كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هوية التأويل.. أم هوية التفسير.. حديث الثلاثاء - الحلقة 40

[ حديث الثلاثاء - الحلقة الأربعون " 40 " ]

[ في صراع الرمزيات .. والمركزيات ]

( هوية التأويل .. أم هوية التفسير )

● د . بهجت سليمان

1 يتراوح صراع الأيديولوجّيات ما بين الجريمة و الصّمت ، في سلسلة خيارات غير محدّدة أو منصوص عليها في ”أخلاقّيات” السّياسة هذه ، التي تختلف بالأصل عن الكثير من الّثوابت الأخلاقّية المبحوثة في العلوم النّوعيّة ، التي تتناول قواعد التّناقضات المختلفة و المغايرة و طبيعتها و درجة عنفها و شموليّاتها في الفعل و في النّتيجة و في الأثر .
و لا يقف الأمر ، هنا ، عند أزمة الفكر الّنظريّ و مدوّنات السّياسة ، بل يتعدّاه ، عمليّاً ، إلى ميدان الصّراعات المادّيّة التي تنشأ في ظروف التّحدّيات الاجتماعّية - السّياسيّة في مراحل التّحوّلات الدّراماتيكيّة التي يشكل فيها العنف الرّاديكاليّ أساساً و جوهراً للخلاف .

2 لا مانع دائماً من أن نعود إلى ( ماركس ) بوصفه منظّراً سياسيّاً حول الصّراع و العنف الطّبقيين ( أي : في الاجتماعيّ - السّياسيّ ) ، من جهة أنّ التّناقضات الحادّة التي تصل ذروتها في العنف الاقتصاديّ و السّياسيّ ، هي ليست أكثر من تطوّر تاريخيّ لتقسيم العمل الذي بدأ جوهريّاً - كما يقول (ماركس) - في ”الأيديولوجيا الألمانّية” (و في مخطوطات 1844 ، أيضاً ) - ”من تقسيم العمل في عمليّة النّكاح” ..
بمعنى أنّ العنف في الصّراعات المختلفة و النّاشئ أصلاً عن ”تقسيم العمل” بمفهومه الواسع ، إنّما هو شيء ، علاوة على كونه طبيعيّاً ، هو ضروريّ أيضاً ، بمعنى أنّه يبقى منتمياً إلى عمق حركة التّاريخ ..
و في هذا السّياق ، بالضّبط ، نحن علينا التّمييز ما بين مركزيّات المفاهيم في ”الممارسة” ( البراكسيس ، على ما نعرّفه ، عادة ) ، و بين رمزيّاتها المتخفيّة في مظاهر أو ظواهر لا توحي مباشرة بحقيقتها المكوّنة للوقائع الشّارطة ..
و في هذا ، حصراً ، تُصبح إعادة إنتاج المؤثّرات التّوتّريّة أساساً في الصّراعات التّاريخيّة ، ممّا يعني حاجتها ، هي نفسها ، إلى سلوك آخر يعزّز قناعات الصّراع ، و يكون ذلك ، عادة ، بأحد شكلين : إمّا التّأويل .. و إمّا التّفسير .
و نحن علينا ألّا ننسى دوماً أنّ الصّراعات ، و مهما اتّخذت لها أشكالاً اقتصاديّة أو سياسيّة أو ثقافيّة ، إنّما هي صراعات على أساس العوامل الطّبيعيّة التي غالباً ما تجهلها أو تهملها النّظريّة السّياسيّة ، و هي القابعة في مبدأ السّلوك و دوالّ الأفعال ، و أعني منها تلك العوامل و الأسباب الأكثر ”طبيعّية” في حياة البشر ، التي تعود في أصلها إلى عمليّة ”الإخضاع الجنسيّ” التي تغلّفت بشدّة في أشكال أخرى هي جوهريّة أيضاً و مطابقة في الوقت نفسه ، و هي العوامل المتعلّقة بالملكيّة .

