عبد الكريم الناعم: من الذّاكرة 37
-في عام 1948 تعرّفْنا على أفواج من الفلسطينيّين الذين هجّرهم الصهاينة من بلادهم، بدعم بريطاني، وبتآمر من عدد من "حكّام العرب" آنذاك، وكانت أفواجهم تمرّ بتلك القرية، عبر القطار، وأهل تلك القرية، على فقرهم، كانوا يطبخون ما بين أيديهم، ويخبزون، ويخرجون لملاقاة أخوتهم اللاّجئين، وفي تلك المعركة التي دارت بين بعض الجيوش العربيّة وقوى الصهاينة، استُشهد أوّل واحد من أبنائها ضابط الصفّ الشهيد أحمد رحّال، وحين يُجرى عرض لعيد الشهداء، وتمرّ المدرّعات، كنّا ننتظر المدرّعة التي حملت اسم ذلك الشهيد، ذلك في تلك الأيام، أمّا اليوم ففي كلّ بيت شهيد، أو أكثر، بعد هذا الغزو الصهيو أمريكي الأعرابي،
- بعد سنتين أو أقلّ من ذلك التاريخ كنتُ وابنا عمّتي لأمر ما في "باب السوق"، وتشاجرتُ أنا وأحدهما، واشتبكنا بالأيدي، فنهض أحد التّجّار من دكّانه، وفصل بيننا، ونظر إلى ثيابنا وهيئاتنا فقال: "إنتو, فلسطينيّة وْلاك"، لم نردّ بل غادرنا دون كلام، فكان أوّ ل ريح فلسطينيّ يعلَق بي، باكراً
-قبل نكسة حزيران 1967 استطاع إعلام المقاومة الفلسطينية أن يرفع من معنويّات الكثيرين، وأنا منهم، وفي البال فيتنام، وثورة الجزائر، فكتب معظم الشعراء العرب، وأنا منهم ما كتبوا لفلسطين، وللأمّة، وللقضيّة، ولقد اكتشفْنا، ولكنْ بعد فوات سنوات مديدة، أنّ إمكانات الاعلام الفلسطيني كانت أكبر من قدرته القتاليّة بكثير، وأنّ تفاؤلنا على نظافة توجّهه كان أكبر بكثير ممّا تكشّفتْ عنه الأحداث المتتالية، في الأردن، وفي لبنان، وأخيرا في سوريّة.
في الغزو الأخير الذي تعرّضت له سوريّة، شارك فيه، للأسف، فصيل فاسطينيّ ذو مرجعيّة أخوانيّة،
-في عام 1973 كنّا في تونس في مؤتمر للأدباء العرب، ويُقام ضمن نشاطاته مهرجان شعريّ، وبعد يومين من وصولنا جاء أحد أخوتنا التّوانسة وقال لي: "هناك شاعر فلسطيني عراقي يسأل عنك"، وسألته عن اسمه فقال: "خالد علي مصطفى"، وهو شاعر فلسطينيّ نزح إلى العراق، وعاش فيه حتى تُوفي رحمه الله، حين التقينا وجلسنا في بهو فندق "البُحيرة" في العاصمة التونسيّة، بادرني بحميميّة وقال: "أخي ..عبد.. (بلهجته الفلسطينية)، أنا أعددتُ دراسة تعريفيّة ونقديّة عن الشعراء الفلسطينيّين، وقد أنجزْتُها، والوحيد الذي لا أعلم مكان ولادته في فلسطين هو أنت"، ابتسمت برضى، وقلت له: "يا صديقي، يُسعدني جداً أن تعتقد أنّي فلسطينيّ من خلال قصائدي المنشورة، ولكنْ.. أنا لستُ فلسطينيّ المولد، أنا سوريّ المولد، عروبيّ العقيدة، تقدّمي، وحدويّ، ولفلسطين في وجداني، ككثيرين من الشعراء العرب، ما يليق بأنّها القضيّة المركز لهذه الأمّة"، نظر إليّ مفاجَأً وقال: "ماذا أفعل بما كتيبُه عنك، وهو جاهز للطباعة"؟!! قلت: "تستلّه وتُلغيه لتحافظ على وحدة المقصد من كتابك"، فظهرتْ على وجهه ملامح أسى شفّاف،