ليندا ابراهيم: ثقافة الحياة
لم يكن لذلك اليوم بقسمه الأخير، أيُّ وصفٍ سوى اكتظاظِهِ بالشَّجَنِ والشَّغَفِ والضَّياع...
كان بردُ دمشقَ قارساً، أضاف للروح مزيداً من الصَّقيع الذي يلُفُّها، فإذا الجوُّ وما يكتنفُهُ كلُّهُ ينذِرُ بنهايةٍ لحياة ما. كانت "أمينة" قد أنهَتْ شُغلَها، وتوجَّهَتْ عائدةً لمحافظَتِها وكأنَّهُ آخرُ يومٍ، ليس فقط قد ترى فيه دمشق ثانيةً، بل كأنَّهُ آخرُ يومٍ في حياتها...
يقولُونَ المنفَى أصعبُ من الموت، وأقلُّ قسوةً من التَّهجير، وأقولُ بل هو الاثنان معاً، لكن أن تكونَ منفياً داخلَ وطنك، وبين أهلك، داخلَ روحِكَ، فهذا هو المنفى الأشدُّ قسوة وإيلاماً.
أخذَ الرُّكَّابُ يصعدُون الحافلة، بينما "أمينة" تتقرَّى الوجوه مِنْ حولها، وتحاولُ أن تستطلعَ مَنْ قد يكونُ بجانبها رفيق سفر طارئاً، تتبادَلُ وإيَّأه الحديثَ، فهي بحاجةٍ لأن تُخْرِجَ مايثقِلُ عليها روحَها، وما يُبَدِّدُ عنها وحشة ووحدة وألم الطَّريق الطَّويل...
صعدت إلى مقعدها المخصص لها، فوجدت صبيَّةً إلى جانبها، وبالفعل لم يطُلِ الوقتُ حتى تعارفتا، وإذ بها من المحافظة نفسها، وقد أنهت هي الأخرى عملَها في دمشق عائدة لمحافظتها، وبدأ الحديثُ وكان ذا شجون، والفقدُ أهمُّ عناوينه، كانت شهقة وصدمة "أمينة" عميقةً عندما علمت بأن رفيقة سفرتها قد توفِّيَ زوجُها منذ سنوات، وهي أمٌّ لطفلين باتا الآنَ في الجامعة، وكيف أنَّها فقدت والدتها أيضاً وفجأة، تماماً كفقد "أمينة" لأمها منذ سنوات، كانت رفيقة السَّفر تتحدَّثُ عن الحياة بقلبٍ رحيبٍ، وبإيجابيَّةٍ وابتسامة مفرطة في الأمل، بينما كل خلية من خلايا روحه "أمينة" تنشج ألماً وفقداً.
قبيل المحطة الأخيرة توقَّفَتْ الحافلةُ عند أحدِ المواقف، ليصعد شابَّان فيقومان بإنزالِ شابٍّ حملاً كان يجلس بمحاذاة "أمينة" طوال الطريق، فإذا به عاجز عن تحريك طرفيه السفليين بعد إصابة في إحدى المعارك مؤخراً على إحدى الجبهات السُّوريَّة، ما أضاف لصدمتها وفقدها الكثير الكثير...
لم يترك لها القدر فرصة أخرى لتقليب مواجعها، بل تأمَّلَتْ كيف أنَّ الحياة يجبُ أن تُوَاجَهَ بشراسَةِ الأملِ، تماما بنفسِ القَدْرِ الذي تأتي فيه بشراسةِ الألم...
نزلت "أمينة" في المحطة الأخيرة، وهي تدوِّنُ على ذاكرة روحها مادَّةً لمقالٍ قادمٍ تقُولُ فيه:
"لو شاء ربي أن يَهَبَني حياةً أخرى، فسأرتدي ملابسَ بسيطة، وأستلقي على مرج الأرض الأبسط، عارية الروح من كل مادِّيَّات الحياة، وسأبرهن للنَّاسِ كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخُوا، دون أن يدروا أنهم يشيخُونَ إذا ما توقفوا عن العشق. ولسوف لن أعطي الطفـل الأجنحة فقط، بل سأدعه يتعلّم التحليق وحده، وللكهل سأعلِّمه أن الموت لا يأتي مع الشَّيخُوخة بل بفعل النِّسيان، لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر، تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرَّ السَّعادة تكمُنُ في تسلُّقِهِ، تعلَّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر، فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف. تعلمت منكم أشياء كثيرة ...
ولو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراك فيها يا أخي، لكنتُ ضَمَمْتُك بشدَّةٍ بين ذراعيَّ، ولتضرَّعْتُ إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها، لقلت " أحبك" ولتجاهلت بخجل، أنك تعرف ذلك !
هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني أخطأتُ معكَ، وكان هذا هو يومي الأخير، فأحب أن أقول لك كم أحبك، وإنَّني لن أنساك أبداً، فالغدُ ليسَ مضموناً أن أحياه، ربَّما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبُّهم، فلا تنتظر أكثر، ولتتصرَّفِ اليوم على أنَّ الغد قد لا يأتي، ولا بدَّ أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولاً كي ترسل لأحبائك أمنية أخيرة، حافظ بقربكَ على مَنْ تحبُّ، واهمس في أذنه أنك بحاجة إليه، أحببه واعتن به، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول له عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها، واعلم أنه سوف لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمرُ من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها، وبرهِنْ لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمُّون لديك، وأنْ ليس ثمَّة في الحياة ما يستطيع أن يعوِّضَ عن الكرامة لمن تعنيه الكرامة بالمقام الأول في الحياة...هذه هي ثقافة الحياة التي يجب أن تكون ألف باء دربنا الطويل في هذه الحياة وكل الحيوات القادمات."
الثورة