ليندا ابراهيم: ثقافة الوعي
أتحدَّثُ عن ذلك الوعيِ السَّابِقِ لوقتِهِ وأوانِهِ وظرفِهِ وعصرِه، ذلك الذي يستوعِبُ الكينونةَ والحالَةَ والواقعَ، متجاوزاً ذلكَ الاستيعابَ إلى الاستشرافِ، مُهَيِّئاً السُّبُلَ إلى رؤيةٍ ورُؤيا، وإن ...
الغريبُ في الأمر، ليسَتْ البيئة الاجتماعيَّة التي طلعا منها، وهي ثَرِيَّةٌ غنيَّةٌ معروفةٌ عند "أبي خليل القبَّاني"، وهي بسيطَةٌ عفويَّةٌ كادحةٌ فقيرةٌ عند "سعد الله ونُّوس"، ونستبعدُ الغرابة هنا حينما نستقصِي الأسبابَ التي جمعت شخصيهما ومشروعهما في بوتقة واحدة هي التنوير والنهوضُ وامتلاك ثقافة وعيٍ رائدة، والتي نتلمَّسُها في الوعي العميقِ المُبَكِّرِ، والهِمَّة العالية للتَّغيير والاختلاف، والإحساس العميق بشؤون وشجون الأمَّة، ومِثْلُهُ الإحساس بعمق المسؤولية التاريخية.
مانحتاجُ إليه في الوقتِ الرَّاهن ثقافةُ الوعي... وأستطيعُ القولَ بشجاعة وصراحة إنَّنا فقدْنا جيلاً بعدَ هؤلاءِ الكبار، ولم ننتج شيئاً سوى الدَّورانِ في فلكهم، بينما الأوطانُ تحتاجُ دماءً متجدِّدةً، وفكراً خلَّاقاً دائمَ الخلق والاستمراريَّة في التَّشبيك مع غيرهِ من الأجيال.
كم تراودني كلمةٌ لأحد أساتذتي "نحنُ جيلٌ بلا آباء" وهو مُحِقٌّ، فكثيرون ممَّن يمتلكون الوعي، ولكن لايمتلكُون فنَّ صياغتِهِ أو القدرة على التَّعبير عنه، وإن فعلُوا، فلا يمتلكُون فنَّ الإفصاحِ عنه أو تبنِّيه أو إشهارَهُ أو مَنْهَجَتَهُ، ليكون ولو صرخَةَ مشروعِ وعيٍ أولى.
نحن بحاجة لإنتاج مشروع ثقافة الوعي، وإشهاره وإظهاره، لنكونَ على مستوى الحَدَثِ وبالتَّالي المسؤوليَّة التاريخيَّة...