كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ليندا ابراهيم: سوريا بلدي...

المهد:
لطالما ذهبت تلك الطِّفلة، في منأىً عن الأهل، تستكشِفُ ذاتَها في البَرِّيَّة القريبة من ذلك المنزل البعيد الإيغال في الذاكرة، كانت تجلسُ في حاكورة البيت، أو رُجوم الأرض المجاورة، تجُسُّ أطرى الصُّخور تتفحَّصُها، تتأمَّلُها، ثُمَّ تمضغُها!
لم تكن تدري على وجه التحديد متى استهواها طعمُ تلك الصُّخور، ومتى تذوَّقتها لأول مرة وكيف، لكنها عرفتها واستطابتها، وباتت هوساً لديها كلما اشتهتها بحثت عنها وأكلتها...
نعم، كانت تأكل الصخور والحجارة من حجر يُسَمَّى محلياً "الحفحاف"، نوع من الحجر الطري، كانت تلذُّ بطعمه الهش، وتأمن لونه الأقرب إلى البياض، كانت تنتقي وتستخرجُ ذلك الفتات الصغير من الصخر، تنتقي ما لم يعلق عليه التراب، وتهشه بيديها الطفلتين، فإذا اطمأنَّت إلى هشاشته مضغته وابتلعته كما تمضغ وتبتلع الطعام...
ثمَّ، وفي مرحلة لاحقة، باتت توسع رقعة بحثها في الأراضي المجاورة والبيادر القريبة عن مثل هذا الحجر، وكثيراً ما كانت لا تستسيغ طعم أحده، فتبصقه فوراً، دليلها في البحث والاستساغة اللون والليونة والطعم.
إلى أن انتبهت الأم إلى ابنتها، فنهتها ووبختها وأفهمتها خطورة فعلتها هذه، ثم باتت تراقبها مراقبة لصيقة، وتلاحقها إلى أن أقلعت عن عادتها هذه...
ها هي ذي، ماتزال عالقة في كهوف الذاكرة، ومغاور الشغف البدئي، طفلة حنت إلى طينها، والتصقت بالتراب حدَّ خلايا جسدها وروحها...
فإلى تلك الطفلة التي من طين... القابعة في ركن خفي من روحي، والتي مع الزمن شربتُ روحها، وأشربتها النور من أصفى نبعة عرفتها، إليها ولا زالت تحتفظ بذكريات حنينٍ وشهوة لطعم ذلك الحجر-التُّراب، حنيني
الوطن ـــ الحب:
كم هي المدائن محزنة بدون حب، تحديداً المدائن التي لم تستطع أن تشذب من عشوائيات الزمن، والتي تضم في أحشائها كل ما هو مدمر وفاتك وقاتل، وبالوقت نفسه تريك كم هي فاتنة خالدة حد اشتهاء الخلود عينه.
ثماني سنوات من الأزمة ــ الحرب، لم تكفِ الجميع ليرحموا هذه الأرض وشعبها المظلوم. الجميع داخلا وخارجا، بلا استثناء، من هذا البلد غير الأمين...
ببعض الحقيقة التي هي الحب، كان يكفي طاولة بحجم قلب الوطن لينكسر قيدُ الحقد، ويكتمل عقد السلام... مَنْ قالَ إنَّ التُّرَابَ ظميءٌ فأقبَلُوا يروُوْنَهُ بدمائهم! مَنْ قال إنَّ جسدَ سُوريا مُمَزَّقٌ فجاؤوا يرفُونه بأجسادهم الصغيرة...!!؟ مَنْ قالَ بينَ أيلول و تشرين سيكُونُ غَمامٌ أسودُ ثقيل..؟!
الخلاص:
حبات المطر المنهمرة الآن من أعين الآلهة... هي نفسها دموع الرأفة برداً وسلاماً عليكِ... وهذه الرياح التي استيقظت للتو هي هي التي تبرِّد بها الآلهة جرحكِ... وهذا الخريف الأخير المساقط من عقد دمعك العقيقي الذي سيعقبه شتاء يحمل ويحضن بذور الخير والنماء لكِ ولأبنائهم من بعدهم، هم الذين افتدوك ولم يروكِ وقد ازدنت بشقائق النعمان، وارتديت ثوباً من الأرجوان كان جدي السُّوريُّ الأكبر قد أوصى عليه كبير الآلهة ليعمدك به بعد طول عناء...
أيتها المخلِّصة الفادية الواهبة الخالقة... لقد شاخ جسدك وتفسخ لكن روحك تتجدد الآن بأرواحهم... فانهضي من كفنك.. ها هو وجه حبيبي يطلع من بين شقائق النعمان صارخاً منقذاً عاشقاً.. ها قد شارفت سنيك العجاف على الانتهاء وهذا المطر يعد بسنين خضراء وارفات...

سلامٌ على أرواحِكُمْ... أيُّها السُّوريُّون السُّوريُّون السُّوريُّون...الذين من صميم براءتكُم وطهركُم ووفائكُم يولد كلَّ فجرٍ صبحٌ جديد...سلامٌ على روحك أيتها الأم العظيمة النَّازفةُ جرحَ الأبد...سلام على أرواح بنيك الأبرار الأوفياء الأنقياء البريئين... سلام على أرواحكم أجمعين...
 
الثورة
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني