كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

علي مخلوف: سورية بين هُبل وعشتار

عاد هُبل واللات والعزة بعد غياب، حضرت تلك الأصنام في أدمغة كثيرين يربطون كل فعل فني او تعبير عن رأي وكأنه هجوم على إرث الأولين والآخرين، صاحت حناجر البعض ضد آلهة الجمال عشتار، وكأنها صاحبة راية حمراء تدعو للبغاء، جسد لآلهة قديمة منقوش على جذع شجرة اعتُبر إثارة لغرائز المؤمنين يهدف لحرفهم عن جنة أنهار الخمر والعسل والحور العين اللواتي يمتلكن أجساداً لا تحلم حتى مجلة بيبول للمشاهير بوضعها على غلافها.

في الأربعينيات من القرن المنصرم كانت سورية بشكل عام ودمشق على وجه الخصوص عاصمةً للثقافة والأدب والصالونات الفكرية والسياسية، لم يكن للسواك والبرقع وكتيبات التكفير أي رواج، مرت عقود وإذ بنا نعود إلى الوراء، اتى زمهرير الربيع العربي محملاً بغبار الوهابية والسلفية الصحراوية ليعيد الروح إلى أصنام الجاهلية في نفوس كثيرين.

إزالة جسد عشتار عن الشجرة بجانب المتحف الوطني، أعاد ذاكرة البعض إلى مشاهد تدمير التماثيل الأثرية المجسمة من قبل داعش والنصرة، تدمير الرمزية الفنية والتاريخية هذه المرة لم يكن من قبل إرهابيين بل بمطالبة جزء من السوريين لهم وجهة نظرهم المتدينة وهم موالون للدولة لكنهم متمسكون بالتراث الديني سواءً كان جزءاً صحيحاً من الإسلام أم موروثاً اجتماعياً.

إن كان جذع شجرة سيثير شهوات البعض فتلك مشكلة ثقافة وبيئة، البعض رأى الموضوع من منظور أخلاقي كونه يظهر جسد امرأة عاري، والبعض الآخر نظر للأمر على أنه عمل فني تاريخي وحضاري، وبين هذه وتلك يستمر الغرب في إجراء أبحاث عن المريخ، والصين في استكشاف الوجه المظلم للقمر، فيما تعود أصنام الجاهلية العربية لتعلن الحرب على آلهة الرفادين و حوض المتوسط القديمة فتقسم الشارع السوري نصفين.

لن يهطل المطر بمجرد إزالة جسد عشتار عن جذع شجرة، وهو قطعاً ليس فتحاً مبيناً للدين الذي لم يكن في يوم من أيامه معادياً للثقافات والحضارات، ولن تنزل الحور العين غاضبات ثأراً من عشتار التي نافستهن بجسدها الفتان لجذب عقول المؤمنين وحرف طريقهم عن جنة الملذات الأخروية.

لن ينتشر الخسف والكسف بيننا بسبب جسد عشتار، فالحرب ومظاهرها البائسة وما قع فيها كفيل لتلقيننا كل درس، مآسي تلك الحرب اكبر بكثير من غضب السماء عند المؤمنين على نحت عشتار، وقطعاً لن يأتي راشبو إله الطاعون والأوبئة ليرد الإهانة عن عشتار، ولن يهبط بعل إله المطر والصواعق والرعد عقاباً على ما حل بمحبوبة الآلهة الخيالية القديمة.

الحرب ليست بين الآلهة القديمة، بل هي بين عقول وبيئات، لكن للحقيقة إن كان وصف الحور العين التفصيلي في الجنة مجازاً ولا يثير الشهوات، فهل سيثيره جسد عشتار الرمزي على جذع شجرة؟

علي مخلوف

وكالة آسيا

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني