كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. عبد الله حنا: البعث العربي

هو حصيلة هو إحدى محاصيل النضج في مسار النهضة العربية، التي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، وقُطفت ثمارها في منتصف القرن العشرين. وكان من هذه الثمار حركة البعث العربي، التي أينعت في أربعينيات القرن العشرين على يد عدد من المثقفين.
وعلينا أن نميّز بين هذه الحركة التنويرية القومية في مطلع شبابها وبين البعث، الذي استولى عليه العساكر و أصبح مطيّة في أيديهم سواء في سورية أو العراق، وكانت طامته الكبرى باحتلال صدام حسين سُدّة الرئاسة في بغداد.
وسنكتفي اليوم في عرض حياة ثلاثة من مؤسسي الحزب ونشاطهم:

أولا
ميشيل عفلق
ميشيل عفلق المولود في دمشق 1910 وخريج السوربون ومدرس التاريخ في تجهيز (ثانوية) دمشق بعد عودته من باريز 1933، أسس حركة "الإحياء العربي" عام 1941 ومنذ سنة 1941 بدأ يتردد في كتابات عفلق تعبير "الرسالة العربية الخالدة"، كما أخذ يتردد أيضاً في مقالاته اسم "البعث". وجعل عفلق قضية سورية جزءاً متفرعاً عن قضية الأمة العربية والقومية العربية.
بعد وصول حزب البعث إلى السلطة في 8 آذار 1963 بفضل العسكر أخذت أجنحته في الاقتتال، مما اضطر عفلق إلى مغادرة سورية عام 1966 واللجؤ إلى لبنان ومنه إلى بغداد عام 1975 حيث وضعه عساكرها واجهة مدنية بعثية لا نفوذ لها. وعندما توفي عام 1989 أُقيم له في بغداد قبر منيف دُمّر عام 2003 بعد سقوط حكم البعث العراقي.

ثانيا
صلاح البيطار
ولد البيطار عام 1912 في حي الميدان بدمشق في أسرة لها مقامها الديني, اشتهر منها عمّه الشيخ عبد الرزاق البيطار وهو من العلماء المجتهدين، الذين جرت محاكمتهم في دمشق عام 1896، كما رأينا. وهنا لا بدّ من التساؤل: هل هي محض مصادفة أن يتحدّر صلاح البيطار من أسرة رفعت راية الإنعتاق الفكري، متمثلة بالشيخين المتنورين عبد الرزاق البيطار وبهجت البيطار؟
وفي رأينا أنّ البيطار الثالث صلاح هو امتداد للبيطارين السلفيين النهضويين بوجه قومي.
أوفدت الدولة البيطار إلى فرنسا ليختصّ في تدريس الفزياء. وهناك اضطلع كأقرانه من الطلاب السوريين على الثقافة الأوروبية وتوثقت الصلات بينه وبين عفلق وعاد إلى دمشق مدرسا في ثانويتها ورافعا راية القومية العربية. ترك البيطار التدريس كرفيقه عفلق لينصرف لبناء حزب البعث، وتولى رئاسة تحرير جريدة البعث. عام 1954 انتُخِب نائبا عن دمشق وتولى عام 1957 وزارة الخارجية، و أسهم في قيام الجمهورية العربية المتحدة، ولكنه سرعان ما شرع، كمعظم رفاقه من البعثيين، ينتقد سلبيات الحكم. وعندما انفصلت سورية عن مصر عام 1961 كان من الموقعين على وثيقة الإنفصال، و لكنه ما لبث ان تراجع عن توقيعه. و بعد وصول البعث إلى السلطة "بهمة" العسكر تولى البيطار رئاسة الوزارة أربع مرات. و أخيرا حطّ الرحال في باريز هربا من الإعتقال، وأنشأ مجلة الإحياء العربي, و أصبح قطبا معارضا مرموقا، إلى حين إغتياله في مكتبه في باريز في 21 تموز 1980

ثالثاً

جلال السيد
إلى جانب عفلق والبيطار برز جلال السيد أحد القياديين البارزين في المؤتمر التاسيسي لحزب البعث عام 1947. في كتابه "حزب البعث العربي" الصادر عام 1973 يذكر السيد ان الحزب نشأ في نيسان 1942 عندما قدم إلى دمشق و أقام فيها طوال ثلاثة اشهر. و كان يلتقي يوميا بالسيد عفلق ويتبادلان الآراء.
ويذكر جلال السيد أن أفكار البعث جذبت "طلاب الأقليات الاسلامية والمسيحيون..." كما "...استهوى الحزب لمدة من الزمن بعض شيوخ القبائل ووجهاء المدن". ومن هؤلاء جلال السيد الذي نشأ وترعرع في بيئة قبلية. وفي لقاء لنا مع السيد في دير الزور، سألته: كيف استطاع التوفيق بين قاعدته الانتخابية العشائرية وفكره القومي؟ فأجاب بعبارات طويلة مبهمة لم أدونها في دفتري أثناء اللقاء به.
***
النشاط الفكري السياسي لعفلق
في 24 تموز 1943 أذاع ميشيل عفلق بصفته مرشح دمشق للمجلس النيابي، عن المقعد المسيحي، بياناً جاء فيه: "ندخل الانتخابات، لا باسم طائفة، ولا مدينة، ولا مصالح قريبة أو ظروف سياسية عاجلة، بل باسم فلسفة قومية نريد أن تكون إفصاحاً صادقاً عن الحياة العربية في حقيقتها الخالدة".
ومع أن حركة البعث هي حركة علمانية، إلا أن ميشيل عفلق سعى في خطابه على مدرج الجامعة السورية في نيسان 1943 بعنوان: (ذكرى الرسول العربي) أن يلقي الأضواء على اللقاء بين القومية والدين الإسلامي بهدف كسب عواطف المؤمنين المسلمين.
"إن الفروق الطائفية" قال عفلق: "أبعدت قسماً هاماً من العرب (يقصد المسيحيين –ع. ح.) عن روح بلادهم وتقاليدها وجعلتهم شبه غرباء في وطنهم، وأضعفت بالنتيجة مساهمتهم في الحركة القومية. فنريد أن تستيقظ في المسيحيين العرب قوميتهم يقظتها التامة ، فيروا في الإسلام ثقافة قومية لهم، يجب أن يتشبعوا بها ويحيوها".
***
المؤتمر التأسيسي لحزب البعث
وبعد مخاض دام عدة سنوات انعقد المؤتمر التاسيسي الأول لحزب البعث العربي في نيسان 1947، و الذي ضمّ أعضاء الحزب وعددهم حوالي مئتين من المثقفين وذوي المهن الحرة..
أقرّ المؤتمر دستور حزب البعث العربي مع مقدمة مؤرخة في 17 حزيران 1947 وموقعة من ميشيل عفلق عميد الحزب وصلاح الدين البيطار أمين الحزب العام. ويتصدر المقدمة التعريف التالي:
حزب البعث العربي منظمة سياسية, قومية, شعبية, اشتراكية, انقلابية تأسست عام 1359 هجرية – 1947 ميلادية شعارها: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني