يحيى زيدو: فكر.. في قامات الصبح
فكر.. و تأمل:
قامات من الصبح منحوتة من الصخر
انزرعت سنابل من الضوء في غياهب الجبِّ
منذ آلاف السنين إلى اليوم،
ما زالت تبحث عن ”يوسف“ الوطن
رجال يعطرون تراب الأرض بالعرق و الدم
يقشرون وجع الروح
دفاعاً عني، عنك، عنكم.. و دفاعاً عن خليقةٍ بكاملها.
فكر.. و تساءل:
نبيٌّ من لحم و دم و دموع
بين أزيز الرصاص.. و هدير الدبابات
و أصوات المدافع و الصواريخ و الطائرات
يحمل في جيب بزَّته المغبرَّة صورة ابنه،
ابنته، أمه، أبيه، أو صديقه الذي ارتقى أمامه
في مواجهة قطعان من شياطين الرايات السود
يحمل صليبه على كتفيه صاعداً درب الجلجلة
بحثاً عن قطرة ماء.
فكر بعيداً عن الخطابة و البلاغة و نزعة الزعامة لديك
فكر بلا نصائح أو خطط تتفتق عنها مخيلتك المريضة
و أنت تحت المكيف البارد تستمتع بالموسيقى، و بكؤوس الشراب
فكر في نبيٍّ قبعته الشمس عارياً في وجه الردى
و في وجه الخيانات التي يتقيؤها البعض كوجهات نظر
و اعلم أن لا أحد يعلم الأنبياء كيف يرتقون معراج الضوء إلى السماء.
فكر بقدر ما تستطيع.. و بأعمق ما تستطيع:
في زهرة الجُلَّنار.. بدمعها الأحمر، و لونها القاني، و عطرها الأبيض
قبل أن تتبرعم لتنبئ بأسماء القديسين
الذين رووا أخضر غصنها، و أحمر قلبها.
فكر و تألم:
في الدمعة اليابسة لامرأة تبتهل من أجل عودة
زوجها، ابنها، أخيها، والدها، حبيبها
و بنساء، منذ سنين، يموسقن حزنهن على مقام الدمع و الصبر
يزرعن الحياة نسغاً في أرض الموت
لا تفكر بالشفقة.. لسنا في وليمة ندم أو عطف
فقط.. تأمل و أنت مفتوح القلب و العينين
ظلَّ رجلٍ يرى دمه ينزف من جسد أخيه الذي ارتقى قربه شهيداً
أخيه الذي نذرته أمه للحياة.. فسلمته الحياة، بدورها، للردى
و اعلم..
أن بقعة دم واحدة تكفي لتدوين كل الشهادات
و إقامة قداديس الحياة
فكر.. و تأمل
بأن أرضك ما زالت كربلاء.. و فيها أكثر من ”حسين“ قضى،
و مكتوب عليه أن يقضي أبداً
من أجل جرعة ماء.