د. عبد الله حنا: بين سلفيتين
بين سلفيتين
سلفية نهضوية تنويرية آيلة إلى الزوال
وسلفيات "جهادية".. عنفية.. متحجرة.. ظلامية
قامت "السلفية النهضوية" في ظروف داخلية (اجتماعية) تميّزت ببداية ظهور طبقة (أو فكر طبقة) بورجوازية منتجة, مرتبطة بأرضها ووطنها, وتستحوذ على تفكيرها هموم تجاوز التخلف واللحاق بركب الحضارة الغربية البورجوازية, والاستلهام من أفكار عصر النهضة الأوروبية في مرحلة الرأسمالية المبكرة التقدمية قبل دخولها عصر الامبريالية والاستبداد والطغيان.
أما السلفية "الجهادية" العنفية.. الظلامية " فهي وريثة السلفية التقليدية لابن تيمية وابن قيّم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، التي تكوّنت في مناخ هيمنة الإقطاع العسكري السلجوقي المملوكي ومن ثمّ في مناخ بادية نجد والتطلع للإستقلال عن الهيمنة العثمانية الإقطاعية.
وهنا يمكن رصد الأمور التالية:
تزامن انتعاش هذه السلفيات واسهم في صعودها الظواهر التالية:
- انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار شعبية الأفكار الاشتراكية.
- تعثّر حركة النهضة العربية وفشل الأنظمة، التي سعت لتحقيق بعض المنطلقات الاشتراكية نتيجة سيطرة البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية على تلك الأنظمة. وبعد هزيمة هذه الأنظمة أمام العدوانية الصهيونية انفتح الطريق رحبا أمام تيارات الإسلام السياسي.
- ظهور النظام الدولي الجديد وبروز العنجهية الاستعمارية الأميركية.
- دور العدوانية الصهيونية واستفزازات الأصولية اليهودية في دفع الأصوليات الاسلامية إلى ردود الفعل الدفاعية والابتعاد عن التلاقح الحضاري, الذي عرفه تاريخ الاسلام في عهوده الزاهرة.
- اتساع الهوة الحضارية بين الشرق والغرب, الذي أسهم في ترسيخ جملة من المفاهيم المنكفئة إلى عصور الماضي.. عصور خفوت وهج الحضارة العربية الاسلامية وسيادة اللاعقلانية والفكر الغيبي .وهذا ما تنهل منه السلفية في عصر التراجع النهضوي ظانة أنها تستخدم سلاحا بتّارا في مقارعة الهيمنة الاستعمارية, التي تسميها الهيمنةالغربية أو الغزو الصليبي أواليهودي.
وترى "السلفية الجهادية العنفية" في آرائها قطب الرحى العالمي، وتعتبر نفسها وتاريخها محور العالم ومركزه. وهذا الموقف هو ردّ فعل مقلوب للإديولوجية الاستعمارية, التي ترى في اوروبا وتاريخها مركز العالم ونقطة انطلاقه قديما وحديثا.
وقد افرزت هذه السلفية تيارات عدوانية متطرفة ترفض الرأي الآخر متعالية عليه. وهي في الوقت نفسه منغَلِقة على نفسها ولا ترى في الحضارات الأخرى إلا "دار حرب" أو "دار كفر"، بعكس مواقف سلفية عصر النهضة ونظرتها الانسانية إلى الحضارات الأخرى. فصاحب "المنار" الشيخ محمد رشيد رضا أحد اركان التيار السلفي النهضوي اكّد عام 1900 على: "الرجوع إلى السلف ويستتبع هذا مجاراة الغربيين في جميع علوم الدنيا وفنونها".
ومن صفات "السلفية النهضوية" الظواهر التالية:
التسامح (في معظم الأحيان).. سعة الصدر.. الانفتاح على تيارات الحضارة العالمية.. احترام الرأي الأخر (نسبيا) والدخول في حوار معه.. وتجلى ذلك في الحوار مع التيار الليبرالي العلماني في سجال فكري اختلفت درجة حرارته من فترة إلى أخرى.
وعلى العكس من السلفية النهضوية يسود في أوساط "السلفية الجهادية" دعاة التحجر والانغلاق الفكري وهدم العقل، الذين يحاربون أية دعوة إلى الانفتاح على التجارب الانسانية الخصبة والاستفادة منها, بالاضافة إلى تكفيرهم لمعارضيهم كائنا من كانوا.
هذه السلفية سارت في عدة طرق:
- طريق السلف، الذي ظهر في ظروف معينة. وهو متمسك في الوقت نفسه بحرفية النص لا يحيد عنها قيد أنملة.
- طريق الجهاد، الذي تكوّن في موازاة حركة التحرر القومي العربي منافساً لها ثم حالّاً محلها في مقارعة الاستعمار. ولكن طريقة النضال الوطني أو القومي لحركة التحرر العربية اختلفت عن اسلوب السلفية وفهمها للجهاد. فحركة التحرر العربي نظرت إلى الاستعمار بصفته أعلى مراحل الرأسمالية وأحد الوسائل الإقتصادية للهيمنة واستثمار العالم. أما السلفية الجهادية فتغمض العين عن الدوافع الإقتصادية للاستعمار وتنظر إلى الأمر على أنه إمتداد للغزوات الصليبية مهملة أسبابها الإقتصادية ومضخّمة من دوافعها الدينية. كما أن هذه السلفية الجهادية لا ترى في الإحتلال الصهيوني لفلسطين إلا مجرد صراع بين الإسلام واليهود ،مهملة علاقة الصهيونية بالرأسمالية في أعلى مراحلها، الإمبريالية.
ولا يخفى ان صعود السلفية بمختلف تياراتها في أواخر القرن العشرين حدّ من نشاط الأحزاب العلمانية وأضعفها لصالح أحزاب الإسلام السياسي.