كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ليندا ابراهيم: عريس الوطن

الوقتُ مطرٌ طازجُ يُرسِلُه نيسانُ على عجلةٍ من أمره، والدُّنيا وقتٌ حالكٌ من عمر الأزمة الأشد في تاريخ سورية، والنوَّارةُ تتجوَّلُ في ساحة المرجة، لا لأمر محدَّد، ولا لعملٍ معروف سوى أنَّ ذلك الغامضُ تحالف مع ذلك الوابلِ، لينبثق عن شعور بخطرٍ جسيم... المرجة؟ وما أدراك... وبعد:
هل تذكرون أهزوجة "زَيِّنُوا المَرجة"؟... إنَّها قصَّةُ أحمد بن موسى بن حيدر مْرِيْوِد.
ولد ونشأ في قرية "جباتا الخشب" في الجولان السُّوري عام 1886، واستشْهِدَ فيها عام 1926، والدَتُهُ من قرية "شبعا" التَّابعةِ للعرقوب، منتميةً لأسرةٍ من قبيلة "المْهِيدَات" المُسَيطرة على منطقة "البَلْقاءِ" الأردنيَّة، كان والدُهُ مدرسَةً نموذجيَّةً في الصدق والإخلاص والإيمان بالوطن، ومن هذهِ المدرسة برز "أحمد مريود"، فعلى غرار المُوسِرِين في تلك الفترَةِ منَ الزَّمان، حرَصَ الوالدُ على استدعاءِ الأساتذة إلى بيتِهِ لتعليمِ أبنائِهِ أصولَ الكتابَةِ والقراءة وحفظِ القرآن، ومبادِئِ الدِّينِ القويم، وكانَ يُكَرِّرُ على مسامعِهِمْ أنَّ الدِّينَ ليس طقوساً فحسبُ، بل معاملةٌ يوميَّةٌ، ناهياً إيَّاهُمْ عن التَّعَصُّبِ، غارساً في أرواحِ أفراد الأسرة روحَ العصاميَّة والاعتماد على الذَّات، بعد دراستِهِ الابتدائيَّة، انتقلَ "أحمدُ" إلى دمشقَ لإتمامِ تحصيلِهِ الإعداديِّ، قبل أن يلتحقَ بمكتب "عنبر"، متَّصلاً بعدها أثناءَ دراسَتِهِ في دمشق وبيروت، بعددٍ من أقرانِهِ مناضلاً ضدَّ السُّلطةِ العثمانيَّة، منتمين جميعاً إلى التَّنظيم السِّرِّيِّ "جمعيَّة العربيَّة الفتاة". حيثُ كان من المؤسِّسين لها مع "فيصل بن الحُسَين" سراً، قبل أن تصبح علانية، بعد دخول القوَّاتِ العربيَّة دمشق 1918.
ويكتبُ "الزَّركليُّ" مشيراً إلى وقفة "مريود" مع أهالي القرى اللبنانية المجاورة، يوم تعرَّضُوا للمجاعة أثناء الحربِ الكونيَّة الأولى، إذ هبَّ لنجدتِهِم في وقتٍ منعَ فيه العثمانيُّون نقلَ الحبوب من سورية إلى لبنان منقذاً بذلك عائلاتٍ بأكملها من الموت جوعاً. أخذ اسمُ "أحمد مريود" يتردَّدُ في مرحلة الاستقطاب والبحث عن كبارِ القياديين، واجدين فيه الرَّجلَ القادرَ على تعبئة الجماهير وتنظيمها واتِّخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب، وأشركه "فيصل" في صياغة الرَّسائل التي كان يبعثُها إلى الحجاز للتنسيقِ لقيام الثورة في بلاد الشام والحجاز، ثم جاءت إعداماتُ 6 أيار 1916 ليسيطر الهلعُ على النُّفوس، ومن ثمَّ النَّقمةُ العارمة، ولدى إعلان الثورة العربية الكبرى، 10 حزيران 1916 رفعَ الدِّمشقيُّون العلم العربيَّ على قاعة المجلس البلديِّ في 30 أيلول منه، وانطلقَ في اليوم التالي الشَّريف ناصر والزعيم مريود والشيخ الأشمر مع أشخاص بارزين، من محطة "القدم" في "الميدان"، إلى السَّرايا لتسلم إدارة المدينة المحرَّرة، وكان لأحمد مريود شرفُ أوَّلُ من رفع علمَ الاستقلال في سَمَاءِ دمشق، وليخُوضَ مع باقي رجالات النِّضال المراحلَ اللاحقةَ من النِّضالِ الدَّامي ضد فرنسا في أسلوبين: أحدهما النِّضالُ العسكري الذي امتد 1919 -1927 وكان لمريود والأطرش الدَّور الأكبر في الجنوب السُّوري، والنِّضالُ السِّياسيُّ والذي امتد حتى الاحتفال بعيد الجلاء 1946.

استشهدَ "مريود" في معركة "جباتا الخشب"، أحدِ أشهر المعارك التي كانت ملحمةً وطنيةً كبرى، استشهد فيها من آل مريود وحدهم في ساحة الشَّرف42 شهيداً كما يذكر المؤرِّخُون، إضافة إلى باقي الشُّهداء من آل "العسلي" الدمشقيين، واخترق رصاصُ الغدر والحقد خاصرتَهُ وكتفَهُ وذقنَهُ، واستشهدَ "مريود" الذي عاهد الله والوطن وما أخلفَ بوعدهِ، ليُطَهِّرَ ترابَ "الجولان" و"جبَّاتا الخشب" ووطنه الكبير سورية بدمهِ الطَّاهِرِ الطَّهُور إثر معركةٍ كانت رهيبة وغير متكافئةربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏...
ولم تكتفِ زُمرَةُ الإرهابِ الفرنسيِّ بالقتلِ، بل عَمَدَتْ إلى نقل جثمان الشُّهداء، وفي مقدِّمَتِهِم البطلُ "مريود"، حيث عرضَتْ الجثامين الطاهرة في ساحةِ الشُّهداء بالمرجة، وتُرِكَتْ تحت أشعَّة الشَّمس الحارقة، وعندما تقرَّرَ نقلُ الجثامين الى المدافن، رفضَ أهلُ دمشق وقادةُ الأحياءِ الشَّعبيَّة السَّمَاحَ لآلِ "مريود"، بنقل جثمان الشَّهيد إلى "جباتا الخشب"، ذلك أنه شهيدُ الشَّعب كلِّهِ، وأصرُّوا على دفنِهِ في احتفالٍ دينيٍّ وطنيٍّ شعبيٍّ مهيبٍ، في مقبرة "قبر عاتكة" أحدِ الأحياء الدِّمشقيَّة العريقة، وأقيم له ولرفاقه مأتم شعبي كبير، أطلقَتْ فيه زغاريدُ الحماسةِ، وعلى وقع الأهزوجة الأشهرِ في تاريخ السُّوريِّين الوطني: "زينوا المَرْجِة والمرجِة لِنا شامِنا فِرْجِة وهِيِّ مزيِّنَة"، زافِّين إيَّاهُ عريساً للوطنِ الأبيِّ الذي يأبى رجالُهُ الضَّيمَ و فتيانُهُ الاحتلالَ، وأهلُهُ الاستعباد.
أيُّها السُّوريُّون، إنكم تعيشون كما لو أنكم تعيشُون عمراً واحداً في أجسادٍ متعدِّدَةٍ ، إنَّها الجيناتُ التي تنامُ في شغافِ القلوب ومساماتِ الرُّوح وخفقاتِ الأفئدة وتلافيف الأدمغة، إنَّكم أعرقُ الشُّعوب في أعتقِ الأوطان، حيث في شعابِ "قاسيون"، استقرَّ الفُلكُ بعد الطُّوفان، وأنزلَ الرَّبُّ أوَّلَ أبطالِ رواياتِهِ فوق هذه الأرض من قتلة وأنبياء مغفَّلينَ وأشقياء قابيلَ وهابيلَ وآدم وحواء...
سوريا التي انطلقت منها رسالة العقل الخالدة إلى شتى أصقاع المعمورة، وتلاقحت مع جميع الأمم الأخرى على وجه الأرض.
إنها دروس الكبار أيام محن الأوطان لنتعلمها ونتمثلها ونكون على قدر مسؤولية اللحظت التاريخية التي نعيشها.

الثورة

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني