كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خالد نعمة: في بعض مرضنا أو عن النقابات والنقابية السياسية

خلافاً لما هو شائع ومعتاد، سأبدأ فكرتي مستشهداً بمقولات للدكتور عبد الله حنا في مؤلـَّـفه الجديد عن مجتمعات سورية القرن العشرين الصادر قبل فترة وجيزة، ومنها سأتوسع، وقد جاء في بعض هذه المقولات ما يلي:
- بعد سنوات وصول حزب البعث إلى الحكم الأولى، التي اتصفت بالحراك النقابي المستقل، أخذت المباحث السلطانية تهيمن تدريجياً على هذه الحركة، محوِّلة إيـَّـاها إلى ذيل للسلطة، وظيفتها التصفيق للحكام وتبرير ممارساتهم ونهبهم للقطاع العام.
- في الربع الأخير من القرن العشرين، لم يبق من الحركة النقابية إلا اسمها، وصار المسؤولون النقابيون المدعومون يوصفون بأنهم تجار دون أن ينتسبوا إلى غرفة التجارة.
- جرى هذا التراجع تحت شعار النقابية السياسية، التي تسمح للنقابيين أن يتحدثوا في السياسة كما يشاء أولو الأمر، بينما يصمتون عن مطالب العمال وعن نهب الفئات البيروقراطية والطفيلية للقطاعِ العام، مقابل أن يصبحوا جزءاً من البيروقراطيين المحدثي النعمة، الحاكمين باسم اشتراكية مزعومة، والمنقطعي الصلة فعلياً وفكرياً بالفئات العاملة.
إذن، وتحت شعار كاذب من نمط (وحدة نضال نقابات الطبقة العاملة من أجل مطالب العمال) جرى القضاء منهجياً ووفق خطة طويلة الأمد على كل استقلالية للحركة النقابية، مهما صغرت هذه الاستقلالية وهذه الحركة، وجرى التدخل تدخلاً سافراً في عمليات تشكيل هذه النقابات وقياداتها وأنظمتها الداخلية وفق تعليمات أمنية وسلطوية شديدة الوضوح ومباشرة، وحـُـلـَّـت كل النقابات الحقيقية المعوَّل عليها، التي كان يـُـشتمُّ منها أدنى بوادر لمعارضة أو لاختلاف ولو بسيط مع التوجهات السياسية والاقتصادية الاجتماعية للفئة الحاكمة والمسيطرة استناداً إلى قوة أذرعها الأمنية وبسطارها العسكري.
وكانت الرُشا سلاحاً رئيساً في هذه الخطة لاستمالة النقابيين على اختلاف منابتهم وانتماءاتهم، وقد جرى استخدامها معهم على نحو مكثـَّـف وموسـَّـع لإعدادهم وإخضاعهم بما يتلاءم وتدجين النقابات وجعلها وسيلة إضافية في تكميم الأفواه، فكان أن أعطيت لهم مختلف أنواع الامتيازات المادية والمعنوية والإغراءات لكسب ولاءات هؤلاء، وأفسح لهم المجال واسعاً كي يمارسوا جزءاً من الفساد السلطوي دون مساءلة مبدئية، وليبقوا دائماً تحت الطلب الأمني والقضائي للمساءلة في حال سوَّلت لهم أنفسهم أن يعملوا خلاف ما يوحى إليهم أو يؤمروا به وبعيداً عن كل مصلحة حقيقية للكادحين بأدمغتهم وسواعدهم.
وكان أن ظهرت فئات القادة النقابيين ذوي القصور والسيـَّـارات الفارهة والرحلات الترفيهية السنوية والمداخيل الجانبية، التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما يكسبه العامل بعرق جبينه وكدِّ يديه. وقد قلب هؤلاء الحقائق السياسية والاقتصادية والنقابية عن سابق عمد ومصلحة، وزيـَّـنوا لجمهور نقاباتهم ما لا يمكن تبييض صفحته لفساده وعقمه، وعندما أعيتهم الحيل بعض الأحيان في إقناع من بقي من النقابيين قابضاً على جمر نضاله النقابي، كشفوا عن وجوههم المتحولة، فإذ بهم الامتداد البشع لقوى البطش السلطوية داخل البـُـنى النقابية، لتخريبها من الداخل روحياً، ولتفريغها من كلِّ نفس نضالي نقابي حقيقي.
وفي ظلِّ الوظيفة الجديدة المستحدثة للنقابات السورية، صارت حلقات الدبكة لتمجيد الزعيم الأوحد والتغنـِّـي بمكارم القائد الرمز وإنجازاته المزعومة تطوراً منطقياً لمجريات الأمور، بعد أن حذفت من القاموس النقابي الراهن كل أشكال النضال النقابي الحقيقي، وبضمنها الإضرابات والمظاهرات والعصيانات المدنية، لا بل وحتى الثورة العمالية للقضاء على الاستغلال والاستعباد والاستبداد والوصول إلى مجتمع العدالة الاجتماعية والتساوي في الحقوق أمام القانون.
وهكذا، وبعد أكثر من ثمانية عقود على تشكيل أولى النقابات العمالية الحقيقية المستقلة، تجد بقايا الطبقات العمالية السورية نفسها أمام تحديات خطيرة وملحـَّـة للغاية، وهي المدمـَّـرة أصلاً بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية للطغمة الحاكمة السورية على مدى العقود الأخيرة، قبل أن يدمـِّــر ما تبقى منها استشراس ناهبي البلد وثرواته وإمعانهم في عنفهم كي يبقوا على سدِّة الحكم، فقد انتصبت أمامها مهمة إضافية شديدة الصعوبة في الظرف الحالي والمستقبل القريب، وإن كان لا مندوحة عن العمل لتنفيذها للخروج من المستنقع الآسن الذي يجد السوريون أنفسهم فيه، وتتلخـَّـص هذه المهمة ببساطة شديدة، في إعادة خلق نقابات عمـَّـالية ومهنية وفلاحية مرتبطة بجماهيرها ومستقلة عن كل سلطة تحكم، مهما كانت صبغة هذه السلطة وبرنامجها، وغير مدجـَّـنة وخاضعة بالترهيب والترغيب.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني