: ولكن ألا تعتقد بأنّه حين يتصرّف أب على هذا النحو, فهذا يعني أن لابنته تأثيراً فيه, وعلى الأخص حين ترتدي ثياباً مثيرة؟

أ: هناك آباء على هذه الشاكلة, ربما, ولكن ليس أنا. فإذا رأيتك تخرجين بمثل ذلك الزيّ فإن ما يهمني هو ما إذا كنت أنيقة أم لا! (ضحك).

ن: آه! اتفقنا! (ضحك).

ماذا تفعل حين تكون أباً, وترى ابنتك تكبر, وتخرج مع فتى, وتحدس بأن لها معه علاقات جنسية؟ ماذا تفعل كي لا تتصور ذلك الجسد الذي "أوجدته" والذي داعبته, واحتضنته, ورأيته يكبر, بين ذراعي رجل آخر؟ وإذا رأى أب طرفاً من كفل ابنته (ذلك جسد امرأة في نهاية المطاف) فهل يتخيّل كيف يلامسه صديقها الصغير, وكيف يحتضنها؟ لاسيما إذا كان ذلك الأب قد داعب ابنته حينما كانت صغيرة... هل سيكون ذلك طبيعياً أم شاقاً بالنسبة إلى الأب؟ هل تعتقد بأنه من أجل أن لا يتخيل الآباء في المجتمعات التقليدية مثل هذه الأمور, فهم يحظرون على بناتهم أن يكشفن كثيراً من جسدهن, أو يخرجن مع فتيان قبل الزواج, وأن يبقين عذراوات, إلخ.

أ: إذا كان الفتى.....

ن: ..... نعم, أنا أعرف الجواب. إذا كان الفتى "خارقاً"....

أ: من المؤكد أن هذا يملأني سروراً, ولكن إذا كان الفتى تافهاً, فلشدّ ما سيحزنني ذلك (ضحك).

ن: هوذا ما كنت أعنيه. فأنت تقول هذا, بوجه التحديد, لأنك تقوم بعملية إسقاط على هذا الفتى! ليس من الضروري أن يكون تافهاً إذا لم يكن يتطابق مع صورتك!

أ: هذل أمر لا جدال فيه. أنا متيقن بأن الحب لا يتفق مع المنطق, إذ يمكن للمرأة أن تحب شخصاً بليداً, والعكس صحيح أيضاً. ولكني, شخصياً, على الرغم من اعتقادي بأن الحب لا يستجيب للعقل, وأن الحب أعمى, فإنني أتمنى أن يكون ذاك الذي اختارته ابنتي جديراً بها.

ن: قل لي بصراحة, أليس مكدّراً لصفوك أن ترى يدي فتى تحطان على كفلي ابنتك؟ ذانك الكفلان اللذان جاءا منك, واللذان داعبتهما حين كانت صغيرة؟

أ: لا على الاطلاق, على العكس, فأنا سأكون بالغ السعادة حين أرى ابنتي مع فتى تهبه حبها.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني