كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. عماد فوزي شعيبي: عقدة (نكوص) الماضي في التكوين البشري- (الحلقة الثانية)

القطع مع الماضي:
في المجال الابستمولوجي هنالك ثلاثة طرق للقطيعة Rupture المعرفية مع الماضي:
1. القطيعة الكاملة تماماً كما فعل غاليليو وكوبر نيكوس بالقطع التام مع موضوعة بطليموس التي كانت تقول إن الأرض مركز الكون، واستمر عليها بالزمن الأفقي (من الماضي إلى الحاضر...) الملايين عبر آلاف السنين. كان لمواجهتها بالقول إن الأرض جرم صغير يدور حول الشمس أن سبب نبشاً لعقدة الائتلاف والاعتياد وتقديس (ثقافة قالوا له) الآتية من الماضي، وكان أن دفع غاليليو ثمن القطع الكامل معها، وبعد مرور نحو أقل بقليل من أربعة قرون اعتذرت الكنيسة عما فعلته به. حيث حكمت عليه المحكمة عام 1633 بأنه يعترض على ما جاء في الإنجيل، على الرغم معارضة جاليليو لهذه التهمة معللًا أنّ نظريته لا تعارض ما ورد في الإنجيل، وينقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام:
* اتهام غاليليو بالاشتباه بالهرطقة
* الحكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه السلفيين، وفي اليوم التالي خف الحكم إلى الإقامة الجبرية
* منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة.
وظل غاليليو منفيا في منزله حتى وافته المنية في 8 يناير 1642، وتم دفن جثمانه في فلورانسا. وقدمت الكنيسة اعتذارا لجاليليو عام 1983.
كان هذا أنموذجاً للثمن الذي يمكن أن تدفعه حالة القطع الكامل، مالم تكن مترافقة بمناخ تغيير عام ثوريّ يحمي الأفكار الجديدة.
2. القطع بالتغليف والاحتواء (Envelopment):
كأن تأتي أفكار جديدة تحتوي الأفكار القديمة، فتصبح الأفكار القديمة جزءاً من الأفكار الجديدة؛ تماماً كما قطعت فيزياء اينشتاين مع فيزياء نيوتن وأصبحت الأخيرة جزءاً من فيزياء أينشتاين دون أن تلغيها. أي احتوتها وغلّفتها.
هذا النوع من القطع مع الماضي بالاحتواء ممكن فقط في حال كانت الأفكار الجديدة تطويراً علميّاً لنظرية علميّة، لكن الجمع بين أفكار أسطورية أو خرافيّةأو ماضوية أو دينيّة أو غير علميّة ... مع العلمية لايُعتبر بمثابة قطع بالاحتواء لعدم تجانس الحقلين معرفيّاً، وهو كمن يجمع الزيت والماء، أو الفاكهة والدسم، فإذا ما أقدم البعض على هذا النوع من الجمع فإنه يقوم (بالتلفيق) المعرفي لا بالقطع المعرفي.
3. القطع بالتضايف Complimentary والتعايش: يحدث أن يتم القطع مع المعرفة الماضية والمعرفة الجديدة النقيضة لها، بالجمع بينها وبين نقيضها (العلمي حصراً) والمثال على ذلك تم بالجمع بين الطبيعة الموجيّة للضوء والطبيعة التموجيّة. ولكن هذا القطع غير ممكن إلّا بالحالات العلمية ذات الطابع (الكمومي) أما هذا التضايف فلا يمكن بين حقلين معرفيين متضادين ومختلفين كما تم شرحه في القطع بالاحتواء.
إذاً معرفيّاً لايمكن لعقدة الماضي أن تُحلّ إلاّ بما تم ذكره. فالماضي العميق يبقى كما أسلفنا جثة هامدة يتم توهم إحياءها بالاستمرارية. وهي كلما زاد التباين بين زمنها وزمن متقدم جداً عليها، كلما غدا الماضي عقبة في وجه التطور.
نظرية القطع والتأسيس السريع:
اقترح ميكيافيل (1469-1527)، وهو أول مؤسس لعلم السياسة (باعتماد الواقع أساساً للسياسة وفصل الذات عن الموضوع) أن لاشيء أصعب وعرضةً للفشل من أن تضع للناس نظماً وأعرافَ جديدة. ولايمكن لمصلح أن ينجو بإصلاحاته إلاّ إذا استعمل السلاح. فحين يأتي الجديد ويحنّ الناس للماضي عليه أن يكون مستعدّاً لردعهم بالقوة. لكنّ المُصلح المُسلّح لا يمكن له أن يستمر مالم يصنع بسرعة نظاماً جديداً للأعراف والقيم والعادات.فالثورات والتغييرات الدراماتيكية تخلق شعوراً لدى العامة بالخواء الذي يرتبط في اللاوعي بالموت والعدم. لكن هذه الوصفة الميكيافيلية للحلّ لم تلحظ أن الاعتياد على الأعراف والقيم الجديدة لايعني الارتكاس لاحقاً للعودة إلى الأعراف والقيم الجديدة.
ومثالنا على ذلك أنه رغم توافر مناخ ثوري بعد الحرب العالمية الثانية والذي انداحت معه القيم الجديدة، في بعض العالم العربي، ورغم تواجد أحزاب ثورية حملت مشاريع للتغيير واستخدمت القوة والعنف والزجر والردع والايديولوجيا ...باسم كل ما هو ثوري، إلّا أن عطالة الماضي سرعان ما طوت أكثر من ثلاثة عقود من الثورية والتطوريّة والإصلاحيّة... و سرعان ما نكصت بكل المُنجز السابق وعادت أغلب المجتمعات إلى الماضوية السلفيّة وأبرزت حالة جماعية لمرض عقدة نكوص الماضي. بل أن تجريم العنف الذي مُورس على الجمهور وتحوّل إلى عسف وتسلّط ترافق مع الفساد والتجاوزات...مالبث أن هيأ لظهور العنف المُضاد الماضوي الذي ظهر على شكل عنف أبشع وأكثر وحشيّة وتفلّتاً من أيّ ضابط لأنه اكتنز العنف الثوري وأضاف له عنف (القداسة) و(الإطلاق).
إذاً كانت الوصفة الميكيافيلية الخطيّة لم تُجدِ نفعاً بتبسيطيتها في مُقابل تعقيد العلاقة بين الواقع والماضوية والقداسة. فإن نظريات أخرى سرعان ما طرحت نفسها للحل.

نظرية الغلاف الماضوي والمضمون الإصلاحي والتغييري:
ترى نظرية أخرى أن التعامل مع الماضي بالقطع المُباشر غير ممكن بدون سياق تقدم عام. ولهذا لابد من التحايل عليه بالقيام به بعد تغليفه بصورة الماضي؛ أي العمل على أن يظهر التغيير وكأنه امتداد للماضي (بوضع عسل الماضي في دواء التغيير؟) ليحتمل الناس شرابه. وتورد أمثلة على ذلك أن ماوتسي تونع قد لاحظ عطالة الماضي الكونفوشيوسي في المجتمع الصيني وكأنها نفسها التي كانت في القرن السادس قبل الميلاد، فرسم صورة للشيوعية مُستقاةً من الرواية الصينية القديمة التي تُدعى [حواف الماء] والتي تتحدث عن مغامر صيني كان يكافح ضد الفساد والذي تجاوز الروابط العائلية من روابط الدم إلى روابط الأخوة وقيمة القضية (مكافحة الفساد) ومناصرة المستضعفين. فرسم صورةً لجيشه على أنه امتداد لجيش المغامر سابق الذكر في رواية حواف الماء.
وهنا تعتمد نظرية الغلاف الماضوي على استثمار صورة إيجابية في الماضي لتحميلها محمولات جديدة. وبهذا يتم اعتماد مبدأ (الذكاء بالدوران) والذي يقول أنه عندما تواجهك في الحياة عقبات لاتقف عندها ولاتبكِ على حائطها ولا تنطح رأسك بها بل (عليك أن تدور عنها) وتتابع مسارك. وهو ما يدعى بذكاء الدجاجة التي إن وُضع حاجز بينها وبين الحبوب (تدور) فالذكاء هو الدوران Intelligence is the detouring.
هذه النظرية تستخدم الماضي حاملاً وهمياً افتراضياً ونفسيّاً، لا واقعياً، لما هو جديد. ولا ترتهن له. إنها محض تستسخدمه أداةً. وهنا لا تقع في محذور أن (يصالح الحاضر الماضي) لحساب الماضي.
ومن أمثلة هذه النظرية حكم وانج مانج (8-23م) للصين باسم نصوص كونفوشيوسيّة قديمة أضيف لها مايفيد أن إصلاحاته جزء من تعاليم كونفوشيوس؛ حيث الماضي كتاب مفتوح يمكن لك أن تضيف له ماتشاء مادام العامة لا يقرأون ولا يمحّصون في الأصول. وتعتبر هذه النظرية أنه يمكن اعتماد نفس الطريقة (بتأويل) الماضي لحساب مشاريع الإصلاح. ولكن من مخاطر هذه الطريقة أنها تعيد الاعتبار لقداسة النص القديم سواء بالإضافة إليه أو إعادة تأويل بعضه. وهنا فإن قداسة النص تفرض نفسها مع الوقت من جديد؛ وباعتبار أنه لايمكن تغيير أو تأويل كل ما فيها فإن مايعارض التغيير فيها وما يشكل خطراً على الحاضر والمستقبل في ثناياها وما هو متخلف أصيل فيها باعتباره من الماضي أصلاً سرعان ما ينبعث ويرتد على التغيير نفسه. فالتأويل لايمكن له أن يلغي النص الواضح. ثم إن تعزيزاً سيتم هنا لتكريس قداسة النص الماضوي وهو بدوره سيرتكس خطراً على الحاضر لأنه ببساطة سيلغيه. ولهذا فإن كان لابد من استخدام هذا المنهج فإنه لابد من استخدامه بحذرٍ شديد.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني