يحيى زيدو: عبث
هل كان عليك أن تمضي عمرك و أنت تسقي ساعات الانتظار
لتزرع شجرة الوقت، و تقضي زمنك في البحث عن ظلك تحتها
قبل أن تعرف أن الوقت ليس له ظل.....
و أن الوقت ليس لديه وقتٌ لضبط العلاقة بين الذوق و التذوق..
و أنه ليس مستقلٌّ بذاته خارج الذات..
و أنك حين تعبر الوقت فإنه يعبرك أيضاً، و في كل عبورٍ يترك ندبةً على روحك المتعبة...
*****
هل كان عليك في تلك الليلة أن تدخن سيجارتك الأولى أمام شبّاك بنت الجيران
و أنت ترمقها بعينك لكي تعلن أمامها دخولك عالم الرجولة؟
ألم يكن حريّاً بك أن تنتبه لاحتمال قدوم أبيك لضبطك متلبساً بجريمة التدخين، و دخول عالم الرجولة المُتخيّل؟..قبل أن تستسلم كعصفورٍ بين يديه القويتين و هما تطبعان أصابعهما على خديك.
ألم يكن حريّاً بك أن تحسب حساباً لأخيها أو أبيها إذا رأوا اعتداء عينيك على شرفهم المحبوس خلف مقولات الفضيلة، قبل أن تتلقى أول دروس التأديب الشرقية...؟
و تعلم أن الخوف هو أساس الأخلاق..
*******
هل كان عليك أن تتأمل أشكال الظلال المتمايلة على جدران كهوف قلبك
و تلافيف دماغك..و تقوم بتأويل حركاتها، و تعطيها معانٍ و أبعادٍ غيبية كسادنٍ لهياكل الوهم
قبل أن تشرق الشمس و تقترب منك لتمحو كل أوهامك التي تعبت في صنعها، و ترتيبها، و تصنيفها،و تعود إلى أرض الواقع محمّلاً بالخيبة و الخذلان..و تعلم أن الحياة في جوهرها هي عمل القوة و تأويل لها، و ليست هي قوة الحقيقة التي تأتي من الحواس فقط.
*******
هل كان عليك أن تؤمن بمقولة ’’ أنّ من يعطيك ثقته الكاملة لديه الحق في أن يحصل على ثقتك بالمقابل’’. قبل أن تعرف أن هذا استنتاج خاطئ، لأن الهدية الحقيقية لا مقابل لها. و أنّ على العاقل أن يتعلّم كيف يحب أعداءه عندما يحتاج لذلك...وأن يتعلّم كيف يكره أصدقاءه عندما يحتاج لذلك أيضاً.
و هل كان عليك أن تقضي كل هذا الوقت في عبث الاهتمام بالآخر..قبل أن تشتاق إلى نفسك، و تبحث عن ذاتك المفردة..أو ظلك الضائع في المعنى.. قبل أن تجدد عبثية الصراع الأزلي في علاقتك بالنور و الظلام. و الخير و الشر. و الحق و الباطل..قبيل ارتحالك إلى عالم الأبدية البيضاء الخاوية من المعاني.
******
هل كان عليك أن تؤمن بأن الإله خلق العالم في ستة أيام و في اليوم السابع استراح
قبل أن تكتشف أن إله الحب عند الإغريق قد أُسكِن السماء و سُقي السم لكي يموت، فتحوّل من الموت إلى الرذيلة، و لذا أصبحت الرذائل عصيّة على الموت بعد أن أعطيت لقاح السم المضاد..
و لماذا لم تفكّر أن الإله في الأسطورة قد أحسّ بالملل في اليوم السابع، فاخترع الصراع بين مخلوقاته ليقضي على ملله؟
و هل كان عليك أن تقرأ ما قرأت، و تعلم ما علمت و تعلّمت لتكتشف أن العبث هو قانون الحياة الأزلي..
و أن العيش في العبث هو أكثر انسجاماً مع جوهر الكائن الحي بدلاً من العيش في زرائب العقل..
الكون عبث، الطبيعة عبث،
الحياة عبث،الحب عبث، الموت عبث
الإنسان عبث..و كل ما ينتج عنه عبث..
المعاني و المقاصد تحيل إلى العبث
مات الإنسان...عاش العبث..