3على هذا الأساس تصبح استعادة الميكانيزمات و الدّيناميّات المسؤولة عن توجيه الصّراعات و حدّة زخمها ، غير ممكنة ، إلّا عن طريقيّ ”التّفسيير” أو ”التّأويل” .
و في هذا التّحديد ، حصراً ، يمكننا أن نميّز ما بين الرّمزيّ .. و المركزيّ الأكثر إثارة ، في الّتعليل الذي يتراوح بين ”التّأويل” و ”التّفسير” .
في الحقيقة ، فإنّ كلا شكليّ ”التّعليل” و الدّفع و التّحفيز في ”الصّراع” ، في التّأويل و التّفسير ، هما شكلان متداخلان إلى حدّ بعيد ، غير أنّه لا يمكننا الّنظر إليهما في وَحدة تحليليّة و إنّما يبقيان خاضعين للقراءة المتمايزة ، إن لم نقل المنفصلة، و من هنا كان علينا التّنظير في هُويّة كلّ منهما في محاولة للوقوف على المركزيّة و الرّمزيّة في ميادين السّياسة ، التي اتّخذت لها شكل الصّراع و دخلت في العنف المباشر في اختباريّة موضوعيّة فرضتها تطوّرات البنى المتناقضة أو غير المتكافئة في الدّولة كطبقة سياسيّة و في علاقتها أو في حقيقة أو زيف ”تعبيرها” عن المجتمع .

● أوّلاً - في الرّمزيّة و التّأويل :

4 يُطابق ”التّأويل” ، في الدّوافع ، ”الرّمزيّة” السّياسيّة في تعليل ”العنف” الذي هو مدار حديثنا العام .
العنف بقصدنا منه ما يتظاهر فينومينولوجيّاً في الصّراع على ”الهُويّة” السّياسيّة ، لقوى جوهريّةِ التّناقضاتِ القصوى ، التي لا يمكن أن تُسوّى أو تظهر على الملأ ، إلّا بوصفها صراعاً في ما بين تلك ”القوى” التّاريخيّة التي دخلت مرحلة المواجهة المباشرة في ”العنف” .
و يُفسح ”التّأويل” ( الهيرمينوطيقا ) المجال واسعاً جدّاً ، أمام تعليل رمزيّة الحضّ على العنف ، ذلك لأنّ الّلغة تسمح بذلك وفقاً لاتّساع الدّلالة و استرسال الخطاب..
و لا يُمكننا هنا تصفية حسابنا ببساطة مع الخطاب النّسقيّ المباشر المعبّر عنه في ما يوازي الّلغة ، و لكنّنا مضطرون إلى التّعامل مع إسقاطاته التّأويليّة التي تتكاثر ، عندما يكون الوضع المعبّر عنه كثيفاً و إشكاليّاً ، كما - مثلاً - في حالة الصّراع و الخلاف حول السّلطة و الشّرعيّة ..
و لعلّ الصّورة تتّضحُ عندما نُغرِقُ التّوسّع أو الاختصار الّتأويليين في القسر المُمارَس على النّصّ أو على الخطاب ، لتقويله المضامين الاختلاقّية التي تعمل على ابتزاز الفهم ، هذا مع أنّ للتّأويل حالاتٍ ضروريّةً لا يستقيم المدلول إلّا بواسطتها ..
و لكنْ عندما يكون التّأويل نفسه هو الطّريق الوحيد الفاضل في تفاضلات الدّلالة و اشتقاقات الواقعات .
إنّ التّأويل ، كخيار منهجيّ ، هو ما يجعل العنف طاغياً على القراءة و على الإيصال و التّوصيل ..
و من هنا تبدو مخاطر ”المنهج” التّأويليّ الذي يُعتبر كخيار بدئيّ و أوّليّ في قائمة الاستنارة التي ترافق الفهم في الإدراك .

5 إنّ التّشارط بين التّأويل و الرّمزيّة و تطلّب أحدهما للآخر ، يضعنا أمام هُويّة مزوّرة و ناقصة و مشوّهَة للواقع لأّنه يُحيلنا إلى واقع إنشائيّ أو افتراضيّ ، يجعل من ”الحقائق” نسخة اعتباطيّة عن فرضيّات تحتاج في أصلها إلى إثبات ..
وفي التّأويل تتضاعف الرّمزيّة إلى درجة تُخرِجُ معها الأفكارَ من واقعيّتها إلى مجالات غير مطروقة ، و ليست قابلة للاكتشاف بسبب الّتغليف المزدوَج المتعدّد للمسألة الواحدة ، حيث تخرج هذه المسألة من إطارعمليّانيّتها إلى عماء الفكر ، الذي بالغ في التّكوّر في المزيد و المزيد من التّجريد .

6و إذا كان التّأويل يتناسب مع قراءة الماضي الذي تكاثرت حوله المفاهيم المشرّدة و التّصنّع و المزاجيّة الأيديولوجّية ، بل وحتّى الكذب في لَيِّ عنق الوقائع و تقديمها التّسجيليّ في سرديّة مختلقة و منحرفة خارج سياق الأحداث الّتاريخيّة المحيطة بالوقائع ، ممّا يجعلها معرّضة للانهيار أمام أوّل قراءة اختباريّة مفهوميّة أو معرفيّة ..
فإنّ الرّمزيّة تتدخّل ، هنا ، كتملّق للكتابة و ممالأة للكلام ، أمام جملة الاعتبارات و العبارات و الحقائق المسكوت عليها ، لأسباب تتعّلق بالسّلطة و الشّرعيّة ، و تزوير السّرديّة الموضوعيّة التي تميّزها مركزيّة الاعتبارات و المؤشّرات .
و من هنا يُمكننا تفهّم و تقدير الاختلافات و الخلافات الواسعة المدى و الأدوات حول قراءة ”التّراث” ، حيث يكون لا بدّ لهذه التّناقضات من المثول أمام إعادة صياغة الأحداث بمفاهيم معاصرة ، و حتّى إلى الامتثال إلى نتائج تناقضاتها العقيمة بواسطة عنف متجدّد باستمرار ..
و لهذا بالضّبط تتعاظم المحاذير و المحظورات التي ينبغي أن نشترطها على أنفسنا ، بعدم تطبيق ”التّأويل” و ”ممارسة” الرّمزيّة” على قراءة الحاضر و جعلهما استراتيجيّة اختياريّة في صياغة العالم في مفاهيم و مصطلحات ، إذ سوف يبدو الحاضر و كأنّه حكم علينا فيه باستعادة الماضي و تكرار المنقضي ، في تفتيتٍ للجمعيّ لصالح الجماعات و الأفراد والقراءات التّعسّفيّة النّاجمة عن هذا و ذاك .
ليست التّأويليّة بالرّمزيّة ، استراتيجيّة سياسيّة مقبولة في تحليل الواقع ، و إنّما هي “مكمّل” استراتيجيّ لخوض قضايا ”التّراث” ، و لو أنّها - كما هو واضح و مفهوم - ليست الاستراتيجّية الوحيدة لاستعادة السّرديّات المنقضية مع الزّمان في التّاريخ .

7 من أهمّ و أخطر مساوئ الرّمزيّة و التّأويل ، أنّهما يطرحان ”الماضي” و ”التّراث” على أنّهما الثّروة الأثمن بالنّسبة إلينا ، أبناء الواقع الحاضر ، و في هذا احتقار و تسخيف للمشكلات الواقعّية و حدودها الزّمنيّة و امتلاءاتها في المكان .
و عندما يؤمن مجتمع من المجتمعات ، بواسطة عقول أفراده ، أو نخبة تلك العقول ، يؤمن إيماناً صادقاً بأنّ الماضي ، بما هو تراث أو غير ذلك ، هو أغنى و أهمّ من الحاضر (الواقع) فهذا فخّ نكون قد نصبناه لأنفسنا بأنفسنا ، و هو ليس أكثر من وهم يقودنا إلى اجترار الحوادث التّاريخيّة بعِبَرِها المزعومة ، بواسطة النّاطقين بإسمها في الحاضر ، أولئك المستفيدين من شدّ العالم إلى الخلف و إيقاف حركة التّاريخ و عبور و انقضاء الزّمان .
يعرف المشتغلون بالشّأن العامّ ، كيف تتبدّى صعوبات التّحليل في قراءة الوقائع و الظّواهر المعاصرة ، في انثناءاتها و طيّاتها الخفيّة التي تحمل فيها ، على الأغلب ، مدلولاتها التّعليليّة ، و بخاصّة عندما تلامس هذه الأمور مصالح الدّولة و المجتمع الأكثر إلحاحاً و تحدّياً للإدراك ..
فيما تغيب مفردات الماضي غياباً أبديّاً عن عين الملاحظة و إعادة الملاحظة و عزل الجوهريّ منها عن العَرَضيّ ، و هو ما يُطلق الحرّيّة السّالبة في إنشاءات طوباويّة ( يوتوبيّة ) يجري تفصيلها و تزيينها على قدّ الميول و الرّغبات الجماعيّة ، في مجتمع يغصّ بكثرته و تنوّعه الأنثروبولوجيّ و السّيكولوجيّ و الأيديولوجيّ ، إلى الدّرجة التي يصبح فيها التّأويل الرّمزيّ اعتداءً على الموصوف الواقعيّ المتنوّع ، بلغة أخرى لا يحتاج إليها الضّروريّ أو الوطنيّ أو العالميّ ..
و ذلك إلى الحدّ الذي يخرج فيه الوعي من عالمه إلى عوالم فانية أخرى لا تنتمي إليه .
إنّ مفهوم الانتماء إلى الهُويّة لا يقف عند الانتماء إلى مكوّنات الهويّة التّاريخيّة ، وحسب ، و إنّما يتجاوز ذلك بجوهريّة حقيقيّة و هي الانتماء إلى العالم ، بما هو واقع معاش بالجوارح التي تحتاج إلى تطمين .

8 يمكننا ببساطة أن نتفهّم قيمة التّأويل الرّمزيّ المحفوف بالأوهام و اختراع الفرضيّات المجوّفة بالنّسبة إلى”“المنهج التّاريخيّ” ، و في هذا الخيار الاستراتيجيّ الوحيد أمام ”نقد التّاريخ” ؛ على أنّ ذلك التّفهّم لا يمنعنا ، حيث لا يستطيع ، من النّظر إلى نتائجه بعين الرّيبة والشّك و ربّما الاستهتار والاحتقار ؛ غير أنّ الأمر لا يقف عند موقفنا نحن من نتائج التّحليل السّياسيّ بالمنهج التّاريخيّ ، بل يتعدّاه إلى القيمة العمليّة التي يمكن أن تكون محلّ اعتباريّات مثلى أو أفضل ، من أجل وضع الاستراتيجّيات العامّة ( مع اعتبارنا بأنّ كلّ استراتيجيّة هي ذات بعد عسكريّ ، و هذا ما يكمن في أصل ”المصطلح” ) و هو الأمر الذي يتعذّر ، بطبيعته ، بواسطة ”الرّمزيّة” و ”التّأويل” .

9 عمليّاً ، فإنّ كلّ استبيانٍ واقعيّ غير نموذجيّ هو ضرب من عمليّة التّأويل الرّمزيّة للواقع ، حيث يجري فيه تغييب الواقع عن عمد لمصلحة فكرة ما ، يُراد لها أن تتصدّر القناعات و الإقناعات السّياسيّة في معطيات القرار السّياسيّ أو الاقتصاديّ أو الاستراتيجيّ .
وغالباً ما تُتّخذ ”القرارات” المصيريّة بناء على مثل هذه الإحصائّيات أو الاستبيانات المختّصة ، مع أنّها تحمل مضامين ملفّقة بل و كاذبة و مشوِّهةٍ للواقع الذي يجب أن يكون مداراً للقرار .
و في ما عدا ذلك ، تقترن عادة التّأويل بالفكرة العقائديّة حول العالم بكل ما تنطوي عليه هذه الفكرة من عسف و تعسّف و تقرير ، يحتاج إلى إثبات أوّلاًو أخيراً قبل المباشرة من اعتماده كدليل في نظام المفاهيم  و ذلك حتّى في المنظومات الرّمزيّة التي تعمل على اختزال الدّوال و اختزال المدلولات و أنظمة الإشارة و العبارة و الكتابة و التّثبيت.
إنّ البعد العَقَديّ لرمزيّة منهج ”التّأويل” تجعل منه نظاماً مغلقاً للتّفكير ، هذا مع أنّ انفتاح الواقع على العالم يتطلّب ، في الحدّ الأدنى ، استراتيجّية منفتحة من أطرافها المتعدّدة لتكون صالحة للتّعبير عن معطيات مستجدّة باستمرار ، و لو عبر نظام خاصّ و داخليّ لهذه الاستراتيجّية التي تميل إلى الاستقرار و الثّبات . و هذا أمر لا يتناقض ، بداهة ، مع مرونة عناصر الاستجابة إلى متغيّرات الواقع و مستجدّات العالم في الوعي الحيّ الحرّ و المسؤول .
و على أنّ الدّراسات ”الّلسانيّة” و ”السّيمانتيّة” المعاصرة تأخذ ”الهيرمينوطيقا” على أنّها تأويليّة ”بنيويّة” أو ”لفظيّة” الأدوات ، إلّا أنّ هذا لا يمنع ”التّأويليّة” من الانحدار نحو البعد الدّلاليّ المفهوميّ العامّ و الذي يقبع في أفق ”الهيرمينوطيقا” ، كتأويليّة بنيويّة و رمزيّة بوصفها وسيلة منهجيّة ، إن لم تكن قد شكّلت منهج التّقويم متجاوزة في ذلك الآلّيات المعتمدة كمساعدات في المنهج المتّبع في تقرير المدلول و المضمون و المفهوم .

10 في هذا الحدّ نكون وجهاً لوجه مع مبدأ ”الهُويّة” ، و لا أعني ذلك وفق المنطق الأرسطيّ للهويّة ، و ، إنّما أقارب المفهوم السّياسيّ للهويّة و كيفيّات إنتاجاته المعاصرة و أدوات و وسائل هذه الإنتاجات .
إنّ التّعيين الرّمزيّ للشّخصيّة الوطنيّة بواسطة ”التّأويليّة”، سواءٌ بوصفها ”هيرمينوطيقا” دلالّية أو وسيلة منهجيّة ، أم منهجاً متكاملاً في التّحليل ، على أنّ تلك ”الشّخصيّة” هي شيءٌ اتّفاقيّ ، هو ما يجعلنا أمام مخاطر التّأويليّة الرّمزيّة لمعطيات الواقع و التّاريخ التي تشكل قواعد الانتماء في الّتشكّل التّاريخيّ للهويّة السّياسيّة ؛ و هو ما يجعل من الشّخصيّة الوطنيّة محلّ تجاذب محلّي و ، إقليميّ و دوليّ ، كما يجعل منها موضوعاً للتّفاوض ، و هو الأمر الذي يجب أن يكون ممتنَعاً امتناعاً مطلقاً في عالم تزداد فيه التّحدّيات المفروضة على الشّخصيّة السّياسيّة و الانتماء .
فالانتماء ليس مجرّد شعار أو خطبة سياسيّة أو تقريراً إحصائيّاً يُقرأ و يُتلى في مناسبة سياسيّة عامّة ، وحسب ، بل يتعدّاه الأمر إلى الّطريقة التي ينظر إليها المرء إلى نفسه في مرآة ذاته ، و كيف أنّ هذا الأمر يتعدّى الشّخص الفرد أو الجماعة المعاصرة ، إلى الأجيال المتعاقبة التي على أساس وعيها و إيمانها تستمرّ الأوطان و تؤبّد في الخلود من خلال تطوّر مطّرد الإيجابّية و التّراكم و التّركيز .

● ثانياً - في المركزيّة و التَّفسير :

11 هنالك صراع تاريخيّ مستتر - و بخاصّة في الأمم قيد الّتشكّل القوميّ - على استراتيجيّات الاستقلال و القرار الاقتصاديّ و السّياسيّ ، ما بين ”التّأويليّة الرّمزيّة” على ما بحثناها أعلاه ، و بين ”المركزّية التّفسيريّة” التي تعتمد على المعطيات التّحليليّة الواقعيّة في ”التّفسير” ، من أجل مركزيّة دلالّية في تقدير القوّة تقديراً عمليّاً و واقعيّاً بعيداً عن المعطيات التّأويليّة ، التي تستمدّ ”معناها” (دلالاتها) من الإرث التّراثيّ للأّمة أو للمجتمع أو للدّولة المعاصرة قيد التّكوّن و التّشكّل و التّشكيل .

12 تقترن المسألة المركزيّة في هذا العرض الفكريّ ما بين التّأويل و الرّمزيّة ، من جهة ، و ما بين التّفسير و المركزيّة الذّاتيّة ، من جهة أخرى ، تقترن بموضوعة القدرة على التّفكير ، بوصف ”التّفكير” هو القدرة الأساسّية و الجوهريّة التي تتمكّن من تمييز التّأويل عن التّفسير في التّحليل ، أوّلاً ، و بوصفه ، ثانياً ، الحدّ القاطع الذي يفصل الرّمزيّة التّاريخيّة السّياسيّة عن المركزيّة الواقعيّة في حياة الأمم و الشّعوب .
و التّفكير هو أساس التّحليل الواقعي لمعطيات هي قيد التّناول ، إذ بواسطته يمكن تناولها بوضوح و جرأة و مسؤوليّة و واقعيّة و عقلانّية في وقت واحد .
و معروف أنّه لطالما اختلفت الأفراد و الشّعوب بقدرتها الإيجابّية على التّفكير النّقديّ الجريء ، الذي غالباً ما يتناول الواقع القائم و الحاضر عازفاً عن ذكريات الماضي القريب أو البعيد ، و مهما اتّخذت لها من أسماء أخلاقّية فارغة و كاذبة من مثل ”التّراث” أو ”الفولكلور” أو ”الذّاكرة الجمعيّة” للأّمة ، فهي غالباً ما انطوت على مخدّرات اجتماعيّة و أوهام سياسيّة و أعراض أمراض أخلاقّية و متلازمات نكوصّية و ارتكاسيّة و حسب .

13 نحن مع التّفسير في التّحليل ، بدلاً من التّأويل ، أمام عدّة تاريخيّة و معاصرة من مختلف العلوم و أدوات البحث و وسائل الإنتاج الفكرّية التي وفّرتها لنا الحضارة في رحلتها الطّويلة و تضحياتها الجسام و نتائجها الموثوقة و المجرّبة .
و نحن مع التّفسير في التّحليل أمام مركزيّة امتلاكنا لذواتنا و مشاكلنا و مسائلنا و حاجاتنا المضارعة و الحيّة ، و التي لا يمكن لأّيةٍ من المواقع الأخرى أن تشكّل لنا بديلاً عن هذه المركزيّة الحاسمة ، التي تتوهّج في المعاصَرة ، على عكس الاستيهامات الشّعوريّة الممتدّة بنا من الماضي غير المؤكّد ، و لا على أيّ نحو من التّأكيد في التّأويل و الرّمزيّات القابلة للتّحليلات ، التي ربّما تصل نتائجها إلى حدود التّناقض و الاختلاف و الخلاف ، و الواقع الذي نعيشه اليوم في سورية شاهد كبير و دامغ على ما نقول .
ففي التّحليل الحيّ بالتّفسير ، نقف على التّرابطات المتداخلة و المعقّدة التي تصنع الواقعة أو الظّاهرة، في مركزيّة نحن من يكون ممثّليها كحاجات حضاريّة ، متجاوزين العوز المعرفيّ الذي تُعبّر عنه ثنائيّات ”السّبب” أو ”العلّة” التي توفّرها لنا التّأويلات ، و التي تعدّ هي المسؤولة عن فقر الانتماء إلى الماضي و محدودّيات الاختيار و هزالة القرار .
في حدود معرفتنا ، فإنّ الواقع الذي يؤيّد معتقدنا في المركزيّة ، في إطار التّحليل الذي يعتمد على التّفسير ، هو ما يسمح لنا بإعادة القول و التّفكير و التّجربة و الحكم و البرهان بطرائق لا تحصى ، بالقياس مع فقر المعطيات التي يوفّرها التّأويل .
إنّ غنى التّحليل القائم على الحاضر لا يمكن مقارنته أبداً بالفقر الرّمزيّ الذي نعانيه في عمليّة التّحليل بالتّأويل ..
و أمّا من جانب آخر فإنّ للرّمزيّة التّأويليّة ساحاتها الأكثر خصوبة في الفنون و القضايا المجازّية ، و ها هي السّياسة تعلن باستمرار سخفها الذي نعاصره ، عندما تدور في فلك الرّمزيّات غير الواقعيّة التي تطمئنّ إلى التّأويل كطريقة في الفهم و التّحليل .

14 لقد اخترقت قواعد العالم المعاصر ، و السّياسيّة منها بخاصّة ، جميع الأزمنة التّاريخيّة و التّشكيلات الاقتصادّية - الاجتماعّية و المنظومات الاتّفاقيّة ، حتّى عادت العلوم نفسها تتخلّف عن الإحاطة بالمعطيات الواقعّية اليوميّة و الحيّة ، إلى درجة أصبحت معها مفردات الكلام ، نفسها ، مشكوكاً في مدى قدرتها على الإلمام بتفاصيل هذه المعطيات .
و في غضون ذلك ظهرت ”المبيانات” المتعدّدة و المختلفة و المتنوّعة لضبط حركة العالم اليوميّ ضبطاً إحصائيّاً و معلوماتيّاً ، و هي بالكاد تلهث وراء غزارة المعطيات وعاجزة في الوقت نفسه عن جعل تلك المعطيات في حوزة قواعد البيانات التي تلجأ إليها هذه ”المبيانات” ، عند الحاجة إلى اتّخاذ القرار في ظروف شديدة المركزيّة و بعيدة كلّ البعد عن رمزيّات التّأويل أو تأويلات الرّمزيّات .
إنّ اختزال العالم ، نفسه ، قد أدّى غرضاً تاريخيّاً في فرصة عالميّة تتّسع باستمرار ، من أهمّ صفاتها أنّها غير تأويليّة المفردات في المعطيات .
و بقدر ما يتركّز العالم في مفاهيم و معطيات معرفيّة جديدة ، فإنّ الحاجة إلى التّأويل تبدو أنّها قد أصبحت تنتمي إلى حقول الفعل البعيدة كلّ البعد عن المجتمعات و الدّول و السّياسة ، لتتفرّغ ( التّأويلات ) إلى المناشط الرّمزيّة المحضة و التي تتعلّق ، و قد تعلّقت نهائيّاً ، بالجماليّات التي تنبو عن التّحليل بالتّفسير ، و لن تني أو تفتأ تحتاج إلى الرّمزيّة في التّأويل .

15 في عالم اليوم اختلفت كثيراً أساليب الإدراك ”الصّحيحة” ( الواقعيّة و العقلانّية ) للعالَم ، حتّى بات من المؤكّد أنّنا على أبواب ثورة معرفيّة حقيقيّة تتجاوز كلّ ما يمكن أن يخطر في خاطر الفكر التّقليديّ الذي أصبح أثراً بعد عين .
فمع ثورة الفيزياء الكوانتيّة المعاصرة ازدادت قيمة الشّكّ المعرفيّ و اختلفت دَوالُّ المعرفة ( منطلقاتها ) و تداخلت حكاية العالم بالقصص الفرديّة للأشخاص ، و أصبح كلّ جزء في الواقع السّياسيّ العالميّ قادراً على أن يشكّل ، بمفرده ، رواية كاملة يحتاج تفسيرها إلى تحليل لحظيّ معمّق ، لن تكون العلوم المعاصرة ، مجتمعة ، قادرة على معاصرة مركزيّته ، ناهيك عن أطرافه المتراميات .
و في غمار ذلك تتعاظم ، يوماً بعد يوم ، مهمّات المفكّرين و الفلاسفة للإقلاع عن عادات ”المناهج” الكاذبة ، التي أصبحت قمينة بالحشر في المذاهب الفلسفيّة ”الإسميّة” تلك ، التي لا ترى في الوعي غير الأسماء الطّنانة المدوّية و الكاذبة .
إنّه ليس من المستغرب ، بعد اليوم ، ظهور ”اختزالات” خطرة للمفاهيم الكبرى و المناهج المزعومة و الحكايات المُطَوَّلة ، و ربّما للتّاريخ و الجغرافيا ، فيما سوف تتغيّر نظرتنا كثيراً إلى الأشياء ، بما فيها الخرافة و الأسطورة و المستحيل..

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني