كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مروان حبش: البعث والثورة اليمنية

   س - كان لتنظيم حزب البعث العسكري والمدني دورٌ رئيس في ثورة اليمن 1962، ونقد الحزب وبعض القوى التقدمية، الجمهورية العربية المتحدة بأنها استأثرت بإدارة شؤون الثورة بعد نجاحها، دون أن تشرك معها أنظمة وحركات تقدمية لمساعدتها في الوقوف أمام الهجمات العاتية من الملكيين والمرتزقة المجندين بدعم من السعودية والأردن وإيران والرأسمالية العالمية والصهيونية.

متى استطاع حزب البعث وحكومته في سورية رفد الثورة اليمنية؟

فوجئ العالم بانقلاب القوات المسلحة اليمنية ضد حكم الإمام أحمد حميد الدين في أيلول 1962 بقيادة المشير عبد الله السلال، وتلقت السعودية الحدث بالاهتمام الشديد، لا لأنه حدث ثوري انقلابي يشكل خطراً مستقبلياً على دول الخليج فحسب بل لأن القاهرة لم تكن بعيدة عنه، فسارعت الرياض للتصدي للسلال بسرعة ووضعت في حساباتها أسوأ النتائج.

إن التطورات الدولية وقوى الصراع الجديدة ذات المصالح في المنطقة، وكذلك الصراع الحقيقي بين القوى والأنظمة العربية التقدمية التي تناضل من أجل التخلص من كل أشكال التبعية من ناحية، وبين أنظمة الأسر العربية الرجعية المستبدة والمستبيحة لكل ثروات البلدان التي تحكمها والمستقوية بالخارج لحمايتها وما تقوم به هذه الأنظمة لتنفيذ كل مخططات أعداء التحرر والتقدم العربي من ناحية ثانية، هو الذي فرض واقعه على الساحة اليمنية بعد الثورة.

   إن موقف الأسرة السعودية المعادي للثورة اليمنية، هو موقف الرافض لأي تغيير تقدمي يحدث في البلدان المحيطة بها، وتعاونت السعودية مع كل القوى المعادية للأمة العربية لإجهاضها، وهي تدرك تماما بأن القيادة المصرية لا يمكن أن تفكر بغزو السعودية أو تزج نفسها بمغامرة كهذه، ولعل قرار الرئيس العراقي بدخول الكويت وما أعقب هذا الدخول، يدل على ما يمكن أن تقوم به دول الاحتكارات النفطية تجاه من يجرؤ على المناطق التي تعتبرها تلك الدول ضمن أمنها القومي.

لقد كان النظام الإمامي في اليمن يحاول أن يضفي على سياسته الخارجية والعربية سمة من التحرر واصطناعاً للتناقض بينه وبين الأنظمة الملكية العربية الأخرى، ومن هذا السياق وقّع الأمير سيف الإسلام البدر ولي العهد اليمني مع الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة في دمشق بتاريخ 8 / 3 / 1958ميثاق اتحادٍ عُرف بـ (اتحاد الدول العربية المتحدة)، وعينت أمانة عامة له، وسمي الأستاذ إحسان الجابري أميناً عاماً له. بينما كان هذا النظام يتابع سياسة داخلية تُبقي على التخلف، ويقمع أية بادرة شعبية أو تطلّع نحو التقدم .

وقع انقلاب الجيش اليمني على النظام الإمامي في 26 أيلول من عام 1962م، واستقبلته السعودية منذ اللحظة الأولى بموقف عدائي سافرٍ، وأحاطت ولي العهد الإمام البدر وقوى التخلف المنهارة برعايتها وتشجيعها رغم ما كان بينهما من خلاف تاريخي، واعتبرتْ قضية الإمامة قضيتها ودعمت فلولها بالسلاح ودفعت المال بسخاء لاستمالة شيوخ القبائل، وتجنيد المرتزقة، كما أنها عمدت في بعض الأحيان إلى زج قواتها المسلحة للقتال داخل الأرض اليمنية، وكان هذا الدعم منسقا مع القوى الاستعمارية وإسرائيل وإيران والدول العربية الرجعية وخاصة مع الأردن، وقد ازدادت وتيرة الدعم بشكل كبير بعد عزل الملك سعود وتولي الملك فيصل شؤون المملكة.

قال القاضي الإيرياني في تصريح له بتاريخ 30/12/1963 : إن السعودية والاحتكارات البترولية وراء المرتزقة، وإننا أحبطنا هجوم وكلاء الإمبريالية والرجعية ... ولن نحيد عن صيانة الجمهورية .

كما أكد الدكتور محسن العيني « الممثل الشخصي للقاضي الإيرياني وسفير اليمن في الأمم المتحدة »:« بأن طائرات إيرانية أسقطت الأسلحة في ثلاث مناطق يمنية، وأن مرتزقة من الطيارين البريطانيين ينضمون إلى سلاح الطيران السعودي».

وكشفت الوثائق والشهادات الشخصية، كما يؤكد " أريك رولو " الذي استطاع التنقل بين مواقع الإمام البدر، عن وجود عناصر إسرائيلية ضمن قوات المرتزقة، وأن إسرائيل قامت بعمليتين لدعم قوات الإمام، الأولى عام 1964، وأطلق عليها اسم " مابجو " حيث قام الطيران الإسرائيلي، الذي كان ينطلق من قاعدة في جيبوتي، بخمس عشرة طلعة ألقى خلالها أسلحة وذخائر لقوات الإمام، والثانية عام 1965، وعرفت باسم "البساط السحري" تم فيها نقل أفراد وكميات كبيرة من الأسلحة، من غيران وعبر السعودية إلى قوات الإمام على الحدود السعودية اليمنية.

كان حزب البعث يؤكد أن قضية الثورة اليمنية تهم مجموع الصف العربي التقدمي، لا الجمهورية العربية المتحدة وحدها، فالظروف في أواخر 1962 قد أملَتْ على الرئيس عبد الناصر أن يبادر إلى عمل منفرد في اليمن لدعم الثورة اليمنية الوليدة، ولكن بعد أن تغيرت أنظمة الحكم في بعض أقطار الوطن العربي لصالح قوى التقدم والتحرر، مثل الجزائر، العراق وسورية. ورأى الحزب أن من واجب الجمهورية العربية المتحدة إفساح المجال والسعي لإشراك مثل هذه الدول لحسم مسألة الصراع لصالح قضية الثورة، خاصة وأن قوات الجمهورية العربية المتحدة والقوات الجمهورية اليمنية تواجه قوات القبائل الموالية للبدر والمرتزقة وقوات من السعودية والأردن مع دعم أميركي بالأسلحة مما لا طاقة للجمهورية العربية المتحدة عليه، ولهذا، فإن تكوين قوة عسكرية عربية مشتركة من الدول المؤمنة بقضية الثورة هو الحل الممكن والأمثل، باعتبار أن العدوان على اليمن الجمهوري لم يأخذ الأبعاد التي أخذها، إلا نتيجة للتدخل الخارجي الرجعي والاستعماري الذي كان يهدف لا إلى تصفية الثورة اليمنية فحسب، بل أيضاً، وعبرها، إلى ضرب الجمهورية العربية المتحدة واستنزاف قواها، وإضعاف طاقتها الثورية من جهة، وضرب كل إمكانية لمبدأ وحدة الثورة العربية في المستقبل، من جهة أخرى، هذا المبدأ هو الذي دفع الجمهورية العربية المتحدة بالأصل إلى تحمل التضحيات الكبيرة في سبيل دعم الثورة اليمنية.

استغل الملك فيصل من ناحية ظروف الحرب اليمنية بين الجمهوريين والإماميين، ومن ناحية أخرى الأخطاء التي وقعت فيها الثورة نتيجة التسلط وروح الهيمنة التي كان يتصرف بها كبار الموظفين المصريين، وما خلّف ذلك من ردود فعل للثوار اليمنيين الحقيقيين وبين كبار رجال الجيش والإدارة المصرية، الذين تجاهلوا هذا التناقض بتماديهم بالتعاون مع شخصيات انتهازية أو مأجورة، وكان من نتيجة ذلك إبعاد الثوريين عن الثورة وانتشار خيبة الأمل في صفوفهم من إمكانية انتصار الثورة.

منذ عام 1964بدأ الخلاف مع السلال والإدارة المصرية من جهة وبين فريق من الجمهوريين وقادة الثورة الحقيقيين من جهة أخرى، على النهج والممارسة والتدخل المصري في كل شأن باليمن، سياسياً كان أم مالياً، أو اجتماعياً، أو ثقافياً، وهذا التدخل قادهم إلى ارتكاب أخطاء غير مقبولة.

عُقد في مدينة " خمر " مؤتمر قرر تشكيل وزارة برئاسة أحمد محمد النعمان، ولكن الرئيس عبد الناصر اعترض عليها، وخاصة على تعيين محسن العيني ( البعثي) -حسب قول الرئيس ناصر- وزيراً للخارجية فيها، وصدرت تصريحات تهديد لهذه الوزارة وتم استدعاؤها إلى القاهرة في 16 / 9 / 1966، وفي القاهرة صدرت الأوامر باحتجازها واحتجاز من حضر مع أعضاء الوزارة من الزعماء وقادة الجيش والزعماء السياسيين اليمنيين كالقاضي الإيرياني والفريق العمري، كما جرت اعتقالات وتصفيات جسدية لبعض المناضلين داخل اليمن، وأعقب ذلك إقالة الوزارة وإعادة المشير السلال إلى اليمن.

في وسط هذا الجو الممتلئ بالتناقضات، عُقد في 12 آب 1965 مؤتمر في الطائف بين مشايخ وزعماء من الصف الملكي وزعماء ومشايخ من الجمهوريين المعارضين للممارسات المصرية وللسلال، وخرج هذا المؤتمر بقرارات كان أبرزها :

إنهاء الملكية.

إنهاء عهد السلال.

قيام دولة في اليمن تشمل الجميع ما عدا بيت حميد الدين والسلال.

ولكن بعض الزعماء والمشايخ الجمهوريين الذين حضروا المؤتمر تراجعوا عن الاتفاقية بعد عودتهم إلى اليمن.

ودفع هذا الواقع، إضافة إلى إطالة أمد الحرب التي أرهقت الجمهورية العربية المتحدة عسكرياً ومالياً، الرئيس عبد الناصر إلى التفكير بالصلح مع الملك فيصل، فكان مؤتمر جدة ما بين 22-24 آب 1965 والاتفاقية التي صدرت عنه بتوقيع الرئيس ناصر والملك فيصل، والتي تمت بمعزل عن إرادة الثورة اليمنية وجماهيرها المقاتلة، وكان من أهم بنودها :

إلغاء النظام الملكي.

استبعاد أسرة حميد الدين.

إنهاء دولة السلال.

إقامة دولة في اليمن تشمل الجميع.

واتفق الرئيس عبد الناصر مع الملك فيصل على عقد مؤتمر في مدينة ( حرض ) في اليمن يضم وفدين أحدهما جمهوري والآخر ملكي، باستثناء من اتفق على استبعادهم، وفي هذا المؤتمر يعلن الوفدان الاتفاقية باسميهما ويطبقونها.

عقد مؤتمر حرض في 26 تشرين الثاني 1965 وكان الوفد الجمهوري برئاسة القاضي عبد الرحمن الإيرياني، والوفد الملكي برئاسة أحمد محمد الشامي، وكان الفشل مصير هذا المؤتمر .

استغل الملك فيصل هذه الاتفاقية إلى أبعد الحدود، وتصور بذلك أنه قد حقق أول نصر له على القوى والأنظمة التقدمية، وانطلق في خطته مستثمراً نصره، خاصة وأن هجمة استعمارية جديدة في العالم قد رافقت تسلّم فيصل شؤون المملكة، وقد مهد لهذه الهجمة وتبعها مباشرة ظهور الدعوة إلى تأسيس حلف إسلامي، يضم بالإضافة إلى الدول الرجعية العربية الأنظمة الرجعية الأخرى التي تدين أكثرية شعوبها بالدين الإسلامي.

كان حزب البعث يرى أن مشكلة الثورة اليمنية، ورغم اتفاقية جدة، مازالت معقدة ومتعثرة لاستمرار التدخل الرجعي الاستعماري المتمثل بسياسة شرق السويس من جهة، وبسبب استمرار التناقض بين القوى والأنظمة العربية التقدمية من جهة ثانية، ورغم الجهود التي بذلها الحزب لإقامة التمثيل الدبلوماسي مع اليمن، والعلاقات الجيدة مع عدد كبير من القوى الجمهورية اليمنية، والدعم المادي في جميع المجالات الذي كانت تقدمه سورية، خاصة بعد زيارة الوفد اليمني برئاسة حسن العمري وكان في عضويته القاضي الإيرياني ما عبر عنه البيان المشترك بين سورية واليمن بتاريخ 9 تشرين الأول 1965، واللقاء مع القاهرة، ولكن ذلك كله لم يستطع أن يجعل للمبادرات التي قام بها الحزب بالمشاركة بإيجاد الحلول والمرتسمات العملية المجدية ودفع الأمور على طريق الخلاص، إلاّ بالتخلص من العقلية التي تدار بها شؤون الثورة، وضرورة رص صفوف جميع القوى التقدمية العربية في داخل اليمن وطرح قضية الثورة اليمنية في الفضاء الثوري العربي.

وكان الحزب يرى، أيضاً، أن أي بحث عن حلّ للمسألة في إطار موضعي سيؤدي إلى تثبيت مواقع الرجعية وإلى كسبها مواقع جديدة وشلّ قدرة الجمهورية العربية المتحدة على مواجهة التآمر.
   ومع وعي الحزب لحجم التضحيات التي قدمتها الجمهورية العربية المتحدة وتثمينها عاليا، كان يجهد أن لا تكسب الرجعية العربية، وخاصة السعودية، ما حققته في اتفاقية جدة لعام 1965.

وهذا ما أكد عليه المؤتمر القومي التاسع الاستثنائي للحزب الذي انعقد في أيلول 1967، حيث أوصى «بأن تبذل الجهود لحل القضية اليمنية بما يكفل للشعب اليمني ممارسة حياته الطبيعية وبناء مجتمعه الحديث في إطار النظام الجمهوري».

في أعقاب حرب حزيران 1967 وبعد انسحاب الجيش المصري من اليمن، قررت قيادة الحزب، بناء على طلب منظمة حزب البعث في اليمن، تزويد الثورة اليمنية بكل ما تحتاج إليه من خبراء وطيارين وعتاد عسكري، واستطاعت قوى الثورة وبمساعدات لوجستية، خاصة، من سورية أن تصد أكبر هجوم رجعي على صنعاء، وتطارد فلول القوات المنهزمة، ونتيجة لذلك الانتصار، تم الاتفاق في عام 1970، بين الدولتين اليمنية والسعودية، على أن توقف المملكة السعودية المساعدات التي تقدمها للملكيين وتنهي وجود المرتزقة، وفي 21 تموز 1970م اعترفت المملكة العربية السعودية بالنظام الجمهوري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كتاب (مروان حبش في قضايا وآراء)

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني