ليندا ابراهيم: في التَّرجمة
في الترجمة تعزيز للفكر والأفكار والثقافة، وتعضيد لقوة الضَّمير لدى الإنسان حول القضايا التي تشغل وتهم وتشمل المشترك الإنساني العام كقضايا الضَّمير والفكر والإبداع..
في الترجمة اطلاع على حياة الشعوب وثقافاتها ومكوناتها وعاداتها وحياتها وسلوكياتها، وبالتالي جمالياتها..
في الترجمة جمالية اكتشاف حياة الآخر، المترجَمِ له، والمترجَمِ عنه، سواء أكان شخصاً أم شعباً أم حضارة..
في الترجمة اقتناص الحِكَم، وتصيُّدُ لؤلؤ المعارف في حياة الشعوب وتجاربهم..
والترجمة وسيلة لإيجاد حلول عملية للشعوب التي لديها تاريخ وتقاليد وقيم ومعتقدات وثقافات مختلفة حتى تتواصل فيما بينها وتتفاهم وتثرى بعضها البعض، من أجل تواصل أفضل.
إنها انفتاح على الآخر، وبعبارة أخرى تعمل على أن تكون هناك ثورة فكرية وروحية حقيقية.
فقد كان من أهم أسباب تقدم العرب، وتطورهم في عهد الدولة العربية الإسلامية، قيامُهم بالتَّعرُّف إلى ثقافات الشُّعوب التي سبقتهم، وذلك بواسطة الترجمة. أما الحضارة الإسلامية في الأندلس فقد كانت أهمَّ موروث أخذه الأوروبِّيُّون عندما أقبَلُوا عليها بالترجمة والنقل، وصارت فيما بعدُ دافعاً لهم ليعكفوا على دراسة لغات الشرق وتاريخه وآدابه وثقافاته في الحركة الواسعة التي عرفت بالاستشراق. ولم يتوقَّفْ دور الترجمة على مجرد النَّقل من لسان إلى آخر، بل تبعتها حركة النهضة التي نعيش جميعاً في ظلها اليوم من أدنى الأرض إلى أقصاها..
والترجمة ميدان هام جداً من ميادين المعرفة والثقافة والفن، ولها انعكاسات فكرية وسلوكية غزيرة على مزاوِلها قبل متلقيها أو مستهلكها، فتعلُّم لغة أخرى سيكون بمنزلة نافذة تطل على عالم آخر جديد ومغاير، فهي توسع من إدراك وثقافة المتعلم لها، وتقوم بإخصاب فعال لما يمتلكه، في الوقت الذي قد تريحه من تبعه سلطةِ أحاديةِ أفكارٍ متوارثة كثيرة، وذلك عبر هذا التلاقح وتضارب أو تشابك الأفكار و العادات و القيم التي تأتي مع اللغة الجديدة.
و في الواقع للترجمة لذة تجيء مع الإحساس و الشعور البدهي الذي يضفي قوة على مرتكزات الثقة بالنفس من حيث القدرة و سعة الإدراك، ثم إمكانية الفرد الواحد من التعامل الثنائي بصيغة مشروعة ومحبوبة ومحسودة، سيجعله أكثر استمتاعاً في إراحة ذاته، أي التبديل الذهني عبر ممارسة ذاتين في آن واحد .
إن الترجمة فن الروح، وفن تلقيها للنص الأساس وروحه، وقدرتها على التفاعل معه، ومن ثم نقلها بكامل روحها، وبكل أمانة، إلى اللغة المترجم إليها أيضاً بأسلوب يعكسها ويصوغها بكامل الروح أيضاً..
إنَّها حقاً رسالة نبيلة .. تلكَ الرِّسالةُ التي تحملها عملية التَّرجمة، والتي ترغب وزارة الثقافة – الهيئة السورية للكتاب ، بإطلاقها للمشروع الوطني للترجمة في تبليغها ، فلعلنا اليومَ أحوجُ ما نكون إلى التعريف بأنفسنا وثقافتنا التي يجهل الغرب كنهها وحقيقتها، فجلُّ المعارف التي كونها الغرب عن الشرق استشراقية المصدر، أي نقلها إليه مستشرقون لا يفقهون صميم ثقافتنا وتقاليدنا وعقائدنا، وأما نحن فماذا فعلنا؟ إنه سؤال محرج حقاً ...أترك الجواب عنه لذهن كل منا و لعله متلمَّس في ثنايا الندوة الوطنية القادمة